5 - (باب قَوْلِهِ) وفي رواية سقط لفظ ( {إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالإِفْكِ} ) أجمع المفسِّرون على أنَّ هذه الآية وما يتعلَّق بها مما بعدها نزلت في قصَّة عائشة رضي الله عنها وعن أبيها، والإفك الكذب، ويُقال الإفك أسوءُ الكذبِ وأقبحُه، مأخوذٌ من أفك الشَّيء إذا قلبه عن وجهه، فالإفك هو الحديثُ المقلوب عن وجهه، ومعنى القلب هنا أنَّ عائشة رضي الله عنها كانت تستحقُّ الثَّناء بما كانت عليه من الحصانةِ، وشرف النَّسب لا القذف، فالَّذين رموا بالسوء قلبوا الأمر عن وجههِ، فهو إفك قبيحٌ، وكذبٌ ظاهرٌ.
( {عُصْبَةٌ} ) أي جماعة، قال الفرَّاء الجماعة من الواحدِ إلى الأربعين، ويُقال من العشرةِ إلى الأربعين ( {مِنْكُمْ} ) خطابٌ للمسلمين، والمراد عبد الله بن أبيِّ رأس المنافقين، وكان من جملةِ من حكمَ له بالإسلام ظاهرًا، وزيد بن رِفاعة وحسَّان بن ثابت ومِسْطح بن أثاثة وحَمَنة بنت جحش ومن ساعدهم ( {لاَ تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ} ) أي لا تحسبوا الإفك أو القذف أو المجيء بالإفك، أو ما نالكُم من الغمِّ شرًا لكم، والخطابُ للمؤمنين الذين ساءهم
ج 20 ص 321
ذلك، وخاصَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعائشة وصفوان بن المعطِّل لتأذيهم بذلك ( {بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} ) لما فيه من جزيلِ ثوابكم، وإظهارِ شرفكم، وبيان فضلكُم، فإنَّ الله تعالى يأجركُم على ذلك الأمرِ العظيم، ويظهر براءتكم، وينزل فيكم ثمان عشرة آية كلُّ واحدة منها مستقلَّة بما هو تعظيمٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتسلية له، وتبرئة لأمِّ المؤمنين رضي الله عنها، وتطهير لأهل البيت، وتهويلٌ لمن تكلَّم بذلك من القاذفين، ونسبتهم إلى الإفكِ والبهتان العظيم.
( {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ} ) أي من الذين جاؤوا بالإفك، [ (( ما اكتسب من الإثم ) )أي لكل منهم جزاء ما اكتسبه من العقار في الآخرة] والمذمَّة في الدُّنيا بقدر ما خاضَ فيه مختصًا به ( {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ} ) أي معظمه وبدأ به وأشاعه ( {مِنْهُمْ} ) وهو عبدُ الله بن أبيٍّ، وقيل حسَّان بن ثابت، وقال الثَّعلبي حسَّان ومسطح وحمنة، وهم الذين تولَّوا كبره، ثمَّ فشا ذلك في النَّاس ( {لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} ) في الآخرة أو في الدُّنيا بأن جلدوا، وصار ابن أبي مطرودًا مشهورًا بالنِّفاق، وحسَّان أعمى أشل اليدين، ومسطح مكفوف البصر، وقد سقط في رواية أبي ذرٍّ < {لَا تَحْسَبُوهُ} > إلى آخره.
( {أَفَّاكٌ} كَذَّابٌ) بمعنى أن لفظ (( أفَّاك ) )على وزن فعَّال للمبالغة، وفسَّره بقوله «كذاب» ، وكذا فسَّره أبو عبيدة، وقد تقدَّم أنَّه سمِّي إفكًا لكونه مصروفًا عن الحقِّ.