10 - (باب قوله) عزَّ وجلَّ، وفي رواية أبي ذرٍّ بدون لفظ «قوله» ( {إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} ) اختلف هل يصلُّون خبر عن الله وملائكته، أو عن الملائكة فقط، وخبرُ الجلالة محذوفٌ لتغاير الصَّلاتين؛ لأنَّ صلاة الله تعالى غير صلاتهم؛ أي أنَّ الله تعالى يُصلِّي وملائكته يُصلُّون إلَّا أنَّ فيه بحثًا، وذلك أنهم نصُّوا على أنَّه إذا اختلف مدلولا الخبرين لا يجوزُ حذف أحدهما لدَلالة الآخر عليه، وإن كان بلفظٍ واحدٍ، فلا يقال زيد ضارب وعَمرو؛ أي ضارب في الأرض؛ أي مسافر، وعبَّر بصيغة المضارع ليدلَّ على الدَّوام والاستمرار؛ أي أنَّه تعالى وجميع ملائكته الذين لا يحصون بالعدِّ، ولا يحصرون بالحدِّ يصلُّون عليه.
( {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ} ) أي اعتنوا بشأنهِ وتعظيمهِ، فإنَّكم أولى بذلك وقولوا اللَّهمَّ صلِّ على محمَّد ( {وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} ) وقولوا السَّلام عليك أيُّها النَّبي، وأكَّد السَّلام بالمصدر، واستشكل بأنَّ الصَّلاة آكد منه فكيف أكَّد بالمصدر دونها؟ وأُجيب بأنها مؤكَّدة بأن، وبإعلامه تعالى بأنه يُصلِّي عليه وملائكتهِ ولا كذلك السَّلام، إذ ليس ثمَّة ما يقومُ مقام ذلك، أو أنَّه لمَّا وقعَ تقديمها عليه لفظًا، وللتَّقديم مزيَّة في الاهتمام حسن تأكيد السَّلام؛ لئلا يتوهَّم قلة الاهتمام به
ج 20 ص 514
لتأخُّره، وأضيفتِ الصَّلاة إلى الله وملائكته دون السَّلام، وأمر المؤمنون بهما لاحتمال أن يُقال إنَّ السَّلام لما كان له معنيان التحية والانقياد، [فأمر به المؤمنون لصحتهما منهم، والله والملائكة لا يجوز من الانقياد] فلم يضفْ إليه تعالى دفعًا للإيهام كذا قيل، ثمَّ إنَّ الأمر للوجوب في الجملة، أو كلَّما ذكر لحديث (( رغم أنف رجلٍ ذكرتْ عنده فلم يصلِّ عليَّ ) )رواه البخاري في الأدب، والتِّرمذي.
وقوله (( من ذُكرتُ عنده فلم يصلِّ عليَّ فدخل النَّار فأبعدَه الله ) )وحديث عليٍّ رضي الله عنه عنده مرفوعًا (( ما جلسَ قومٌ مجلسًا لم يذكروا الله فيه، ولم يصلُّوا على نبيهم إلَّا كانت عليهم ترة، فإن شاء عذَّبهم، وإن شاءَ غفر لهم ) )أو في العمر مرَّة واحدة؛ لأنَّ الأمر المطلق لا يقتضي تكرارًا والماهيَّة تحصلُ بمرَّة أو في القعود آخر الصَّلاة بين التشهُّد والسَّلام، قاله الإمام الشَّافعي والإمام أحمد في إحدى الرِّوايتين عنه، وهي الأخيرة، وإسحاق بن راهويه ونصُّه (( إذا تركه عمدًا بطلت صلاته، أو سهوًا رجوت أن تجزئه ) ). واختاره ابنُ العربي من المالكيَّة، وقد انتزع النُّووي من الآية الجمع بين الصَّلاة والسَّلام فلا يفردُ أحدهما من الآخر.
قال الحافظُ ابن كثير والأولى أن يُقالَ صلى الله عليه وسلم، وقد سقط في رواية أبي ذرٍّ قوله < {يا أيها الذين آمنوا} >. .. إلى آخره وقال بعد النبي .
(قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ) هو رُفيع _ بالتصغير _ ابن مهران الرِّياحي _ بكسر الراء بعدها تحتية وبعد الألف حاء مهملة _ مولاهم البصري أحد أئمَّة التَّابعين، أدرك الجاهليَّة، وأسلم بعد موت النَّبي صلى الله عليه وسلم بسنتين، ودخل على أبي بكر رضي الله عنه، وصلَّى خلف عمر رضي الله عنه، وحفظَ القرآن في خلافته، وتوفِّي سنة تسعين في شوَّال، وقال البخاري سنة ثلاث وتسعين (صَلاَةُ اللَّهِ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمَلاَئِكَةِ، وَصَلاَةُ الْمَلاَئِكَةِ الدُّعَاءُ) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق آدم بن أبي إيَّاس ثنا أبو جعفر الرَّازي، عن الرَّبيع هو ابن أنس بهذا، وزاد في آخره له.
وقال أبو بكر الرَّازي والطَّحاوي وغيرهما عن أبي العالية صلاةُ الله عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدُّعاء، وأراد إخبار الله تعالى الملائكة برحمته لنبيِّه وإتمام نعمته عليه.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ)
ج 20 ص 515
رضي الله عنهما (يُصَلُّونَ يُبَرِّكُونَ) بتشديد الراء المكسورة، من التَّبريك وهو الدُّعاء بالبركة، وصله الطَّبري من طريق عليِّ بن أبي طلحة عنه في قوله تعالى {يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} يُبرِّكون على النَّبي؛ أي يدعون له بالبركة، فيوافق قول أبي العالية لكنَّه أخص منه، ونقل التِّرمذي عن سفيان الثَّوري وغير واحد من أهل العلم قالوا صلاة الرَّب الرَّحمة، وصلاة الملائكة الاستغفار.
وعن الحسن فيما رواه ابنُ أبي حاتم أنَّ بني إسرائيل سألوا موسى عليه السَّلام هل يصلِّي ربك؟ قال كان ذلك كبر في صدر موسى عليه السلام فأوحى الله إليه أخبرهم أنِّي أصلِّي، وأنَّ صلاتي أنَّ رَحمتي سبقت غضبي، وهو في معجمي الطَّبراني «الصَّغير» و «الأوسط» من طريق عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه (( قلت يا جبريل أيصلِّي ربك؟ قال نعم قلت ما صلاته؟ قال سبُّوح قدُّوس سبقتْ رحمتي غضبي ) ). وعن أبي بكر القشيري فيما نقله القاضي عياض الصَّلاة على النَّبي من الله تشريف وزيادة تكرمة، وعلى من دون النَّبي رحمة.
وبهذا التَّقرير يظهر الفرق بين النَّبي صلى الله عليه وسلم وبين سائر المؤمنين حيث قال تعالى {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} [الأحزاب 56] وقال قبل ذلك في السُّورة (( هو الذي يُصَلِّي عَلَيكم وملائكته ) ) [الأحزاب 43] ، ومن المعلوم أنَّ القدر الذي يليق بالنَّبي صلى الله عليه وسلم من ذلك أرفع ممَّا يليق بغيره.
( {لَنُغْرِيَنَّكَ} لَنُسَلِّطَنَّكَ) أشار به إلى قوله تعالى {وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ} [الأحزاب 60] وفسَّره بقوله «لنسلِّطنك» ، وهو قول ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وصله الطَّبري من طريق عليِّ بن أبي طلحة بلفظ لنُسلطنَّك عليهم، وقال أبو عبيدة مثله، وكذا قال السُّدي، وأوَّل الآية {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ} أي عن نفاقهم {وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} أي ضعف إيمان وقلَّة ثبات عليه أو فجور عن أذى المسلمين {وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ} يعني بالكذب والباطل يقولون أتاكم العدو
ج 20 ص 516
وقُتلت سراياكم {لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ} أي لنسلطنَّك عليهم بالقتال والإخراج {ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا} أي في المدينة {إلا قليلًا} [الأحزاب 60] أي زمانًا قليلًا أو جوارًا قليلًا حتَّى يهلكوا أو يرتحلوا، وثمَّ للدَّلالة على أنَّ الجلاء ومفارقة جوار الرَّسول أعظم ما يصيبهم، وقد قال
~لَقَتْلٍ بِحَدِّ السَّيْفِ أَهْوَنُ مَوْقِعًا عَلَى المَرْءِ مِنْ قَتْلٍ بِحَدِّ فِرَاقِ
وقال الحافظُ العسقلاني كذا وقع هذا هاهنا ولا تعلُّق له بالآية، وإن كان من جملة السُّورة فلعلَّه من الناسخ، وتعقَّبه العيني بأنَّه لم يدع البخاري أنَّه ممَّا يتعلَّق بالآية حتى يُقال ذلك، وإنَّما ذكره على عادته ليفسر معناه، فلو كان من غير هذه السُّورة لكان لما قاله وجه، والنِّسبة إلى النَّاسخ في غاية البعد.