30 - (باب) بالتَّنوين وعدمه (الصَّلاَةُ مِنَ الإِيمَانِ) أي من شُعَبه.
ووجه المناسبة بين البابين أنَّ من جملة المذكور في الباب السَّابق الاستعانة بالأوقات الثَّلاثة في إقامة الطَّاعات، وأفضل الطَّاعات البدنية التي تُقام في هذه الأوقات الصَّلوات الخمس، فصلاة الصبح في الغدوة، وصلاتا الظُّهر والعصر في الرَّوحة، وصلاتا المغرب العشاء في جزء من الدُّلجة على قول من يقول
ج 1 ص 301
أنَّ الدلجة سير اللَّيل كله، فناسب ذِكرُ هذا الباب عَقيب الباب السابق على أنَّ الباب السابق وقع إنما وقع استطرادًا؛ لما مرَّ هناك، ففي الحقيقة يطلب المناسبة بين هذا الباب، وباب صوم رمضان، وهي ظاهرة فإن كلًَّا من الصلاة والصوم من أركان الدِّين العظيمة، ومن العبادات البدنية.
(وَقَوْلُ) بالجر عطفًا على المضاف إليه للباب على تقدير ترك التنوين فيه، وبالرفع عطفًا على لفظ الصَّلاة (اللَّهِ تَعَالَى) وفي نسخة ( {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} يَعْنِي صَلاَتَكُمْ) بمكة (عِنْدَ الْبَيْتِ) الحرام إلى بيت المقدس، وقد وقع التَّنصيص على هذا التفسير في رواية النسائي والطَّيالسي من طريق شريك وغيره عن ابن إسحاق عن البراء في الحديث المذكور، فأنزل الله {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} صلاتكم إلى بيت المقدس، وعلى هذا فقول المصنف عند البيت مشكل مع أنه ثابت عنه في جميع الروايات ولا اختصاص لذلك بكونه عند البيت، وقد قيل إنه تصحيف والصواب يعني صلاتكم لغير البيت.
وقال الحافظ العسقلاني وعندي أنه لا تصحيف فيه، بل هو صواب بيان ذلك أن العلماء اختلفوا في الحجة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوجه إليها للصَّلاة وهو بمكَّة، فقال ابن عبَّاس رضي الله عنهما وغيره كان يصلِّي إلى بيت المقدس لكنَّه لا يستدبر الكعبة، بل يجعلها بينه وبين بيت المقدس.
وأطلق آخرون أنَّه كان يصلي إلى بيت المقدس، وقد روى ابن ماجه حديث (( صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس ثمانية عشر شهرًا، وصرفت القبلة إلى الكعبة بعد دخول المدينة بشهرين ) )، وظاهره أنَّه كان يصلي بمكة إلى بيت المقدس محضًا.
وقال آخرون كان يصلي إلى الكعبة، فلما تحوَّل إلى المدينة استقبل بيت المقدس. وهذا ضعيفٌ. ويلزم منه دعوى النَّسخ مرتين، والأول أصح؛ لأنَّه يجمع بين القولين، وقد صححه الحاكم وغيره من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما، فكأنَّ المؤلف رحمه الله أراد الإشارة إلى الجزم بالأصحِّ من أن الصَّلاة عند البيت كانت إلى بيت المقدس، واقتصر على ذلك اكتفاء بالأولوية؛ لأنَّ صلاتهم إلى غير جهة البيت وهم عند البيت إذا كانت لا تضيع، فأحرى أن لا تضيعَ إذا بعدوا عنه.