فهرس الكتاب

الصفحة 1493 من 11127

(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)

(أبواب صَلاَةِ الْخَوْفِ) أي كيفيَّتها من حيث إنَّه يُحتمل في الصَّلاة عنده ما لا يُحتمل فيها عند غيره، وفي رواية الأَصيلي وكريمة بالإفراد في الباب.

(وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى) بالجر عطفًا على سابقه، وفي رواية ( {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ} ) أي سافرتم، يقال ضربت في الأرض إذا سافرت، وتأتي هذه المادَّة لمعان كثيرة.

( {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} ) أي إثم ( {أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ} ) بتنصيف ركعاتها، وقرأ الزهريُّ {أن تقصِّروا} بالتشديد، وظاهره التَّخيير بين القصر والإتمام وأنَّ الإتمام أفضل؛ لأنَّ نفي الإثم يدلُّ على ذلك، وإليه ذهب الشافعيُّ رحمه الله، وعند أبي حنيفة القصر في السَّفر عزيمة لا رخصة لا يجوز غيره، واحتجَّ الشافعيُّ رحمه الله لمذهبه بما رواه مسلم والأربعة عن يَعلى بن أميَّة رضي الله عنه

ج 5 ص 134

قال قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه قال الله تعالى {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ} [النساء 101] ، فقد أَمِن الناسُ قال عجبتُ ممَّا عجبتَ منه، فسألت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال (( صدقة تصدَّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقتَه ) ).

فقد علَّق القصر بالقبول وسمَّاه صدقة، والمتصدَّق عليه مخيَّرٌ في قبول الصَّدقة فلا يلزمه القبول حتمًا.

ولأبي حنيفة رحمه الله أحاديث

منها حديث عائشة رضي الله عنها قالت «فرضت الصَّلاة ركعتين ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر» . رواه البخاري [خ¦350] ومسلم.

ومنها حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال «فرض الله الصَّلاة على لسان نبيكم في الحضر أربع ركعات وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة» . رواه مسلم.

ومنها حديث عمر رضي الله عنه قال «صلاة السفر ركعتان وصلاة الضحى ركعتان وصلاة الفطر ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان، تام غير قصر على لسان نبيكم محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، رواه النسائي وابن ماجه وابن حبان في «صحيحه» .

وأمَّا حديث يَعلى بن أمية فهو دليلٌ له أيضًا؛ لأنَّه أمر بالقبول، والأمر للوجوب.

( {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} ) بالقتال والتعرُّض لما يكره، وهذا باعتبار الغالب في ذلك الوقت فلا اعتبار لمفهومه، فإنَّ الإجماع على جواز القصر في السفر من غير خوفٍ.

وقد سُئل ابن عمر رضي الله عنهما إنَّا نجد في كتاب الله قصر صلاة الخوف، ولا نجد قصر صلاة المسافر، فقال رضي الله عنهما إنَّا وجدنا نبينا يعمل فعملنا به.

( {إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا*وَإِذَا كُنْتَ} ) أيُّها الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( {فِيهِمْ} ) علَّمه الله تعالى طريق صلاة الخوف؛ ليقتدي الأئمَّة بعده به صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( {فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ} ) تعلق به أبو يوسف وتمسَّك بمفهومه، وذهب إلى أنَّ صلاة الخوف غير مشروعة بعد النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبه قال الحسن بن زياد والمزنيُّ وإبراهيم ابن عُليَّه، فعلَّل المزني بالنَّسخ في زمان النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيث أخَّرها يوم الخندق.

وعلَّل أبو يوسف بأنَّ الله تعالى شرط كون النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيهم لإقامتها، وقال إنَّما شرعت بخلاف القياس؛ لإحراز فضيلة الصَّلاة معه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهذا المعنى انعدمَ بعده صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وردَّ ما قاله المزنيُّ بما رُوِي عن الصَّحابة رضي الله عنهم في هذا الباب بعد الخندق والخندق متقدِّمٌ على المشهور؛ لأنَّها نزلت سنة ست، والخندق كان سنة أربع أو خمس، فكيف يُنسخ المتأخِّر، ذكره النوويُّ وغيره.

وردَّ ما قاله أبو يوسف بأنَّ الصَّحابة رضي الله عنهم فعلوها بعده صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأنَّ سببها الخوف وهو يتحقَّق بعده، وبقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي ) )، فعموم منطوقه مقدَّم على ذلك المفهوم.

( {فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ} ) أي فاجعلهم طائفتين، فلتقم

ج 5 ص 135

إحداهما معك يصلُّون، وتقوم الطَّائفة الأخرى في وجه العدوِّ ( {وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ} ) أي الذين يصلُّون، وقيل الضمير للطائفة الأخرى، وذِكْرُ الطائفة الأولى تدلُّ عليهم.

( {فَإِذَا سَجَدُوا} ) يعني إذا صلُّوا الذين خلف الإمام ركعة واحدة ( {فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ} ) يعني ينصرفون إلى وجه العدو، ويقفون هناك يحرسونكم؛ يعني النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن صلَّى معه.

( {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا} ) لاشتغالهم بالحراسة وكونهم بإزاء العدوِّ ( {فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ} ) ركعة كالأولى ( {وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} ) جعل الحذر وهو التحرز والتيقظ آلةٌ يستعملها الغازي، فجمع بينه وبين الأسلحة في الأخذ، ولم يذكر في الآية لكلِّ طائفةٍ إلَّا ركعةً واحدةً.

فاعلم أنَّ الخوف لا يؤثِّر في نقصان عدد الركعات إلَّا عند ابن عباس رضي الله عنهما، وعند الحسن البصري وطاوس ومجاهد والحكم بن عُتيبة وقتادة وإسحاق والضحاك رحمهم الله حيث قالوا إنَّها ركعة واحدة.

وروى مسلم من حديث مجاهد عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال فرض الله الصَّلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعًا، وفي السَّفر ركعتين وفي الخوف ركعة. وأخرجه الأربعة أيضًا.

وقال ابن قُدامة والذي قال منهم ركعة، إنَّما جعلها عند شدَّة القتال، ورُوِي مثله عن زيد بن ثابت وأبي هريرة عن جابر رضي الله عنهم قال جابر إنَّما القصر ركعة عند القتال.

وقال إسحاق يجزئك عند الشِّدِّة ركعة وهي أن تُومئ إيماء، فإن لم تقدر فسجدةٌ واحدةٌ فإن لم تقدر فتكبيرةٌ؛ لأنَّها ذكر الله تعالى، وعن الضَّحَّاك أنَّه قال ركعة فإن لم تقدرْ كبِر تكبيرةً حيث كان وجهك.

وقال القاضي لا تأثير للخوف في عدد الركعات، وهذا قولُ أكثر أهل العلم منهم ابن عمر رضي الله عنهما والنَّخعي والثَّوري ومالك والشَّافعي رحمهم الله، وأبو حنيفة وأصحابه وسائر أهل العلم من علماء الأمصار لا يجيزون ركعةً واحدةً، وسيأتي كيفيَّة صلاة الخوف بتفاصيلها إن شاء الله تعالى [خ¦942] .

( {وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ} ) أي تمنَّى الذين كفروا أن تغفلوا ( {عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ} ) أي أمتعة الحرب ( {فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً} ) يعني يحملون عليكم حملةً واحدةً بالقتال، فلا تفعلوا.

( {وَلاَ جُنَاحَ} ) أي لا وزر ( {عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى} ) يعني أصابتكم الجراحات ( {أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ} ) رخصةً لهم في وضعها إذا ثقل عليهم أخذها بسبب مطر أو مرض، وهذا يؤيِّد أنَّ الأمر للوجوب دون الاستحباب ( {وَخُذُوا حِذْرَكُمْ} ) أمرهم مع ذلك بأخذ الحذر كيلا يهجم عليهم العدو.

قال الضَّحَّاك {وَخُذُوا حِذْرَكُمْ} يعني تقلَّدوا سيوفكم، فإنَّما ذلك على هيئة الغزاة، وذلك أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان في غزوة أنمار [1] ، فهزمهم

ج 5 ص 136

وسبى ذريتهم، فلمَّا رجعوا أصابهم المطر، فنزلوا واديًا تحت الأشجار فوضع النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سلاحه، وذهب إلى الجانب الآخر من الوادي وحده، فجاء السَّيل فحال بينه وبين أصحابه، وكان بعض المشركين على ذلك الجبل، فرآه حين حال السَّيل بينه وبين أصحابه، فجاء واحدٌ منهم وقال أنا أقتله، فأتاه وقال يا محمَّد من يمنعك مني؟ قال (( الله عز وجل يمنعني ) )فسلَّ سيفه وأراد أن يضربه، فدفع النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الكافر في صدره دفعةً، فسقط السَّيف عن يده، فوثب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأخذ سيفه وقال (( من يخلصك منِّي ) )فقال لا أحد، فقال له (( إن أسلمت أردُّ عليك سيفك ) )فقال لا أسلم، ولكن أعاهد الله تعالى أن لا أكون عليك ولا لك أبدًا، فردَّ عليه سيفه فقال الرجل يا محمَّد أنت خيرٌ منِّي؛ لأنك قدرت على قتلي فلم تقتلني، فرجع الكافر إلى أصحابه فأخبرهم بالقصَّة، فآمن بعضهم ثمَّ انقطع السَّيل، وجاء النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى أصحابه وأخبرهم بالقصَّة، وقرأ عليهم هذه الآية كذا في «تفسير أبي الليث» .

( {إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} ) يهانون فيه، وهذا وعدٌ للمؤمنين بالنَّصر، وإشارةٌ إلى أنَّ الأمر بالحزم ليس لضعفهم وغلبة عدوِّهم بل أنَّ الواجب في الأمور التَّيقظ.

وقد ثبت سياق الآيتين بلفظهما إلى آخر قوله {عَذَابًا مُهِينًا} [النساء 102] كما ترى، ووقع في رواية أبي ذرٍّ الآية الأولى بتمامها ومن الآية الثَّانية إلى قوله {فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ} [النساء 102] ثمَّ قال . وفي رواية الأَصيلي < {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} [النساء 101] ، ثمَّ قال إلى قوله {عَذَابًا مُهِينًا} [النساء 102] >.

وإنَّما ذكر هاتين الآيتين الكريمتين في هذه التَّرجمة إشارةً إلى أنَّ صلاة الخوف في هيئة خارجةٍ عن هيئات بقيَّة الصَّلوات إنَّما ثبتت بالكتاب، وأمَّا بيان صورها على اختلافها فبالسُّنَّة.

[1] أصله في الصحيح في غزوة ذات الرقاع [خ¦4135]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت