فهرس الكتاب

الصفحة 6413 من 11127

2 -(باب{غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ})اعلم أنَّ الجمهور على

ج 19 ص 14

جر (( غير ) )بدل من (( الَّذين ) )على المعنى، أو من ضمير (( عليهم ) )، ورُد بأنَّ أصل غير الوصفيَّة والإبدال بالأوصاف ضعيفٌ، وقد يُقال استعمل (( غير ) )استعمال الأسماء نحو غيرك يفعل كذا، فجاز وقوعه بدلًا. وعن سيبويه هو صفة للذين، ورُد بأنَّ غيرًا لا تتعرف.

وأُجيب بأنَّ سيبويه نقل أن ما إضافته غير محضةٍ قد يتمحَّض فيتعرَّف إلَّا الصِّفة المشبهة، وغير داخل في هذا العموم، وقُرئ في الشواذ بالنصب، فقيل حالٌ من ضمير (( عليهم ) )وناصبها (( أنعمت ) ).

وقيل من الَّذين، وعاملها معنى الإضافة.

قال ابن كثير والمعنى {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ*صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة 6 - 7] ممَّن تقدَّم وصفهم بالهداية والاستقامة {غَيْرِ} صراط {الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} ، وهم الَّذين فسدت إرادتهم فعلموا الحقَّ وعدلوا عنه {وَلَا} صراط {الضَّالِيْنَ} وهم الَّذين فقدوا العلم فهم هائمون في الضَّلالة لا يهتدون إلى الحقِّ، وأكَّد الكلام بلا ليدلَّ على أنَّ ثمَّة مسلكين فاسدين وهما طريقتا اليهود والنَّصارى.

ومن أهل العربيَّة من قال أنَّ «لا» زائدة، والصَّحيح أنَّها لتأكيد معنى النَّفي المفهوم من «غير» لئلا يتوهَّم عطف (( الضالين ) )على (( الَّذين أنعمت ) )، وللفرق بين الطَّريقتين ليجتنب كلٌّ منهما، فإنَّ طريقة أهل الإيمان مشتملةٌ على العلم بالحقِّ والعمل به، واليهود فقدوا العمل، والنَّصارى فقدوا العلم، ولذا كان الغضب لليهود والضَّلال للنصارى؛ لأنَّ من علم وترك استحقَّ الغضب بخلاف من لم يعلم، والنَّصارى لما كانوا قاصدين شيئًا لكنهم لا يهتدون إلى طريقه لأنَّهم لم يأتوا الأمر من بابه فضلُّوا.

وقيل «لا» بمعنى غير، ويُؤيِّده قراءة عمر رضي الله عنه (( غير المغضوب عليهم وغير الضالين ) )ذكرها أبو عبيد وسعيد بن منصور بإسنادٍ صحيحٍ، ثمَّ إنَّ كلًّا من اليهود والنصارى ضالٌ مغضوبٌ عليه، لكن أخصُّ أوصاف اليهود الغضب، وأخصُّ أوصاف النَّصارى الضَّلال، وقد روى أحمد وابن حبَّان من حديث عدي بن حاتم أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (( المغضوب عليهم اليهود، والضالين

ج 19 ص 15

النصارى )) هكذا أورده مختصرًا وهو عند التِّرمذي في حديثٍ طويلٍ.

وأخرجه ابن مردويه بإسنادٍ حسنٍ عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه، وأخرجه أحمد من طريق عبد الله بن شقيق أنَّه أخبره من سمع النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نحوه، وقال ابن أبي حاتم لا أعلم بين المفسِّرين اختلافًا.

قال السُّهيلي وشاهد ذلك قوله تعالى في اليهود {فَبَاؤوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ} [البقرة 90] وفي النصارى {قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا} [المائدة 77] والمراد بالغضب هنا الانتقام، وليس المراد به تغيرًا يحصل عند غليان دم القلب لإرادة الانتقام إذ هو محالٌ على الله تعالى، فالمراد الغاية لا البداية، والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت