فهرس الكتاب

الصفحة 4309 من 11127

13 -(بابٌ)بالتنوين(إِذَا وَقَفَ[1])كذا ثبتَ للأكثر، وهي لغةٌ نادرة، والمشهور وقف بغير همزة، ووهم من زعم أنَّ أوقف لحن، وقال ابن التِّين قد ضرب على الألف يعني الهمزة في بعض النُّسخ وإسقاطها صواب، قال ولا يقال أوقف إلَّا لمن فعل شيئًا ثمَّ نزع عنه.

(شَيْئًا فَلَمْ يَدْفَعْهُ إِلَى غَيْرِهِ) بأن لم يخرجه من يده (فَهُوَ جَائِزٌ) يعني صحيح لا يحتاج إلى قبض الغير، وهو قول الأكثر منهم الشَّافعي وأبو يوسف.

ج 13 ص 68

وعن مالك لا يتمُّ الوقف إلَّا بالقبض يعني أنَّه لا يصحُّ الوقف حتَّى يخرجه من يده ويقبضه غيره. وبه قال ابن أبي ليلى ومحمد بن الحسن والشَّافعي في قول، وحجَّة الأكثر أنَّ عمر وعليًّا وفاطمة رضي الله عنهم وقفوا أوقافًا وأمسكوها بأيديهم، وكانوا يصرفون الانتفاع منها في وجوه الصَّدقة فلم تبطل.

واحتجَّ الطَّحاوي أيضًا للصحَّة بأنَّ الوقف شبيه بالعتق لاشتراكهما في أنَّهما تمليك لله تعالى فينفذ بالقول المجرَّد عن القبض ويفارق الهبة، فإنَّها تمليك لآدميٍّ فلا يتمُّ إلَّا بالقبض، واستدلَّ البخاريُّ في ذلك بقصَّة عمر رضي الله عنه، فقال (لأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَوْقَفَ، وَقَالَ لاَ جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ، وَلَمْ يَخُصَّ إِنْ وَلِيَهُ عُمَرُ أَوْ غَيْرُهُ) كلمة أن مصدريَّة؛ أي لم يخصَّ ولاية عمر أو غيره، وفي دلالته عليه غموض، وقد تعقِّب بأنَّ غاية ما ذكر عن عمر رضي الله عنه هو أنَّ كلَّ من ولي الوقف أبيح له التَّناول، ولا يلزم من ذلك أنَّ كلَّ أحد يسوغ له أن يتولَّى الوقف المذكور، بل الوقف لا بدَّ له من متولٍّ فيحتمل أن يكون صاحبه، ويحتمل أن يكون غيره فليس في قصَّة عمر رضي الله عنه ما يعيِّن أحد الاحتمالين.

وأجيب عنه بأنَّ عمر رضي الله عنه لمَّا وقف ثمَّ شرط لم يأمره النَّبي صلى الله عليه وسلم بإخراجه من يده، فكان تقديره لذلك دالًّا على صحَّة الوقف، وإن لم يقبضه الموقوف عليه.

وأمَّا ما زعمه ابن التِّين من أنَّ عمر رضي الله عنه دفع الوقف لحفصة رضي الله عنها فمردودٌ، كما سيجيء في باب الوقف كيف يكتب إن شاء الله تعالى [خ¦2772] (وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَبِي طَلْحَةَ أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ فَقَالَ أَفْعَلُ، فَقَسَمَهَا فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ) أراد بهذا أيضًا الاحتجاج على عدم اشتراط القبض في جواز الوقف، والحديث قد تقدَّم آنفًا موصولًا [خ¦2752] ، وهذا لفظ إسحاق بن أبي طلحة.

ج 13 ص 69

قال الدَّاودي ما استدلَّ به البخاريُّ على صحَّة الوقف قبل القبض من قصَّة عمر رضي الله عنه وأبي طلحة حمل للشَّيء على ضدِّه وتمثيله بغير جنسه، ودفع للظَّاهر عن وجهه؛ لأنَّه هو روى أنَّ عمر رضي الله عنه دفع الوقف لابنته وأنَّ أبا طلحة دفع صدقته إلى أبي بن كعب وحسَّان بن ثابت رضي الله عنهم.

وأجيب بأنَّ البخاري رحمه الله إنَّما أراد أنَّه صلى الله تعالى عليه وسلم أخرج عن أبي طلحة ملكه بمجرَّد قوله هي لله صدقة، وبهذا يقول مالك إنَّ الصَّدقة تلزم بالقول، وإن كان يقول إنَّها لا تتمُّ إلَّا بالقبض.

ونُوزع في ذلك باحتمال أنَّها خرجت من يد أبي طلحة، واحتمال أنَّها استمرَّت فلا دلالة فيها، ودفع بأنَّ أبا طلحة أطلق صدقة أرضه وفوَّض إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم مصرفها، فلمَّا قال له (( أرى أن تجعلها في الأقربين ) )وفوَّض له قسمتها بينهم صار كأنَّه أقرَّها في يده بعد أن أمضى الصَّدقة.

وقال العينيُّ وفي نفس الحديث أنَّ الذي تولَّى بينهم هو أبو طلحة بنفسه، والنَّبي صلى الله عليه وسلم عيَّن له جهة المصرف لكنَّه أجمل؛ لأنَّه قال (( في الأقربين ) )وهذا مجمل، ولمَّا لم يمكِّن له أن يقسمها على الأقربين كلهم لكثرتهم وانتشارهم قسمها على بعضهم ممَّن اختار منهم. انتهى.

وسيأتي مزيد تفصيل في هذه المسألة في باب الوقف كيف يكتب إن شاء الله تعالى [خ¦2772] .

[1] كذا ضبطه المؤلف نقلًا عن ابن حجر، وكلام ابن حجر هو في قول سيدنا عمر الآتي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت