ج 19 ص 460
الآيَةَ) أي اقرأ الآية بتمامها، وفي بعض النُّسخ سيقت الآية بتمامها هكذا {قُلْ} يا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أيُّهَا النَّاسُ} وهذا خطابٌ للأحمر والأسود، والعربي والعجمي، وشاملٌ لأهل الكتاب {إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} حالٌ من المجرور بإلى، وفيه ردٌّ على العيسويَّة من اليهود أتباع عيسى الأصبهاني الزَّاعمين تخصيصَ إرساله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالعرب، وقيل المراد بالنَّاس العقلاء ومن تبلغه الدَّعوة {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ} نصب بأعني، أو جر نعت للجلالة، وإن حال بين النعت والمنعوت ما هو متعلق المضاف إليه؛ أي الَّذي أرسلني هو خالقُ كلِّ شيءٍ، وربُّه ومليكه الَّذي بيده الملك والإحياء والإماتة، فمناسبة ذكر السَّموات والأرض هنا الإشعار بأنَّ له تخصيصُ ما شاء بما شاء من الرِّسالة وغيرها {لا إِلَهَ إِلا هُوَ} جملةٌ لا محلَّ لها من الإعراب، أو بدل من الصلة التي هي له ملك السَّموات والأرض، ويمكن أن يُقال الأولى الاستئناف فيكون كالجواب لمن سأل لماذا اختصَّ بذلك، فأُجيب بأنَّه المتوحِّد بالألوهيَّة.
وقوله {يُحْيِي وَيُمِيتُ} يجري مجرى الدَّليل على ذلك {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ} الَّذي لا يخط كتابًا بيده ولا يقرؤه، وقد ولد في قومٍ أمِّيين، ونشأ بين أظهرهم في بلدٍ ليس به عالمٌ يعرف أخبار الماضين، ولم يخرج في سفرٍ ضاربًا إلى عالمٍ فيعكف عليه، فجاءهم بأخبار التَّوراة والإنجيل والأمم الماضية إلى غير ذلك من العلوم التي تعجز عن بلوغها القوى البشريَّة ممَّا لا يرتاب أنَّه أمرٌ إلهيٌّ ووحيٌ سماويٌّ {الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ} المنزَّلة عليه وعلى سائر الأنبياء عليهم السَّلام من كتبٍ ووحيٍ. وقُرئ في الشواذ (( وكلمته ) )بالإفراد فيراد بها الجنس أو القرآن أو عيسى عليه السَّلام.
وفي حديث عبادة بن الصَّامت رضي الله عنه عند البُخاري [خ¦3435] مرفوعًا (( من قال أشهد [1] أنَّ لا إله إلا الله وحده
ج 19 ص 461
لا شريك له وأنَّ محمدًا عبده ورسوله وأنَّ عيسى عبد الله ورسوله وكلمته )) الحديث.
قال في «الأنوار» أريد بالكلمة في الآية عيسى عليه السَّلام تعريضًا باليهود وتنبيهًا على أنَّ من لم يؤمن به لم يعتبر إيمانه.
وقال غيره لعلَّه أراد كلمة كن وخصَّ بها؛ لأنَّه لم يوجد بغيرها وإن كان غيره كذلك لكنَّه ينسب إلى نطفة الأب في الجملة.
{وَاتَّبِعُوهُ} أي اسلكوا طريقه واقتفوا أثره {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} إلى الصِّراط المستقيم لمَّا أخبرهم أنَّه رسول الله إلى كافَّة النَّاس أمرهم بالإيمان به وباتِّباعه؛ لأنَّه النَّبي الأمِّي الَّذي وعدَ به أهل الكتاب وبشَّروا به في الكتب القديمة، فإنَّه منعوتٌ بذلك في كتبهم.
[1] في البخاري (من شهد) .