فهرس الكتاب

الصفحة 3635 من 11127

2327 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) هو ابن مُقاتلٍ، قال (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هو ابن المبارَك، قال (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريُّ (عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ الأَنْصَارِيِّ) الزُّرَقي _ بضم الزاي وفتح الراء وبالقاف _ أنَّه (سَمِعَ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ) بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة وبالجيم، الأنصاري.

(قَالَ كُنَّا أَكْثَرَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مُزْدَرَعًا) نصب على التَّمييز، والمزدرع مكان الزَّرع، ويجوز أن يكون مصدرًا؛ أي كنَّا أكثر أهل المدينة زرعًا، وأصله المزترع فقلبت التاء دالًا كما هو قاعدة الافتعال.

(كُنَّا نُكْرِي الأَرْضَ) بضم النون، من الإكراء، (بِالنَّاحِيَةِ مِنْهَا مُسَمًّى) حالٌ من النَّاحية، والقياس أن يقال مسمَّاة، لكن ذكر باعتبار أن ناحية الشَّيء بعضه، ويجوز أن يكون التذكير باعتبار الزرع، ويُرْوَى بلفظ الفعل المضارع، وهو حالٌ أيضًا.

(لِسَيِّدِ الأَرْضِ) أي مالكها، جعل الأرض كالعبد المملوك (قَالَ فَمِمَّا يُصَابُ ذَلِكَ) أي فكان ذلك البعض ممَّا يصاب؛ أي يقع له مصيبة ويصير مؤوفًا ويتلف (وَتَسْلَمُ الأَرْضُ) أي وتسلم باقي الأرض تارةً (وَمِمَّا يُصَابُ الأَرْضُ وَيَسْلَمُ ذَلِكَ) البعض تارةً أخرى.

وقال العَينيُّ كالعَسْقَلاني معناه فكثيرًا ما يصاب، وقد تقدَّم توجيهه في الكلام على قوله (( ممَّا يحرِّك شفتيه ) )في «بدء الوحي» [خ¦5] .

وفي رواية الكُشميهني في الموضعين، ورواية الأكثرين أولى، وذلك لأنَّ مهما تستعملُ لأحد معان ثلاثة

أحدها معنى الشَّرط فيما لا يعقل غير الزَّمان.

والثَّاني معنى الشَّرط والزَّمان وإن أنكر الزُّمخشري ذلك المعنى.

والثَّالث الاستفهام، ولا يناسب هاهنا أحدٌ من هذه المعاني

ج 11 ص 70

على ما قال العَينيُّ.

وقال الِكَرمانيُّ يحتمل أن يكون «ممَّا» بمعنى ربَّما؛ لأنَّ حروف الجرِّ يقوم بعضها مقام بعضٍ، لا سيَّما ومن التَّبعيضية تناسب رب التَّقليلية، والله أعلم.

(فَنُهِينَا) على صيغة المجهول؛ أي نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك الإكراء على هذا الوجه؛ لأنَّه موجبٌ لحرمان أحد الطَّرفين فيؤدِّي إلى الأكل بالباطل (وَأَمَّا الذَّهَبُ وَالْوَرِقُ) بكسر الراء هو الفضَّة، وفي رواية الكُشميهني بدل قوله والورق (فَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ) يعني فلم يكن الذَّهب والفضَّة يكرى بهما يومئذٍ لا أنَّهما لم يكونا موجودين في ذلك الوقت.

وفي الحديث أنَّ إكراء الأرض بشيءٍ معيَّن من الأرض؛ أي بما يخرج من قطعةٍ من الأرض معيَّنة منهيٌّ عنه، وكذا بجزءٍ شائعٍ ممَّا يخرج منها كالثُّلث والربع، وهو مذهب عطاء ومجاهد ومسروق والشعبي وطاوس والحسن وابن سيرين والقاسم، وبه قال أبو حنيفة ومالك والشَّافعي وزفر، واحتجُّوا في ذلك بهذا الحديث وبأمثاله التي تأتي إن شاء الله تعالى في هذا الكتاب.

وقال القاضي عياض اختلف النَّاس في منع كراء الأرض على الإطلاق فقال به طاوس والحسن أخذًا بظاهر النَّهي عن المحاقلة، وفسَّرها الرَّاوي بكراء الأرض فأطلق.

وقال جمهور العلماء إنَّما يمنع على التَّقييد دون الإطلاق، واختلفوا في ذلك؛ فعند إكرائها بالجُزْء، قيل لا يجوز، وهو مذهب أبي حنيفة والشَّافعي. وقال بعض الصَّحابة وبعض الفقهاء بجوازه تشبيهًا بالقرض، وأمَّا كراؤها بالطَّعام مضمونًا في الذِّمة فأجازه أبو حنيفة والشَّافعي أيضًا.

وقال ابنُ حَزْم وممَّن أجاز إعطاء الأرض بجزءٍ مسمَّى ممَّا يخرج منها أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وابن عمر وسعيد وابن مسعود وخباب وحذيفة ومعاذ رضي الله عنهم، وهو قول عبد الرَّحمن بن يزيد بن موسى وابن أبي ليلى وسفيان الثَّوري والأَوْزاعي وأبي يوسف ومحمَّد بن الحسن وابن المنذر [1] .

واختُلِفَ فيها عن اللَّيث، وأجازها أحمد وإسحاق، إلَّا أنَّهما قالا إنَّ البذر يكون من عند صاحب الأرض، وإنَّما على العامل البقر والآلة والعمل، وأجاز بعض أصحاب الحديث ولم يبال ممَّن جُعِلَ البذر منهما.

وفي «الهداية» قال أبو حنيفة المزارعة

ج 11 ص 71

بالثُّلث والرُّبع باطلةٌ، وقالا جائزة؛ لِمَا روي أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر على نصف ما يخرج من ثمرٍ أو زرعٍ، ولأنَّه عقد شركة بين المال والعمل، فيجوز اعتبارًا بالمضاربة، والجامع دفع الحاجة، فإنَّ ذا المال قد لا يهتدِي إلى العمل والقوي عليه لا يجد المال، فمسَّت الحاجة إلى انعقاد هذا العقد بينهما.

ولأبي حنيفة رحمه الله أنَّه صلى الله عليه وسلم نهى عن المخابرة وهي المُزارعة؛ ولأنَّه استئجار ببعض ما يخرج من عمله، فيكون في معنى قفيز الطَّحان؛ ولأنَّ الأجر مجهولٌ أو معدوم، وكلُّ ذلك مفسد، ومعاملة النَّبي صلى الله عليه وسلم أهل خيبر كان خراج مقاسمةٍ بطريق المَنِّ والصُّلح، وهو جائزٌ.

هذا وتمامه في كتب «الفروع» ، وسيأتي تتمَّة لهذا المبحث في الباب الآتي إن شاء الله تعالى.

ورجال إسناد الحديث ما بين رازيٍّ وهما شيخه وشيخ شيخه، ومدنيٍّ وهما يَحيَى وحَنظَلة.

وفيه رواية التَّابعي عن التَّابعي عن الصَّحابي، وفيه أنَّ شيخه من أفراده، وقد أخرج متنه المؤلف في «الشروط» أيضًا [خ¦2722] ، وأخرجه مسلم في «البيوع» وكذا أبو داود وأخرجه النَّسائي في «المزارعة» ، وابن ماجه في «الأحكام» .

وقد استنكر ابن بَطَّال دخول هذا الحديث في ذلك الباب، قال وسألت المُهلَّب عنه؟ فقال يمكن أن يُؤخَذَ من جهة أنَّه إذا اكترى أرضًا ليزرع فيها ويغرس فانقضت المدَّة، فقال له صاحب الأرض اقلع شجرك عن أرضي كان له ذلك فيدخل بهذه الطَّريق في إباحة قطع الشَّجر.

وقال ابن المُنَيِّر الذي يظهر أنَّ غرضه الإشارة به إلى أنَّ القطع الجائز هو المسبِّب للمصلحة كنكاية العدوِّ وغيظه، والانتفاع بالخشب ونحوه.

والمنكر هو الذي يكون على سبيل العبث والفساد، ووجه أخذه من حديث رافع بن خديج رضي الله عنه أنَّ الشَّارع صلى الله عليه وسلم (( نهى عن المخاطرة في كراء الأرض ) )اتقاء على منفعتها من الضَّياع مجانًا في عواقب المخاطرة، فإذا كان يُنهَى عن تضييع منفعتها وهي غير محقَّقة ولا شخصيَّة فلأن ينهى عن تضييع عينها بقطع أشجارها عينًا أجدرُ وأولى.

ج 11 ص 72

[1] في هامش الأصل وهي عند أبي يوسف ومحمد على أربعة أوجه إن كانت الأرض والبذر لواحدٍ، والبقر والعمل لواحدٍ جازت المزارعة، وإن كانت الأرض لواحدٍ والعمل والبقر والبذر لواحدٍ جازت، وإن كانت الأرض والبذر والبقر لواحدٍ والعمل من آخر جازت، وإن كانت الأرض والبقر لواحدٍ والبذر والعمل لآخر فهي باطلةٌ في ظاهر الرواية جائزة أيضًا في رواية عن أبي يوسف ووجوهها في «الهداية» . منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت