فهرس الكتاب

الصفحة 6601 من 11127

10 - (باب قَوْلِهِ) سقط لفظ في رواية غير أبي ذرٍّ ( {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى} ) جمع مريض، وأراد به مريضًا يضرُّه الماء، كصاحب الجدري والجروح، ومن يتضرَّر باستعمال الماء أو مرضًا يمنعه من الوصول إليه، والمرضُ انحراف مزاجٍ يصدرُ معه الأفعال غير مستقيمة، والمراد هنا كلُّ ما يخاف منه محذورٌ، وهذا قول جماعة الفقهاء إلَّا ما ذهبَ إليه عطاء والحسن أنَّه لا يتيمَّم مع وجود الماء احتجاجًا بقوله تعالى {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} ولم يُؤخذ به.

وعن مجاهدٍ فيما رواه ابن أبي حاتم أنَّ قوله {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى} ، نزلت في رجلٍ من الأنصار كان مريضًا فلم يستطع أن يقومَ فيتوضَّأ ولم يكن له خادمٌ يناوله، فأتى رسولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ج 19 ص 289

فذكر ذلك له، فأنزلَ الله هذه الآية، وهذا مرسلٌ.

(أوْ عَلَى سَفَرٍ) طويلٍ أو قصيرٍ لا تجدون فيه الماء، والسَّفر هو الخروجُ عن الوطن، قيل وينبغي أن يكون مباحًا وليس كذلك، وإنَّما الشَّرط عدمُ الماء، وإنَّما ذكر السَّفر لأنَّ الماءَ يعدم فيه غالبًا (أوْ جَاءَ أحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ) أي أحدث بخروجِ الخارج من أحد السَّبيلين، والغائط هو الموضعُ المطمئنُّ من الأرض، وكانت عادة العرب أنَّهم يتبرَّزون هناك ليغيبوا عن أعين النَّاس، فكنّى به عن الحدث تسميةً للشَّيء باسم مكانه، ثمَّ كثر الاستعمال حتَّى صار كالحقيقة، والفعل منه غاط يغوط، مثل عاد يعود.

( {صَعِيدًا} وَجْهَ الأرْضِ) أشار به إلى قوله تعالى {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء 43] وفسَّر قوله {صَعِيدًا} بقوله «وجه الأرض» ، وقد ذكره ابن المنذر عن أبي عبيدة في قوله تعالى {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} تيمموا؛ أي تعمَّدوا قال والصَّعيد وجه الأرض. قال الزَّجاج لا أعلم خلافًا بين أهل اللُّغة أنَّ الصَّعيد وجه الأرض سواءٌ كان عليها ترابٌ أم لا. ومنه قوله تعالى {صَعِيدًا جُرُزًا} [الكهف 8] ، {صَعِيدًا زَلَقًا} [الكهف 40] وإنَّما سُمِّي صعيدًا؛ لأنَّه نهاية ما يُصعد إليه من الأرض التي ليس فيها شجرٌ ولا نباتٌ، ومن ذلك قالت الحنفيَّة لو ضرب المتيمم يده على حجر صلد ومسح أجزأه.

وقالت الشَّافعيَّة لا بدَّ أن يعلقَ باليد شيءٌ من التَّراب لقوله تعالى في سورة المائدة {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} ؛ أي من بعضه، وقد جعلها الحنفيَّة لابتداء الغاية. وقال الطَّبري بعد أن روى من طريق عمرو بن قيس قال الصَّعيد التُّراب. ومن طريق ابن زيد الصَّعيد وجه الأرض.

والصَّواب أنَّ الصَّعيد وجه الأرض المستوية الخالية من الغرس والنَّبات والبناء، وأمَّا الطِّيب فهو الَّذي تمسَّك به من اشترط في التَّيمم التراب؛ لأنَّ الطِّيب هو التُّراب المنبت، قال الله تعالى {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ} [الأعراف 58] . وروى عبد الرَّزَّاق من طريق ابن عبَّاس رضي الله عنهما الصَّعيد تراب الحرث. والحنفيَّة حملوا الطِّيب على الطَّاهر، وموضعه الفروع.

(وَقَالَ جَابِرٌ) هو ابنُ عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما(كَانَتِ الطَّوَاغِيتُ

ج 19 ص 290

الَّتِي يَتَحَاكَمُونَ إِلَيْهَا)الطَّواغيت، جمع طاغوت، قال سيبويه الطَّاغوت اسمٌ واحد مؤنث، وقال أبو العبَّاس محمد بن يزيد هو عندي جماعةٌ.

وقال ابن الأثير الطَّاغوت يكون جمعًا وواحدًا، وقال الجوهريُّ وطاغوت وإن كان على وزن لاهوت فهو مقلوبٌ؛ لأنَّه من طغى، ولاهوت غير مقلوبٍ؛ لأنَّه من لاه؛ لأنَّه بمنزلة الرَّغبوت والرَّهبوت انتهى.

وأصله طغيوت فقدمت الياء على الغين فقلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، والطَّاغوت الكاهن والشَّيطان، وكلُّ رأسٍ في الضَّلال. وأشار البُخاري بذلك إلى قوله تعالى {يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ} [النساء 60] وروي عن جابرٍ أنَّه قال كانت الطَّواغيت التي يتحاكمون إليها في الجاهليَّة. (فِي جُهَيْنَةَ) مصغَّرًا قبيلة (وَاحِدٌ) أي مسمَّى بطاغوت (وَفِي أسْلَمَ) على وزن أفعل التفضيل، هي قبيلةٌ أيضًا (وَاحِدٌ، وَفِي كُلِّ حَيٍّ) من أحياء العرب (وَاحِدٌ) وقوله (كُهَّانٌ) بضم الكاف وتشديد الهاء، جمع كاهن، خبر مبتدأ محذوف؛ أي الطَّواغيت المذكورة في تلك القبائل كُهَّان (يَنْزِلُ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ) فيُلقي إليهم الأخبار، والكاهن هو الَّذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزَّمان ويدَّعي معرفة الأسرار.

وهذا الأثر وصله ابنُ أبي حاتم عن أبيه عن الحسن بن الصباح حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم حدَّثني إبراهيم بن عقيل، عن أبيه عقيل بن معقل، عن وهب بن منبِّه قال سألتُ جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن الطَّواغيت، مذكر مثله وزاد وفي هلالٍ واحدٍ، وهي قبيلةٌ أيضًا ينسبون إلى هلال بن عامر بن صعصعة منهم ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين، وجماعةٌ من الصَّحابة رضي الله عنهم وغيرهم.

(وَقَالَ عُمَرُ الْجِبْتُ السِّحْرُ، وَالطَّاغُوتُ الشَّيْطَانُ) أشار به إلى قوله تعالى {يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} [النساء 51] وهذا الأثر وصله عبد بن حميد في «تفسيره» ومسدد في «مسنده» وعبد الرَّحمن رُسَتَه في كتاب «الإيمان» كلُّهم من طريق أبي إسحاق عن حسان بن فائد عن عمر رضي الله عنه

ج 19 ص 291

مثله، وإسناده قويٌّ، وقد وقع التَّصريح بسماع أبي إسحاق له من حسَّان، وسماع حسان من عمر رضي الله في رواية رُسَتَه وحسان بن فائد _ بالفاء _ عبسي بالموحدة، قال أبو حاتم شيخٌ، وذكره ابن حبَّان في «الثقات» ، وروى الطَّبري عن مجاهدٍ مثل قول عمر رضي الله عنه وزاد والطَّاغوت الشَّيطان في صورة إنسانٍ يتحاكمون إليه.

ومن طريق سعيد بن جُبير وأبي العالية قال الجبت السَّاحر، والطَّاغوت الكاهن، وهذا يُمكن ردُّه بالتَّأويل إلى الَّذي قبله.

(وَقَالَ عِكْرِمَةُ) مولى ابن عبَّاس رضي الله عنهما (الْجِبْتُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ شَيْطَانٌ، وَالطَّاغُوتُ الْكَاهِنُ) وهذا الأثر وصله عبد بن حميد أيضًا عن أبي الوليد عن أبي بشر عنه. وروى الطَّبري من طريق قَتَادة مثله بغير ذكر الحبشة قال كنَّا نتحدَّث أنَّ الجبت الشَّيطان والطَّاغوت الكاهن. ومن طريق العوفي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال الجبتُ الأصنام، والطَّواغيت الَّذين كانوا يُعَبِّرون عن الأصنام بالكذب [1] .

قال وزعم رجالٌ أنَّ الجبتَ الكاهن، والطَّاغوت رجلٌ من اليهود يُدعى كعبَ بن الأشرف.

ومن طريق عليِّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال الجبت حُيي بنُ أخطب، والطَّاغوت كعب بن الأشرف.

واختاره الطَّبري أنَّ المرادَ بالجبت والطَّاغوت جنس من كان يُعبدُ من دون الله سواءٌ كان صنمًا أو شيطانًا جنيًا أو آدميًا فيدخل فيه السَّاحر والكاهن، وأمَّا قول عكرمة إنَّ الجبتَ بلسان الحبشة الشَّيطان، فقد وافقه سعيد بن جُبير على ذلك غير أنَّه عبَّر عنه بالسَّاحر، أخرجه الطَّبري بإسنادٍ صحيحٍ عن سعيد بن جُبير قال الجبت السَّاحر بلسان الحبشة، والطَّاغوت الكاهن.

وهذا مصيرٌ منهما إلى وقوعِ المُعرَّب في القرآن، وهي مسألةٌ اختلف فيها فبالغ الشَّافعي وأبو عبيدة اللُّغوي وغيرهما في إنكار ذلك، وحملوا ما ورد من ذلك على توارد اللُّغتين، وأجاز ذلك جماعةٌ،

ج 19 ص 292

واختاره ابنُ الحاجب، واحتجَّ له بوقوعِ الأسماء الأعلام فيه كإبراهيم وغيره فلا مانع من وقوع أسماء الأجناس، وقد وقع في البُخاري جملة من هذا، وتتبع القاضي تاج الدِّين السُّبكي ما وقع في القرآن من ذلك ونظمه في أبياتٍ ذكرها في شرحه على «المختصر» وعبَّر بقوله تجمعها هذه الأبيات، فذكرها.

قال الحافظُ العسقلاني وقد تتبعت بعده زيادة كثيرة على ذلك ونظمتها أيضًا، وليس جميع ما أورده هو متَّفقًا على أنَّه من ذلك، لكن اكتفى بإيراد ما نُقلَ في الجملة فتبعته في ذلك، وقد رأيت إيراد الجميع للفائدة، فأوَّل بيتٍ منها نظمي والخمسة التي تليه له، وباقيها لي أيضًا، فقلت

~مِنَ الْمُعَرَّبِ عَدَّ التَّاجُ كَزَّ وَقَدْ أَلْحَقْتُ كَدَّ وَضَمَّتْهَا الْأَسَاطِيرُ

~السَّلْسَبِيلُ وَطَهَ كُوِّرَتْ بِيَعٌ رُومٌ وَطُوبَى وَسِجِّيلٌ وَكَافُورُ

~وَالزَّنْجَبِيلُ وَمِشْكَاةٌ سُرَادِقُ مَعْ إِسْتَبْرَقٍ صَلَوَاتٌ سُنْدُسٌ طُورُ

~كَذَا قَرَاطِيسُ ربانيهم وغسا ق ثُمَّ دِينَارُ الْقِسْطَاسِ مَشْهُورُ

~كَذَاكَ قَسْوَرَةٌ وَالْيَمُّ نَاشِئَةٌ وَيُؤْتِ كِفْلَيْنِ مَذْكُورٌ وَمَسْطُورُ

~لَهُ مَقَالِيدُ فردوس يعد كَذَا فِيمَا حكى بن دُرَيْدٍ مِنْهُ تَنُّورُ

وزدتُ

~حِرْمَ وَمُهْلَ وَالسِّجِلَّ كَذَا السَّرِيُّ وَالْأَبُّ ثُمَّ الْجِبْتُ مَذْكُورُ

~وَقِطَّنَا وَإِنَاهُ ثُمَّ مُتَّكَأً دَارَسْتَ يُصْهَرُ مِنْهُ فَهْوَ مَصْهُورُ

~وَهَيْتَ وَالسَّكْرَ الْأَوَّاهُ مَعْ حَصَبٍ وَأَوِّبِي مَعْهُ وَالطَّاغُوتُ مَنْظُورُ

~صُرْهُنَّ إِصْرِي وَغِيضَ الْمَاءُ مَعْ وَزَرَ ثُمَّ الرَّقِيمُ مَنَاصٌ وَالسَّنَا النُّورُ

قال والمراد بقوله كَزَّ أنَّ عدة ما ذكره التاج سبعة وعشرون، وبقولي كَدَّ أن عدَّة ما ذكرته أربعة وعشرون، وأنا معترفٌ أنني لم أستوعبْ ما يُستدرك عليه، فقد ظفرتُ بعد نظمي بأشياء، انتهى.

وأقولُ ومن يرد زيادة، فليرجع إلى إتقان السُّيوطي في النَّوع الثَّامن والثلاثين فيما وقع فيه بغير لغة العرب.

[1] في تفسير الطبري (والطاغوت الذين يكونون بين أيدي الأصنام يعبرون عنها الكذب ليضلوا الناس)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت