40 - (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ) بن فروخ، أبو الحسن الحنظلي، الجزري، الحراني، سكن مصر، روى عن اللَّيث
ج 1 ص 302
وابن لهيعة وغيرهما، وروى عنه البخاري وانفرد به، وأبو زُرعة وغيرهما، وروى ابن ماجه عن رجل عنه.
قال أبو حاتم صدوق. وقال العجلي مصري ثبت ثقة. مات بمصر سنة تسع وعشرين ومائتين، ووقع في رواية بضم العين، وهو تصحيف، نبَّه عليه أبو عليٍّ الغسَّاني وغيره وليس في شيوخ البخاري، ولا في رجاله كلهم، بل ولا في رجال الكتب الستة من اسمه عمر بن خالد.
(قَالَ) أي عمرو (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) بصيغة التَّصغير، ابن معاوية بن خُدَيج _ بضم الخاء المعجمة وفتح الدال المهملة وبالجيم _، ابن الرُّحَيل _ بضم الراء وفتح الحاء المهملة _، أبو خيثمة الجُعفي، الكوفي، سكن الجزيرة، سمع السَّبيعي وحميدًا الطَّويل وغيرهما من التَّابعين وخلقًا من غيرهم، وعنه يحيى القطان وجمع من الأئمَّة، واتَّفقوا على جلالتهِ وحسن حفظه وإتقانه.
قال أبو زُرعة هو ثقةٌ إلَّا أنه سمع من أبي إسحاق بعد الاختلاط، توفي سنة اثنتين، أو ثلاث وسبعين ومئة، وكان قد فلج قبله بسنة ونصف أو نحوها. روى له الجماعة.
(قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) عَمرو بن عبد الله بن علي الهمْداني، السَّبيعي، الكوفي، التَّابعي، الجليل، الكبير، المتَّفق على جلالته وتوثيقهِ، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان رضي الله عنه، ورأى عليًّا، وأسامة، والمغيرة رضي الله عنهم ولم يصحَّ سماعه منهم، وسمع ابن عبَّاس وابن عمر وابن الزبير ومعاوية وخلقًا من الصَّحابة وآخرين من التَّابعين، وعنه التَّيمي وقتادة والأعمش، وهم من التَّابعين والثَّوري وهو أثبت الناس وخلق من الأئمة.
قال العجليُّ سمع السَّبيعيُّ ثمانيةً وثلاثين من الصَّحابة. وقال ابنُ المديني روى السَّبيعي عن سبعين، أو ثمانين شيخًا لم يرو عنهم غيره. مات سنة ست، أو سبع، أو تسع وعشرين ومئة. روى له الجماعة.
(عَنِ الْبَرَاءِ) بتخفيف الراء وبالمد على المشهور، وقيل بالقصر، وهو أبو عُمارة _ بضم العين _، ويقال أبو عَمرو، ويقال أبو الطفيل بن عازب بن الحارث الأنصاري الأوسي الحارثي المدني، استصغر يوم أحدٍ مع ابن عمر، ثمَّ شهد الخندق والمشاهد كلها، وافتتح الرّي سنة أربع وعشرين صلحًا أو عنوةَ، وشهد مع أبي موسى غزوة تُستَر، وشهد مع علي رضي الله عنه مشاهده، نزل الكوفة، وتوفي بها في أيَّام مصعب بن الزبير.
ج 1 ص 303
روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة حديث وخمسة أحاديث، اتَّفقا منها على اثنين وعشرين، وانفرد البخاري بخمسة عشر، ومسلم بسبعة. ومن لطائف إسناد هذا الحديث أنَّ فيه التَّحديث والعنعنة. ومنها أنَّ رواته أئمة أجلَّاء. ومنها أنهم أربعة فقط، وما يُخاف من تدليسِ أبي إسحاق فهو مأمونٌ حيث ساقه المؤلِّف في التَّفسير [خ¦4492] من طريق الثوري بلفظ عن أبي إسحاق سمعتُ البراء فصرَّح بالسماع [خ¦4492] ، وقد أخرج متنه المؤلِّف في (( التَّفسير ) ) [خ¦4486] [خ¦4492] و (( خبر الواحد ) ) [خ¦7252] أيضًا، وأخرجه مسلم والنسائي والترمذي وابن ماجه أيضًا.
(أَنَّ النَّبِيَّ صلَّى الله عليه وسلم كَانَ أَوَّلَ) نصب على الظَّرفية، لا على خبرية كان، كما وَهِمَ الزَّركشيُّ، فإنَّ خبر كان قوله نزل (مَا) مصدريَّة (قَدِمَ) بكسر الدال؛ أي كان في أوَّل زمن قدومه.
(الْمَدِينَةَ) أراد بها مدينة الرَّسول عليه السلام، واشتقاقها إمَّا من مَدَنَ بالمكان إذا أقام به، وإمَّا من دار؛ أي أطاع وانتصابها كانتصاب الدَّار في قولك دخلت الدار ولها أسماء كثيرة يثرب، وطَيْبة _ بفتح الطاء وسكون الياء _، وطابة، والطِّيب إما لخلوصها من الشرك، أو لطيبها لساكنيها؛ لأمنهم ودعتهم، وقيل لطيب عيشهم فيها، وتسمَّى الدار أيضًا؛ للاستقرار بها، وكان قدومه صلى الله عليه وسلم إلى المدينة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلتْ من شهر ربيع الأول حين اشتدَّ الضُّحى، وكادت الشَّمس تعتدل.
وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من مكَّة يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين ) ).
والظَّاهر أنَّ بين خروجه من مكة ودخوله المدينة خمسة عشر يومًا؛ لأنَّه أقام بغار ثور ثلاثة أيَّام، ثمَّ سلك طريق السَّاحل، وهي أبعد من الطَّريق الجادة.
(نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ _ أَوْ) شك من أبي إسحاق (قَالَ أَخْوَالِهِ _ مِنَ الأَنْصَارِ) والمراد بالأجداد هم من جهةِ الأمومة، وإطلاق الجد والخال هنا مجاز؛ لأنَّ هاشمًا جد أب رسول الله صلى الله عليه وسلم، تزوَّج من الأنصار سلمى بنت عَمرو أحد بني عديِّ بن النجار، وكانت شريفة لا تنكح الرجال حتى يشترطوا لها أن أمرها بيدها إذا كرهت رجلًا فارقته، فولدت لهاشم عبد المطَّلب، وإنما نزل النَّبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة على إخوتهم بني مالك بن النجار.
قال موسى بن عقبة وابن إسحاق والواقدي وغيرهم أوَّل ما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على كُلثوم بن الهدم بن امرئ القيس الأوسي الأنصاري، وكان يجلس للنَّاس في بيت سعد بن خيثمة، فأقام رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بقباء في بني عَمرو بن عوف الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وأسس مسجدهم.
وقال ابن سعد يقال أقام فيهم أربع عشرة ليلة، وقد جاء مبيَّنًا في (( صحيح البخاري ) )في كتاب الصَّلاة [خ¦428] من رواية أنس رضي الله عنه قال فنزل بأعلى المدينة في حيٍّ
ج 1 ص 304
يقال لهم بنو عَمرو بن عوف فأقام فيهم أربع عشرة ليلة، ثمَّ خرج يوم الجمعة فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف في المسجد الَّذي في بطن الوادي فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة.
قال ابن إسحاق فأتاه عتبان بن مالك في رجال من قومه فقالوا يا رسول الله، أقم عندنا في العدد والعدة والمنعة، فقال (( خلوا سبيلها فإنَّها مأمورة _ لناقته _ ) )فخلوا سبيلها حتى إذا وازنت دار بني بياضة تلقَّاه قومٌ، فقالوا له مثل ذلك، فقال لهم (( خلُّوا سبيلها فإنها مأمورة ) )فخلوا سبيلها حتى مرَّ ببني ساعدة، فقالوا له مثل ذلك، فقال لهم مثل ما تقدَّم، ثم دار بني الحارث بن الخزرج فكذلك، ثمَّ دار بني عدي بن النَّجار وهم أخواله، فقالوا يا رسول الله، هَلُمَّ إلى أخوالك إلى العدد والعدَّة والمنعة، قال (( خلُّوا سبيلها فإنها مأمورةٌ ) )فخلوا سبيلها فانطلقتْ حتى أتتْ دار بني مالك بن النَّجار بَرَكَت على باب المسجد وهو يومئذٍ مربد، فلما بركت ورسول الله صلى الله عليه وسلم عليها لم يزل، وثبت فسارتْ غير بعيدٍ ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضعٌ لها زمامها لا يثبتها به، ثم التفتتْ خلفها فرجعتْ إلى منزلها أوَّل مرَّة فبركت، ثمَّ تحلحلت؛ أي زالت عن مكانها ورزمت؛ أي قامت من الإعياء والهُزال ولم تتحرَّك، ووضعتْ جِرانها _ بكسر الجيم _؛ أي مقدم عنقها من مذبحها إلى منحرها، فنزل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، واحتمل أبو أيوب خالدُ بن زيد رضي الله عنه رحلَه فوضعه في بيته فنزلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يزلْ عنده حتَّى بنى مسجده ومساكنه، ثمَّ انتقل إلى مساكنه من بيت أبي أيُّوب.
ويقال أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أقام عند أبي أيوب سبعة أشهرٍ، وبعث وهو في بيت أبي أيوب زيدًا وأبا رافع مولييه فقَدِما بفاطمة وأم كلثوم ابنتيه، وسودة زوجته رضي الله عنهن.
(وَأَنَّهُ) بفتح الهمزة عطفًا على قوله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (صَلَّى قِبَلَ) بكسر القاف وفتح الموحدة؛ أي نحو (بَيْتِ الْمَقْدِسِ) وجهته؛ أي متوجهًا إليه. والمَقْدِس بفتح الميم وكسر الدال، مصدر ميمي كالمرجِع، أو اسم مكان من القدس، وهو الطُّهر؛ أي المكان الذي يطهر فيه العابد من الذُّنوب، أو يطهر من عبادة
ج 1 ص 305
الأصنام.
وجاء فيه ضم الميم وفتح القاف والدال المشددة، اسم مفعول من التَّقديس؛ أي التَّطهير، وقد جاء بصيغة اسم الفاعل؛ لأنه يُقدِّس العابدين فيه من الآثام، ويقال البيت المقدس على الصفة، لكن المشهور بيت المقدس بالإضافة نحو مسجد الجامع.
(سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا) كذا وقع الشَّكُّ في رواية زهير هاهنا، وفي (( الصَّلاة ) ) [خ¦399] أيضًا عن أبي نُعيم عنه، وكذا في رواية الترمذي عنه، وفي رواية إسرائيل [خ¦7252] عند المؤلِّف، وعند الترمذي أيضًا، ورواه أبو عَوانة في (( صحيحه ) )عن عمار بن رجاء وغيره عن أبي نُعيم فقال (( ستَّة عشر ) )، من غير شكٍّ، وكذا لمسلم من رواية أبي الأحوص، والنسائي من رواية أبي زكريا بن أبي زائدة وشريك.
ولأبي عَوَانة أيضًا من رواية عمَّار بن رُزيق _ بتقديم الراء المضمومة _، كلهم عن أبي إسحاق، وكذا لأحمد بسندٍ صحيحٍ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وللبزَّار والطَّبراني من حديث عَمرو بن عوف (( سبعة عشر ) )، وكذا للطَّبراني عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما.
ونصَّ النَّووي على صحَّة (( ستة عشر ) )؛ لإخراج مسلم إيَّاها بالجزم، وهو قول ابن عبَّاس والحربي. ونص القاضي على صحَّة (( سبعة عشر ) )، وهو قول ابن إسحاق، وابن المسيِّب، ومالك بن أنس، والجمع بين الرِّوايتين سهل بأن من جزم بستَّة عشر لفَّق من شهر القُدوم وشهر التَّحويل شهرًا وألغى الأيام الزَّائدة.
ومن جزم بسبعة عشر عدهما معًا، ومن شكَّ تردد في ذلك، وذلك أن القدوم كان في شهر ربيع الأول بلا خلاف، وكان التَّحويل في نصف شهر رجب في السنة الثَّانية على الصَّحيح، وبه جزم الجمهور، ورواه الحاكم بسندٍ صحيحٍ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وفيه رواياتٌ أُخرى سردها محمود العيني وأسانيد جميعها ضعيفة.
هذا والمعنى أنَّه صلى الله عليه وسلم صلى هذا المقدار إلى بيت المقدس بعد قدومه المدينة، فالقبلة في أكثر من نصف زمان النُّبوة هو بيت المقدس، على ما قاله الكرماني، فليتأمل.
(وَكَانَ) صلى الله عليه وسلم > (يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ) أي جهة (الْبَيْتِ) الحرام؛ أي كان يحب ذلك كما قال تعالى {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} [البقرة 144] .
(وَأَنَّهُ) بفتح الهمزة عطفًا على (( أنه ) )المذكور قبله؛ أي وأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم(صَلَّى
ج 1 ص 306
أَوَّلَ)بالنصب؛ لأنَّه مفعول صلى (صَلاَةٍ صَلاَّهَا) متوجهًا إلى الكعبة، ولم يذكر ذلك؛ لوضوحه.
(صَلاَةَ الْعَصْرِ) بالنَّصب بدل من أوَّل صلاة، وعند ابن مسعود رضي الله عنه حُوِّلت القبلة في صلاة الظٌّهر، أو العصر على التَّردد، وسيأتي ذلك من حديث عمارة بن أوس قال (( صلينا إحدى صلاتي العشي ) ).
والتَّحقيق أنَّ أوَّل صلاة صلَّاها بالمسجد النَّبوي صلاة العصر، وأمَّا ما جاء في البخاري [خ¦403] والنسائي ومسلم أيضًا في كتاب الصَّلاة من حديث مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال (( بينا الناس بقباء في صلاة الصُّبح إذ جاءهم آتٍ، فقال إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبلَ الكعبة، فاستقبلوها وفيه فكانت وجوههم إلى الشَّام فاستداروا إلى الكعبة ) )، فهو في صلاة أهل قباء ثاني يوم التَّحويل.
(وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ) فقيل هو عبَّاد بن بشر بن قيضي، كما رواه ابن منده، وقيل هو عبَّاد بن نَهِيك _ بفتح النون وكسر الهاء _، قاله ابن عبد البر.
(فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ) بالمدينة، وهو مسجدُ بني سلمة ويعرف الآن بمسجدِ القبلتين، ومرَّ عليهم في صلاة العصر، فهؤلاء الممرور بهم ليسوا أهل قباء، فإنهم أتاهم الآتي في صلاة الصبح، كما مرَّ آنفًا. وروى أبو داود مرسلًا عن بُكير بن الأشج أنَّه قال كان بالمدينة تسعة مساجد مع مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع أهلها أذان بلال رضي الله عنه على عهدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصلُّون في مساجدهم، وأقربها مسجد بني عَمرو بن مبذول، من بني النجار، ومسجد بني ساعدة، ومسجد بني عبيد، ومسجد بني سلمة، ومسجد بني زريق، ومسجد عفان، ومسجد أسلم، ومسجد جهينة، وشك في تعيين التَّاسع.
(وَهُمْ رَاكِعُونَ) حقيقة، أو هو من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل (فَقَالَ أَشْهَدُ بِاللَّهِ) أي أحلف به (لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ) وفي رواية (صلَّى الله عليه وسلم قِبَلَ مَكَّةَ) متوجِّهًا إلى البيت الذي في مكَّة، ولهذا قال قِبل البيت فيما سيأتي.
(فَدَارُوا) أي سمعوا كلامه فداروا فالفاء فصيحة (كَمَا هُمْ) في إعرابه وجوه، والأحسن أن الكاف بمعنى على، و (( ما ) )موصولة، و (( هم ) )مبتدأ خبره مقدر؛ أي عليه كما في قولك كن كما أنت؛ أي على ما أنت عليه. والمعنى فداروا كائنين على الحال الَّذي هم عليه قبل الدَّوران؛ أي ما نقضوا الصَّلاة بل داروا
ج 1 ص 307
مصلِّين.
(قِبَلَ الْبَيْتِ) الحرام متوجهًا إليه، فصلوا صلاة واحدة إلى جهتين بدليلين شرعيَّين (وَكَانَتِ الْيَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ) أي أرضاهم النَّبي صلى الله عليه وسلم (إِذْ) ظرف بمعنى حين (كَانَ يُصَلِّي) صلى الله عليه وسلم (قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ) متوجِّهًا إليه (وَأَهْلُ الْكِتَابِ) بالرفع عطفًا على اليهود، من عطف العام على الخاص. وقيل المراد به النَّصارى، قيل وإعجابهم ذلك ليس لكونه قِبلتهم، بل بطريق التَّبعية لهم. ويحتملُ أن يكون بالنصب على أنَّ الواو فيه بمعنى مع؛ أي كان يصلِّي قِبل بيت المقدس مع أهلِ الكتاب لكن يحتاج إلى تصحيح الرِّواية بالنصب.
(فَلَمَّا وَلَّى) النَّبي صلى الله عليه وسلم (وَجْهَهُ) الشَّريف المنوَّر (قِبَلَ الْبَيْتِ) الحرام (أَنْكَرُوا) أي اليهود (ذَلِكَ) أي توجهه إليها، فعند ذلك نزلت {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ} [البقرة 142] الآية، كما صرَّح به المؤلِّف في روايته من طريق إسرائيل [خ¦399] .
(قَالَ زُهَيْرٌ) يعني ابن معاوية بالإسناد المذكور بحذف أداة العطف كعادته، ويحتملُ أن يكون ذكره على سبيل التَّعليق منه، كما هو صورته (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) يعني السَّبيعي (عَنِ الْبَرَاءِ) بن عازب (فِي حَدِيثِهِ هَذَا) وفي نسخة (أَنَّهُ) بفتح الهمزة، والضَّمير للشأن (مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ) أي قِبلة بيت المقدس المنسوخة (قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ) إلى الكعبة (رِجَالٌ) فاعل مات (وَقُتِلُوا) بضم أوَّله وكسر ثانيه. قال الحافظُ العسقلاني ذِكرُ القتل لم أره إلَّا في رواية زهير بن معاوية، وباقي الرِّوايات إنما فيها ذِكرُ الموت فقط، وكذلك روى أبو داود والترمذي وابن حبَّان والحاكم صحيحًا عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وأنَّه لم يعرف قط في الإخبار أنَّ أحدًا من المسلمين قُتِل قبل تحويلِ القبلة، وعلى تقدير ثبوته بكون فائدة ذكر القتل بيان كيفيِّة موتهم؛ إشعارًا بشرفهم واستبعادًا لضياع طاعتهم، والَّذين ماتوا بعد فرض الصَّلاة وقبل تحويل القبلة عشرة أنفس ثمانية منهم من قريش منهم عبد الله بن شهاب الزُّهري القرشي مات بمكَّة، واثنان من الأنصار البراء بن معرور وأسعد بن زرارة ماتا بالمدينة.
(فَلَمْ يدْرِ) أي فلم يعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم (مَا يقُولُ فِيهِمْ) وفي نسخة بنون التَّكلم أن طاعتهم ضائعة أم لا (فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى) وفي وراية
ج 1 ص 308
( {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} ) أي ثباتكم على الإيمان، وقيل إيمانكم بالقبلةِ المنسوخة، أو صلاتكم إليها ففيه ثلاثة أوجه
الأول من قبيل إطلاق المعروض على العارض. وأمر الثاني ظاهر.
وأما الثالث فمن قبيل إطلاق الكلِّ على الجزء، وهو المراد هنا، كما فسَّره المؤلِّف في التَّرجمة، وعدم إضاعة الصَّلاة إليها بإعطاء أجرها، وما رواه زهير بنُ معاوية هذا في حديث البراء رضي الله عنه، أخرجه أبو داود والترمذي في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما، قال (( لما وجَّه النَّبي صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة، قالوا يا رسول الله، كيف إخواننا الَّذين ماتوا، وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله تعالى {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} ) ) [البقرة 143] ، ثمَّ إن مقتضى الرواية أن يقال وما كان الله ليضيع إيمانهم، لكن لمَّا أريد تعميم الحكم للأمة حيًّا وميتًا، وحاضرًا وغائبًا، ذكر الأحياء المخاطبون؛ تغليبًا على غيرهم.
قال النَّووي في الحديث فوائد منها ما ترجم له وهو أن الصَّلاة من الإيمان. ومنها استحباب إكرام القادم أقاربه بالنُّزول عليهم. ومنها أنَّ محبة الإنسان الانتقال من حال من الطَّاعة إلى أكمل منه ليس قادحًا في الرضا، بل هو محبوب. ومنها جواز النَّسخ وأنَّه لا يثبت في حقِّ المكلَّف حتى يبلغه؛ لأنَّ أهل مسجد صلوا إلى بيت المقدس بعض صلاتهم بعد النَّسخ، لكن قبل بلوغه إليهم. ومنها أنَّ الصلاة الواحدة إلى جهتين بدليلين شرعيين جائزة، فيؤخذُ منه أن من صلَّى بالاجتهاد والتَّحري إلى جهة، ثم تغيَّر اجتهاده في أثناء الصَّلاة فظن القبلة في جهة أخرى تحول إلى الجهة الثانية، ويَبني على ما مضى من صلاته حتى لو صلى الظهر إلى الجهات الأربع كل ركعة إلى جهة بالاجتهاد أجزأه هذا. ومنها جواز نسخ الأحكام خلافًا لليهود وبخبر الواحد، وإليه مال القاضي أبو بكر وغيره من المحقِّقين وموضعه علم أصول الفقه، ومن فوائد هذا الحديث أيضًا الرد على المرجئة في إنكارهم تسمية أعمال الدِّين إيمانًا. ومنها أن تمني تغيير بعض الأحكام جائز إذا كان فيه المصلحة. ومنها بيان شرف المصطفى وكرامته صلى الله عليه وسلم على؛ ربه لإعطائه له ما أحب من غير تصريح بالسؤال. ومنها بيان ما كان في الصَّحابة من الحرص على دينهم والشَّفقة على إخوانهم.