فهرس الكتاب

الصفحة 6412 من 11127

4474 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهد، قال (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو ابنُ سعيدٍ القطَّان (عَنْ شُعْبَةَ) أي ابن الحجاج، أنَّه (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بضم الخاء المعجمة وفتح الموحدة وآخره موحدة على صيغة التصغير، وعبد الرَّحمن هو ابنُ يَساف _ بفتح المثناة التحتية وتخفيف السين المهملة _، وكنية خبيب أبو الحارث الأنصاري الخزرجي المدني (عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ) أي ابن عمر بن الخطاب رضي الله عنه (عَنْ أَبِي سَعِيدِ) بفتح المهملة الأولى وكسر الثانية (ابْنِ الْمُعَلَّى) على لفظ اسم المفعول من التَّعلية، واختلف في اسمه فقيل اسمه رافع، وقيل الحارث، وقيل أوس، وقيل بل أوس اسم أبيه، والمعلَّى جده.

وقال أبو عمر من قال هو رافع بن المعلَّى فقد أخطأ؛ لأنَّ رافع بن المعلَّى قُتل ببدرٍ، وأصحُّ ما قيل_والله تعالى أعلم_في اسمه هو الحارث بن نُفيع بن المعلَّى بن لوذان بن حارثة بن زيد بن ثعلبة من بني زُرَيق الأنصاري الزُّرقي، توفي سنة ثلاث أو أربع وسبعين من الهجرة، وهو ابنُ أربع وسبعين.

وقال أبو عمر أيضًا لا يعرف في الصَّحابة إلَّا بحديثين أحدهما عن شعبة عن خبيب بن عبد الرَّحمن إلى آخر ما ذكر هنا، والآخر عند اللَّيث بن سعدٍ، وهو حديثٌ طويلٌ وأوَّله كنَّا نغدو إلى السوق على عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الحديث، وليس له في البُخاري سوى هذا الحديث المذكور في الباب.

قال الحافظُ العسقلاني ما حاصله في إسناد هذا الحديث شيئان الأوَّل أنَّه نسب الغزالي والفخر الرَّازي وتبعَه البيضاوي هذا الحديث

ج 19 ص 8

إلى أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه وهو وهمٌ، وإنَّما هو أبو سعيد بن المعلَّى، والثَّاني أنَّه روى الواقدي هذا الحديث عن محمد بن معاذ عن خُبيب بن عبد الرَّحمن بهذا الإسناد، فزادَ في إسناده عن أبي سعيد بن المعلَّى عن أبي بن كعب، والذي في الصَّحيح أصحُّ، والواقديُّ شديد الضَّعف إذا انفردَ، فكيف إذا خالف! وشيخه هنا مجهولٌ أيضًا، وتعقَّبه العينيُّ أنَّه ذكر الحافظ المزِّي ذلك ولم يتعرَّض إلى شيءٍ ممَّا ذكره.

ومن العجبِ أنَّ الواقدي أحد مشايخ أحمد ومشايخ إمامه الشَّافعي ويحطُّ عليه هذا الحطَّ، وهو وإن كان ضعَّفه بعضُهم فقد وثَّقه آخرون، فقال إبراهيمُ الحربي الواقدي أمين النَّاس على أهل الإسلامِ. وعن المصعب بن الزُّبير ثقةٌ مأمون. وكذا وثَّقه أبو عبيد، وأثنى عليه ابنُ المبارك وآخرون، والله تعالى أعلم.

هذا وقال الحافظُ العسقلاني أيضًا أظنُّ الواقدي دخل عليه حديث في حديث؛ فإنَّ مالكًا أخرج الحديث المذكور من وجهٍ آخر فيه ذكر أبي بن كعب، فقال عن العلاء بن عبد الرَّحمن عن أبي سعيدٍ مولى عامر أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نادى أبي بن كعب.

ومن الرُّواة عن مالكٍ من قال عن أبي سعيد عن أبي بن كعب أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ناداه، وكذلك أخرجه الحاكم، ووهم ابنُ الأثير حيث ظنَّ أنَّ أبا سعيدٍ شيخ العلاء هو أبو سعيد بن المعلَّى، فإنَّ ابن المعلَّى صحابيٌّ أيضًا مدنيٌّ، وذاك تابعيٌّ من موالي قريش.

وقد اختلف فيه على العلاء، أخرجه التِّرمذي من طريق الدَّراوردي والنَّسائي من طريق رَوْح بن القاسم، وأحمد من طريق عبد الرَّحمن بن إبراهيم، وابن خُزيمة من طريق حفص بن ميسرة كلُّهم عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال خرج النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أبي بن كعب، وذكر الحديث.

وأخرجه التِّرمذي وابن خزيمة من طريق عبد الحميد بن جعفر، والحاكم من طريق شعبة كلاهما عن العلاء مثله، لكن قال عن أبي هريرة عن أبي بن كعب،

ج 19 ص 9

ورجَّح التِّرمذي كونه من مسند أبي هريرة رضي الله عنه، وقد أخرجه الحاكم أيضًا من طريق الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نادى أبي بن كعب وهو ممَّا يُقوي ما رجَّحه التِّرمذي، وجمع البيهقيُّ بأنَّ القصة وقعت لأبي بن كعب ولأبي سعيد بن المعلَّى رضي الله عنهما، ويتعيَّن المصير إلى ذلك لاختلاف مخرج الحديثين، واختلاف سياقهما كما سنبيِّن إن شاء الله تعالى.

(قَالَ كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ) أي في مسجد النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ أُجِبْهُ) وزاد في تفسير «سورة الأنفال» [خ¦4647] من وجهٍ آخر عن شعبة فلم آته حتَّى صليت ثمَّ أتيته، وفي راوية أبي هريرة رضي الله عنه خرج رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أبيِّ بن كعبٍ وهو يصلِّي، فقال (( أي أُبي ) )فالتفت فلم يُجبه، ثمَّ صلَّى فخفَّف ثمَّ انصرف، فقال سلامٌ عليك يا رسول الله، قال (( ويحك ما منعك إذ دعوتك أن لا تجيبني ) )الحديث.

(فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي، فَقَالَ أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ} [الأنفال 24] ) زاد أبو ذرٍّ < {لَمَّا يُحْيِيكُمْ} [1] >، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( أوليسَ تجد فيما أوحى الله إليَّ أن {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} الآية ) )فقلت بلى يا رسول الله، لا أعود إن شاء الله تعالى.

نقل ابن التِّين عن الدَّاودي أنَّ في حديث الباب تقديمًا وتأخيرًا، وهو أنَّ قوله «ألم يقل الله {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} » قبل قول أبي سعيدٍ إنِّي كنت في الصَّلاة، قال فكأنَّه تأوَّل أنَّ من هو في الصَّلاة خارجٌ عن هذا الخطاب.

وتعقَّبه الحافظ العسقلاني بأنَّ ما ادَّعاه الدَّاودي لا دليل عليه، ثمَّ إنَّه استدلَّ به القاضيان عبد الوهاب وأبو الوليد من المالكيَّة أنَّ إجابة النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الصَّلاة واجبةٌ يعصي المرء بتركها، وأنَّه حكمٌ يختصُّ بالنَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبالوجوب قالت الشَّافعية أيضًا.

وهل تبطل الصَّلاة أم لا؟ فيه خلاف

ج 19 ص 10

الشَّافعية بعد قولهم بوجوب الإجابة صرَّح جماعةٌ منهم بعدم البطلان، وأنَّه مختصٌّ بالنَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فهو مثل خطاب المصلِّي بقوله السَّلام عليك أيُّها النَّبي، ومثله لا يبطل الصَّلاة، وفيه بحثٌ لاحتمال أن تكون إجابته واجبةٌ سواء كان المخاطب في الصَّلاة أم لا، وأمَّا كونه يخرج بالإجابة من الصَّلاة أو لا يخرجُ، فليس في الحديث ما يدلُّ عليه فيحتمل أن تجب الإجابة، ولو خرج المجيب من الصَّلاة كما ذهب إليه بعض الشَّافعية.

وهل يختصُّ هذا الحكم بالنِّداء، أو يشمل ما هو أعمُّ حتَّى يجب إجابته إذا سألَ فيه بحثٌ، وقد جزمَ ابن حبَّان بأنَّ إجابة الصَّحابة في قصَّة ذي اليدين كان كذلك.

(ثُمَّ قَالَ) أي قال (لِي) النَّبي صلى الله عليه وسلم (لأُعَلِّمَنَّكَ) بنون التَّأكيد المشدَّدة، وفي نسخة العيني (( ألا أعلمنك ) )بكلمة ألا للحثِّ والتَّحضيضِ على ما يقوله القائل في مثل هذا الموضع (سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ السُّوَرِ فِي الْقُرْآنِ) وفي رواية رَوْح في «تفسير الأنفال» [خ¦4647] (( أعظم سورة في القرآن ) )، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( أتحبُّ أن أُعلِّمك سورةً لم ينزل في التَّوراة ولا في الإنجيل ولا في الزَّبور ولا في الفرقان مثلها ) ).

قال ابن بطَّال يحتمل أن يكون أعظم بمعنى عظيم. وقال ابن التِّين معناه أنَّ ثوابها أعظمُ من غيرها، وقيل هو على حقيقته، وذلك لعظم قدرها بالخاصيَّة التي لم يُشاركها فيها غيرها من السُّور لاشتمالها على فوائد ومعانٍ كثيرةٍ مع وجازة ألفاظها.

واستُدلَّ به على جواز تفضيلِ بعض القرآن على بعض، وهو محكيٌّ عن أكثر العلماء كابنِ راهويه وابن العربي، وقد منع من ذلك الأشعري والباقلاني وجماعة؛ لأنَّ المفضول ناقصٌ عن درجة الأفضل، وأسماء الله تعالى وصفاته وكلامه لا نقصَ فيها.

وأُجيب عن هذا بأنَّ معنى التَّفاضل أنَّ ثواب بعضهِ أعظمُ من ثواب بعضٍ، فالتَّفضيل إنَّما هو من حيث الثَّواب والنَّفع للمتعبِّدين لا من حيث المعنى والصِّفة. فإن قيل يؤيِّد التَّفضيل قوله تعالى {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة 106] . فالجواب أنَّ الخيريَّة في المنفعة والرِّفق لعباده لا من حيث الذَّات، وقد روى ابنُ أبي حاتم

ج 19 ص 11

من طريق عليِّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في قوله {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا} أي في المنفعة والرِّفق، وفي هذا تعقُّبٌ على من قال فيه تقديمٌ وتأخير، والتَّقدير نأت منها بخير، وهو كما قيل في قوله تعالى {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا} [النمل 89] لكن في تلك قوله {أَوْ مِثْلِهَا} يأبى عن ذلك، والله تعالى أعلم.

(قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ) بالفوقية في اليونينية (مِنَ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي) بالإفراد، زاد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( يُحدِّثني وأنا أتباطأ مخافة أن يبلغَ الباب قبل أن ينقضيَ الحديث ) ) (فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ) أي من المسجد (قُلْتُ لَهُ أَلَمْ تَقُلْ لأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ؟) وفي رواية أبي هريرة رضي الله عنه فقلت يا رسول الله، ما السُّورة التي وعدَّتني؟ قال كيف تقرأ في الصَّلاة؟ فقرأت أمَّ الكتاب.

(قَالَ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة 2] ) خبر مبتدأ محذوف، وقد صرَّح به في رواية معاذ في «تفسير سورة الأنفال» [خ¦4647] فقال (( هي الحمدُ لله رب العالمين ) ). قال العينيُّ تبعًا لابن التِّين وفيه تصريحٌ على أنَّ البْسملة ليست من الفاتحة، وأراد السُّورة وإلَّا لم يقل هي السَّبع المثاني؛ لأنَّ الآية الواحدة لا يُقال لها سبعٌ، فدلَّ على أنَّه أراد السُّورة، والحمد لله رب العالمين من أسمائها، وفيه تقوية لتأويل الشَّافعي في حديث أنسٍ رضي الله عنه حيث قال كانوا يفتتحون الصَّلاة بالحمد لله ربِّ العالمين، قال الشَّافعي أراد السُّورة.

وتُعُقِّب بأنَّ السُّورة تُسمَّى سورة الحمد، ولا تُسمَّى الحمد لله ربِّ العالمين، وهذا الحديث يردُّ هذا التَّعقُّب.

(هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي) أمَّا السَّبع فلأنَّها سبع آياتٍ، وهو قول سعيد بن جُبير إلَّا أنَّ منهم من عدَّ {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} دون التَّسمية، ومنهم مَن مَذْهبه على العكس، والأوَّل قول الحنفيَّة، والثَّاني قول الشَّافعية، ولكلِّ فريقٍ حجج وبراهين عرفت في موضعها.

قال الطِّيبي وعدَّ البسملة أولى؛ لأنَّ {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} لا يناسبُ وزانه وزان فواصل السُّور، ولحديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما بسم الله الرَّحمن الرحيم الآية السَّابعة، فتأمَّل.

ونقل عن حسين بن علي الجعفي أنَّها ستُّ آياتٍ؛ لأنَّه لم يعدَّ البْسملة ولا {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} ، وعن عَمرو بن عبيد أنَّها ثمانٍ لأنَّه عدَّها، وعدَّ {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} ، وقيل لم يعدها وعدَّ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} وهذان القولان شاذان، ثمَّ إنَّها في كونها سبع آياتٍ تشارك سورة الماعون ولا ثالث لهما، وأمَّا تسميتها بالمثاني فقد اختُلف فيه فقيل لأنَّها يُثنى بها على الله تعالى، أو يثنى عليها بالبلاغةِ والإعجاز.

وقيل المثاني من التَّثنية وهي التَّكرير؛ لأنَّ الفاتحة تكرَّر قراءتها [2] على مرور الأوقات _ أي تكرر _ فلا تنقطع، وتدرس فلا تندرس، وقيل لأنَّها تثنى في كلِّ صلاةٍ أو في كلِّ ركعةٍ؛ أي تُعاد، وقيل لأنَّها

ج 19 ص 12

استُثنيت لهذه الأمَّة لم تنزل على من قبلها، وروي عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّ السَّبع المثاني هي السَّبع الطِّوال البقرة وآل عمران والنِّساء والمائدة والأنعام والأعراف ويونس، وكذا روي عن سعيد بن جُبير، وكذا ذكره الحاكم، وقال الكهف بدل يونس، وذكر الدَّاودي عن غيره أنَّها من البقرة إلى براءة [3] .

قال وقيل هي السَّبع التي تلي هذه السَّبع، وقيل السَّبع الفاتحة، والمثاني القرآن استدلالًا بقوله تعالى {وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي} [الحجر 87] وفيه بحثٌ لأنَّه يجوز أن تكون كلمة «من» للبيان لا للتَّبعيض، وبهذا يندفع أيضًا ما قيل في الحديث السَّبع المثاني، وفي القرآن سبعًا من المثاني فكيف يلتئمُ.

(وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ) قال فضل الله التُّوْرِبشتي إن قيل كيف صحَّ عطف القرآن على السَّبع المثاني، وعطف الشَّيء على نفسه ممَّا لا يجوز؟

قلنا ليس بذاك، وإنَّما هو من باب ذكر الشَّيء بوصفين؛ أحدهما معطوفٌ على الآخر، والتَّقدير آتيناك ما يُقال له السَّبع المثاني والقرآن العظيم؛ أي الجامع لهذين الوصفين، وكذا قال الكرماني.

وقال الطِّيبي عطف القرآن على السَّبع المثاني، والمراد منه الفاتحة، هو من باب عطف العام على الخاص تنزيلًا للتَّغاير في الوصف منزلة التَّغاير في الذَّات، وإليه أومأ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله (( ألا أُعلِّمك أعظم سورةٍ ) )حيث نكر السُّورة وأفردها ليدلَّ على أنَّك إذا تقصَّيت سورة سورة في القرآن وجدتها أعظم سورةٍ فيه، ونظيره في النَّسق لكن من عطف الخاصِّ على العامِّ قوله تعالى {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} [البقرة 98] انتهى.

وقال الخطَّابي يعني بالعظيمِ عظيم المثوبةِ على قراءتها، وذلك لما تجمع هذه السُّورة من الثَّناء والدُّعاء والسُّؤال. والواو في «والقرآن العظيم» ، ليست بالعاطفةِ التي تفصل بين الشَّيئين، وإنما هي الواو التي تجيءُ بمعنى التَّفصيل والتَّخصيص كقوله تعالى {وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} [البقرة 98] وكقوله تعالى

ج 19 ص 13

{فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} [الرحمن 68] وتعقَّبه الحافظ العسقلاني حيث قال وفيه بحثٌ لاحتمال أن يكون قوله «والقرآن العظيم» ، محذوف الخبر، والتَّقدير ما بعد الفاتحة مثلًا، فيكون وصف الفاتحة انتهى بقوله هي السَّبع المثاني، ثمَّ عطف قوله والقرآن العظيم؛ أي ما زاد على الفاتحة، وذكر ذلك رعاية لنظم الآية، ويكون التَّقدير والقرآن العظيم هو الَّذي أوتيته زيادة على الفاتحة، انتهى.

وأنت خبيرٌ بما فيه من التَّكلُّف على أنَّه على هذا لا حاجة إلى تقدير الخبر بل يُمكن أن يقال و «القرآن العظيم» ، مبتدأ، والموصول مع صلته خبره، فافهم.

تنبيه يستنبط من تفسير السَّبع المثاني بالفاتحة أنَّ الفاتحة مكيَّةٌ، وهو قولُ الجمهور خلافًا لمجاهد، ووجه الدَّلالة أنَّه سبحانه امتنَّ على رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بها، وسورة الحجر مكيَّةٌ اتِّفاقًا، فدلَّ على تقدُّم نزول الفاتحة عليها.

قال الحسين بن الفضل هذه هفوةٌ من مجاهد؛ لأنَّ العلماء على خلاف قوله، وأغرب بعض المتأخِّرين فنسب القول بذلك لأبي هريرة رضي الله عنه والزُّهري وعطاء بن يسار، وحكى القُرطبي أنَّ بعضهم زعم أنَّها نزلت مرَّتين، والله تعالى أعلم.

وفي الحديث أنَّ الأمرَ يقتضي الفور؛ لأنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عاتب الصَّحابي على تأخيرِ إجابته، وفيه استعمال صيغة العموم في الأحوال كلِّها.

وقال الخطَّابي فيه أنَّ حكمَ لفظ العموم أن يجريَ على جميعِ مقتضاه، وأنَّ الخاصَّ والعام إذا تقابلا كان العام منزلًا على الخاصِّ؛ لأنَّ الشَّارع حرَّم الكلام في الصَّلاة على العموم، ثمَّ استثنى منه إجابة دعاء النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الصلاة، وفيه أن إجابة المصلِّي دعاء النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يُفسد الصَّلاة، وقد مرَّ الكلام فيه آنفًا.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة، وقد أخرجه البُخاري في «فضائل القرآن» أيضًا [خ¦4703] ، وأخرجه أبو داود في الصَّلاة، وكذا النَّسائي فيه، وفي التَّفسير وفضائل القرآن، وابن ماجه في ثواب التَّسبيح.

[1] في هامش الأصل قوله تعالى {لِمَا يُحْيِيكُمْ} أي من العلوم الدينية فإنها حياة القلب والجهل موته، قال الشاعر

~لا تعجبن الجهول حلته فذاك ميت وثوبه كفن

أو مما يورثكم من الحياة الأبدية في النعيم الدائم من العقائد والأعمال، أو من الجهاد فإنه سبب بقائكم إذ لو تركوه لغلبهم العدو وقتلهم، أو الشهادة لقوله تعالى {بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ} كذا قاله البيضاوي. منه.

[2] في هامش الأصل أي في الصلاة، أو في الثناء على الله تعالى. منه.

[3] في هامش الأصل وقيل لأن الكلمات فيها مثناة بالرحمن الرحيم، إياك إياك، والصراط صراط، وقيل بأن أهل السماء يصلون بها كأهل الأرض، وقيل لأنها تشتمل على ذكر الربوبية والعبودية، وقيل لأن فيها تنبيهًا على صفات قدرته وصفات رحمته سبحانه وتعالى، ويقال لأنها ثنيت في الإنزال إن صح أنها نزلت بمكة حين فرضت الصلاة، والمدينة لما حولت القبلة. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت