فهرس الكتاب

الصفحة 3451 من 11127

2213 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية بالإفراد (مَحْمُودٌ) هو ابنُ غَيلان _ بفتح المعجمة _، وقد مرَّ في باب (( النَّوم قبل العشاء ) )، في كتاب (( الصَّلاة ) ) [خ¦570] ، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) هو ابنُ هَمَّام، قال (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) أي ابن راشد (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهاب (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) أنَّه قال (جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشُّفْعَةَ فِي كُلِّ مَالٍ لَمْ يُقْسَمْ) وفي رواية للبخاري على ما يأتي عن قريب [خ¦2257] (( في كلِّ ما لم يقسم ) ). ورواه أحمد في «مسنده» عن عبد الرَّزَّاق (( في كلِّ مال يقسم ) ). ورواه إسحاق بن إبراهيم، فقال (( في الأموال ما لم يقسم ) ). والمراد من قوله (( في كلِّ ما لم يقسم ) )هو العقار وإن كان اللَّفظ عامًّا.

(فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ، وَصُرفَتِ) على صيغة المجهول بتخفيف الراء وتشديدها (الطُّرُقُ، فَلاَ شُفْعَةَ) لأنَّها حينئذٍ تكون مقسومة غير مشاعة. وقد اختلف العلماء في هذا الباب فذهب الأوزاعي واللَّيث بن سعد ومالك والشَّافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور أن لا شفعة إلَّا لشريك لم يقاسم، ولا تجب الشُّفعة بالجوار. واحتجُّوا بحديث جابر رضي الله عنه هذا. واحتجُّوا أيضًا بما رواه الطَّحاوي من حديث أبي الزُّبير عن جابر رضي الله عنه، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( الشُّفعة في كلِّ شرك بأرض، أو ربع أو حائط لا يصلح أن يبيعَ حتَّى يعرض على شريكه فيأخذ أو يدع ) ). وأخرجه مسلم وأبو داود أيضًا.

وذهب الثَّوري والحسن بن حَيٍّ وإسحاق وأحمد

ج 10 ص 364

في رواية، وأبو عبيد والظَّاهرية أنَّ أحد الشَّريكين إذا عرض عليه الآخر فلم يأخذ سقط حقُّه من الشُّفعة. ويروى ذلك عن الحكم بن عُتَيْبَة أيضًا.

وقال الطَّحاوي وقال أبو حنيفة ومالك والشَّافعي وأصحابه لا يسقط حقُّه بذلك، بل له أن يأخذ بعد البيع؛ لأنَّ الشُّفعة لم تجب بعد، وإنَّما تجب له بعد البيع، فتركه ما لم يجب له بعد لا معنًى له، ولا يسقط حقُّه إذا وجب.

وقال النَّخعي وشُرَيْحٌ القاضي والثَّوري وعَمرو بن حُرَيْث والحسن بن حَيٍّ وقتادة والحسن البصري وحمَّاد بن أبي سليمان وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمَّد تجب الشُّفعة في الأراضي والرِّباع والحوائط للشَّريك الذي لم يقاسم، ثمَّ للشَّريك الذي قاسم، وبقي حقُّ طريقه أو شربه، ثمَّ من بعدهما للجار الملازق، وهو الذي داره على ظهر الدَّار المشفوعة، وبابه في سكَّة أخرى.

وروي عن عطاء أنَّه قال الشُّفعة في كلِّ شيء حتَّى في الثَّوب، وحُكِيَ عن مقالة عطاء عن بعض الشَّافعية ومالك. وأنكره القاضي أبو محمَّد. وحُكِيَ عن مالك وأحمد وجوب الشُّفعة في السُّفن.

وفي «حاوي» الحنابلة وكلُّ ما لا يقسم، ولا هو متَّصل بعقار كالسَّيف والجوهرة والحجر والحيوان وما في معنى ذلك. ففي وجوب الشُّفعة فيه روايتان ذكرهما ابنُ أبي موسى. ولا تُؤْخَذُ الثِّمارُ بالشُّفعة تَبَعًا، ذكره القاضي.

وقال أبو الخطَّاب تؤخذ وعلى ذلك يخرج الزَّرع، ولا شفعةَ فيما يُقْسَمُ من المنقولات بحال.

وقال النَّووي في «الرَّوضة» ولا شفعة في المنقولات سواء بِيْعَتْ وحدها أم مع الأرض، وتثبت في الأرض سواء بِيْعَ الشِّقص منها وحده أم مع شيء من المنقولات. وما كان منقولًا، ثمَّ أُثْبِتَ في الأرض للدَّوام كالأبنية والأشجار، فإن بيعت منفردة فلا شفعة فيها على الصَّحيح. ولو كان على الشَّجر ثمرة مؤبَّرة وأدخلت في البيع بالشَّرط لم يثبت فيها الشُّفعة فيأخذ الشَّفيع الأرض والنَّخيل بحصَّتهما، وإن كانت غير مؤبَّرة دخلت في البيع، وهل للشَّفيع أخذها؟ وجهان أو قولان أصحهما نعم، انتهى.

ثمَّ اختلف من يقول بالشُّفعة للجار فقال أصحابنا الحنفيَّة لا شفعة إلَّا للجار الملازق،

ج 10 ص 365

وقال الحسن بن حَيٍّ للجار مطلقًا بعد الشَّريك. وقال آخرون الجار الذي تجب له الشُّفعة أربعون دارًا حول الدَّار. وقال آخرون من كلِّ جانب من جوانب الدَّار أربعون دارًا. وقال آخرون هو كلُّ من صلَّى معه صلاة الصُّبح في المسجد. وقال بعضُهم أهل المدينة كلُّهم جيران.

وحجَّة أصحابنا فيما ذهبوا إليه أحاديث رُوِيَتْ عن النَّبي صلى الله عليه وسلم

منها ما رواه الطَّحاوي بإسنادٍ صحيحٍ، فقال حدَّثنا إبراهيم بنُ أبي داود، قال نا علي بن بحر القطَّان، وأحمد بن جناب، قالا حدَّثنا عيسى بن يونس، قال حدَّثنا سعيدُ بن أبي عَروبة، عن قتادة، عن أنس رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال (( جار الدَّار أحقُّ بالدَّار ) ). وأخرجه البزَّار أيضًا في «مسنده» .

فإن قيل قال التِّرمذي ولا يعرف حديث قتادة عن أنس رضي الله عنه إلَّا من حديث عيسى بن يونس.

فالجواب أنَّه وما لعيسى بن يونس فإنه حجَّة ثبت. قال ابنُ المثنى حين سئل عنه بخٍ بخٍ ثقة. وقال محمَّد بن عبد الله بن عمَّار عيسى حجَّة، وهو أثبت من إسرائيل. وقال العجلي كان ثبتًا في الحديث، فإذا كان كذلك فلا يضرُّ كون الحديث عنه وحده.

ومنها حديث سَمُرَةَ بن جُنْدُب أخرجه التِّرمذي، وقال حدَّثنا علي بن حجر، قال أنا إسماعيل بن عليَّة، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سَمُرَةَ بن جُنْدُب رضي الله عنه، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( جار الدَّار أحقُّ بالدَّار ) ). وقال التِّرمذي حسن صحيحٌ. وأخرجه الطَّحاوي من ستَّة طرق صحاح، أحدها مرسل.

فإن قلت الحسن لم يسمع من سَمُرَةَ إلَّا ثلاثة أحاديث وهذا ليس منها.

فالجواب قال التِّرمذي عن البخاري أنَّه سمع منه عدَّة أحاديث.

وقال الحاكم في أثناء كتاب (( البيوع ) )من «المستدرك» قد احتجَّ البخاري بالحسن عن سَمُرَةَ وذلك بعد أن روى حديثًا من رواية الحسن عن سَمُرَةَ رضي الله عنه.

ومنها حديث علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما أخرجه الطَّحاوي وقال نا أبو بَكْرَةَ قال نا أبو أحمد قال ثنا سفيان، عن منصور، عن الحكم

ج 10 ص 366

عمَّن سمع عليًّا وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما يقولان قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجوارِ.

وأخرجه ابن أبي شيبة في «مصنَّفه» قال نا جرير بن عبد الحميد، عن منصور، عن الحكم، عن عليٍّ وعبد الله رضي الله عنهما قالا قضى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالشُّفعة للجوار، هذا في «مسند الطَّحاوي» . وفي «مسند ابن أبي شيبة» الحكم عن عليٍّ، والحكم لم يدرك عليًا ولا عبد الله رضي الله عنهما.

ومنها حديث عمرو بن حُرَيْثٍ أنَّه كان يقضي بالجوار أي يقضي للجار بالشُّفعة بسبب الجوار. وروى الطَّحاوي أيضًا بإسناده إلى عمر رضي الله عنه أنَّه كتب إلى شُرَيْحٍ أن يقضي بالشُّفعة للجار الملازق.

وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة نحوه، وفيه فكان شُرَيْحٌ يقضي للرَّجل من أهل الكوفة على الرَّجل من أهل الشَّام.

وأجاب أصحابنا الحنفيَّة عن حديث الباب أنَّ جابرًا رضي الله عنه قال جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الشُّفعة في كل مال لم يقسم ولفظه في حديثه الثَّاني الآتي (( قضى النَّبي صلى الله عليه وسلم بالشُّفعة في كلِّ مال لم يقسم ) ).

وهذان اللَّفظان إخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قضى، ثمَّ قال بعد ذلك فإذا وقعت الحدود إلى آخره.

وهذا قول جابر رضي الله عنه لم يحكِهِ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنَّما يكون هذا حجَّة علينا أن لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك، على أنَّه رُوِيَ عن جابر رضي الله عنه أيضًا أنَّه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( الجار أحقُّ بشفعة جاره، فإن كان غائبًا انتُظِر إذا كان طريقهما واحدًا ) )أخرجه الطَّحاوي من ثلاث طُرق صحاح، وأخرجه أبو داود والتِّرمذي والنَّسائي وابن ماجه أيضًا.

وقال التِّرمذي هذا حديثٌ حسنٌ غريب، ولا نعلم أحدًا روى هذا الحديث غير عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر رضي الله عنه. وقد تكلَّم شعبة في عبد الملك من أجل هذا الحديث.

وعبد الملك ثقةٌ مأمونٌ عند أهل الحديث لا نعلم أحدًا تكلَّم فيه غير شعبة من أجل هذا الحديث. وقد روى وكيع

ج 10 ص 367

عن شعبة، عن عبد الملك هذا الحديث، وروى عن ابن المبارك، عن سفيان الثَّوري قال عبد الملك بن أبي سليمان ميزان؛ يعني في العلم.

وحديث الباب أخرجه المؤلِّف في (( الشركة ) ) [خ¦2495] ، و (( الشُّفعة ) ) [خ¦2257] ، و (( ترك الحيل ) )أيضًا [خ¦6976] . وأخرجه أبو داود في (( البيوع ) )، والتِّرمذي في (( الأحكام ) )، وكذا ابن ماجه فيه.

ومطابقته للتَّرجمة من حيث إنَّ الشُّفعة لا تقوم إلَّا بالشَّفيع، وهو إذا أخذ الدَّار المشتركة بينه وبين رجل آخر حين باع بالشُّفعة، فكأنَّه اشتراه من شريكه فصُدِّق أنَّه بيع الشَّريك من الشَّريك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت