وأنكر السُّكري قصره، ولم يحك فيه أبو عليٍّ سوى المد، لكن صاحب «العين» حكى القصر فيه وهو يصرفُ ولا يصرف.
وقال البكريُّ مِن العرب مَن يذكره فيصرفه، ومنهم من يؤنثه فلا يصرفه، وقال الجوهريُّ يذكر ويؤنث.
وجزم صاحب «المفهم» بالتذكير؛ لأنَّه من قبوت أو من قبيت، فليست همزته للتأنيث، وفي «المطالع» هو على ثلاثة أميالٍ من المدينة، وقال ياقوت على ميلين منها على يسار قاصد مكة، وهو من عوالي المدينة [وبه] أثر بنيان، وهناك مسجد التَّقوى، وسمي باسم بئر هناك.
وقال الرّشاطي بينها وبين المدينة ستة أميال، ولمَّا نزل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتقل إلى المدينة اختطَّ النَّاس بها الخطط، واتَّصل البنيان بعضه ببعضٍ حتَّى صارت مدينة.
وقال ابنُ قُرْقُول على ثلاثة أميالٍ من المدينة [1] ، والمسجد المذكور هو مسجدُ بني عَمرو بن عوف، وهو أوَّل مسجدٍ أسَّسه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
روى الطَّبراني من رواية يحيى بن يعلى حدَّثنا ناصح، عن سِمَاك، عن جابر بن سَمُرة رضي الله عنه قال سأل أهل قباء النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يبني لهم مسجدًا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ليقم بعضُكم فيركب النَّاقة ) )فقام أبو بكرٍ رضي الله عنه فركبها فحرَّكها، فلم تنبعث فرجع
ج 6 ص 42
فقعدَ، فقام عمر رضي الله عنه فركبها فحرَّكها، فلم تنبعث فرجع فقعد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه (( ليقمْ بعضُكم فيركب النَّاقة ) )فقام علي رضي الله عنه فلمَّا وضع رجله في غرز الرِّكاب فوثبت به قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( يا علي ارخ زمامها، فابنوا على مدارها فإنَّها مأمورة ) )ويحيى بن يعلى ضعيفٌ.
وروى الطَّبراني أيضًا من رواية سويد بن عامر بن يزيد بن حارثة عن الشَّموس مع بنت النعمان قالت نظرتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم ونزل وأسَّس مسجد قباء فرأيتُه يأخذ الحجر أو الصَّخرة حتَّى يهصره الحجر، فأنظر إلى بياضٍ من التُّراب على بطنه أو سرَّته، فيأتي الرَّجل من أصحابه ويقول بأبي وأمِّي يا رسول الله، أعطني أكفِك، فيقول (( لا خُذْ مثله، حتَّى أسسه، ويقول إنَّ جبريل عليه السلام هو يؤمُّ الكعبة قالت فكان يقال إنَّه أقوم مسجدِ قبلةٍ ) ).
وسويد بن عامر ذكره ابن حبَّان في «الثقات» وباقي رجاله ثقاتٌ أيضًا.
قال الواقديُّ عن مجمع بن يعقوب عن سعيد بن عبد الرَّحمن بن رُقَيش قال كان مسجد قباء في موضع الأسطوانة المخلقة الخارجة في رحبة المسجد.
قال عبد الرَّحمن حدَّثني نافع أنَّ ابن عمر رضي الله عنهما كان إذا جاء قباء صلَّى إلى الأسطوانة المخلَّقة يقصدُ بذلك مسجد النَّبي صلى الله عليه وسلم الأول.
وقال أبو سلمة بن عبد الرَّحمن أنَّ ما بين الصَّومعة إلى القبلة، والجانب الأيمن عند دار القاضي زيادة زادها عثمان رضي الله عنه، وقال عروة كان موضع مسجد قباء لامرأةٍ يقال لها «لية» ، وكانت تربط حمارًا لها فيه، فابتناه سعد بن خيثمة رضي الله عنه.
قال أبو غسان طوله وعرضه سواءٌ وهو ست وستون ذراعًا، وطول ذرعه في السَّماء تسعة عشر ذراعًا، وطول رحبته التي في جوفه خمسون ذراعًا، وعرضها ستٌّ وعشرون ذراعًا، وطول منارته خمسون ذراعًا، وعرضها تسع أذرع وشبر، وفيه ثلاثة أبوابٍ وثلاث وثلاثون أسطوانة، ومواضع قناديله لأربعة عشر قنديلًا، والله أعلم.
[1] كذا مكرر في الأصل.