5163 - (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ)
ج 22 ص 483
هو ابنُ طَهْمان الهروي، بفتح الطاء المهملة وسكون الهاء، أبو سعيد، سكن نيسابور، ثمَّ سكن مكة مات سنة ستين ومائة (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، وَاسْمُهُ الْجَعْدُ) بفتح الجيم وسكون العين المهملة، ابن دينار اليشكري البصري الصَّيرفي (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) رضي الله عنه (قَالَ) أي أبو عثمان الجَعْد (مَرَّ بِنَا) أي أنس رضي الله عنه بالبصرة (فِي مَسْجِدِ بَنِي رِفَاعَةَ) بكسر الراء وتخفيف الفاء وبالعين المهملة، وبنو رِفاعة بن الحارث بن بهته بن سليم قبيلةٌ نزلوا الكوفة والبصرة وبنوا مساجد وغيرها، والمراد بمسجد بني رفاعة هنا المسجد الذي بَنَوه ببصرة.
(فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا مَرَّ بِجَنَبَاتِ أُمِّ سُلَيْمٍ) هي أمُّ أنس رضي الله عنه، وهي بنتُ مِلْحان بن خالد، واختُلِفَ في اسمها فقيل سهلة، وقيل رُمَيلة، وقيل رميتة، وقيل غير ذلك، والجَنَبات جمع جَنَبة، بفتح الجيم والنون والموحدة، وهي الناحية، ويقال يحتمل أن يكون مأخوذًا من الجناب وهو الفناء، فكأنَّه، يقول إذا مرَّ بفنائها.
(دَخَلَ عَلَيْهَا فَسَلَّمَ عَلَيْهَا) هذا القدر من هذا الحديث ممَّا تفرَّد به إبراهيم بن طَهْمان، عن أبي عثمان، وشاركه في بقيَّته جعفر بن سليمان، ومَعمر بن راشد، كلاهما عن أبي عثمان، أخرجه مسلم من حديثهما (ثُمَّ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرُوسًا بِزَيْنَبَ) بنت جحش الأسدية أم المؤمنين رضي الله عنها، وقد مرَّ أن العروس يشملُ الذكر والأنثى، وقد تزوَّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة ثلاث، قاله خليفة.
وقال الواقدي سنة خمس، وكانت قبله عند زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ماتت سنة عشرين من الهجرة، وصلَّى عليها عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
(فَقَالَتْ لِي أُمُّ سُلَيْمٍ لَوْ أَهْدَيْنَا لِرَسُولِ اللَّهِ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَني (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَدِيَّةً، فَقُلْتُ لَهَا افْعَلِي) ذلك (فَعَمَدَتْ) بفتح الميم (إِلَى تَمْرٍ وَسَمْنٍ وَأَقِطٍ) وفي نسخة بتقديم وأقط على وسمن (فَاتَّخَذَتْ حَيْسَةً)
ج 22 ص 484
بفتح الحاء المهملة وسكون التحتية وبالسين المهملة طعام متَّخَذٌ من تَمْر وأقط وسَمْنٍ، ويدخلُ عوض الأقط الدَّقيق (فِي بُرْمَةٍ) بضم الموحدة. قال ابنُ الأثير البرمة القدر مطلقًا، وهي في الأصل المتخذة من الحجر المعروف بالحجاز واليمن.
(فَأَرْسَلَتْ بِهَا مَعِي إِلَيْهِ) أي أرسلت أمَّ سليم بالحيسة معي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (فَانْطَلَقْتُ بِهَا إِلَيْهِ، فَقَالَ لِي) صلى الله عليه وسلم (ضَعْهَا ثُمَّ أَمَرَنِي، فَقَالَ ادْعُ لِي رِجَالًا سَمَّاهُمْ، وَادْعُ لِي مَنْ لَقِيتَ، قَالَ) أنس رضي الله عنه (فَفَعَلْتُ الَّذِي أَمَرَنِي) به (فَرَجَعْتُ فَإِذَا الْبَيْتُ غَاصٌّ) كلمة إذا للمفاجأة، والبيت مرفوعٌ بالابتداء وغاصٌّ خبره؛ أي ممتلئٌ ومادته غين معجمة وصاد مهملة، وأصله من غصصتُ بالماء أغصُّ وأنا غاصٌّ وغصان إذا امتلأ حلقك بالماء وشَرِقت به ومنه الغَصَّة.
(بِأَهْلِهِ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضَعَ يَدَيْهِ) بالتَّثنية، وفي نسخة بالإفراد (عَلَى تِلْكَ الْحَيْسَةِ) التي أرسلتها أمُّ سليم (وَتَكَلَّمَ بِهَا) بالموحدة قبل الهاء، مصحَّحًا عليها في الفرع كأصله (مَا شَاءَ اللَّهُ) ويروى بالميم بدل الهاء، وبزيادة كلمة ما، وفي رواية أبي ذرٍّ (ثُمَّ جَعَلَ يَدْعُو عَشَرَةً عَشَرَةً) أي من القوم الذين اجتمعوا.
(يَأْكُلُونَ مِنْهُ) أي من الطَّعام المسمَّى بالحيسة (وَيَقُولُ لَهُمُ) صلى الله عليه وسلم (اذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، وَلْيَأْكُلْ كُلُّ رَجُلٍ مِمَّا يَلِيهِ قَالَ حَتَّى تَصَدَّعُوا) بتشديد الدال المهملة؛ أي تفرقوا (كُلُّهُمْ عَنْهَا) أي عن الحَيْسة (فَخَرَجَ مِنْهُمْ مَنْ خَرَجَ، وَبَقِيَ نَفَرٌ) أي ثلاثة رجال كما في رواية، والنفر من الثلاثة إلى العشرة.
(يَتَحَدَّثُونَ) وفي رواية التِّرمذي (( وجلس طوائف يتحدَّثون في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ) (قَالَ) أي أنس رضي الله عنه (وَجَعَلْتُ أَغْتَمُّ) من الاغتمام، بالغين المعجمة؛ أي أحزن من عدم خروجهم، وسبَبُه ما فَهِمَ من النَّبي صلى الله عليه وسلم من حيائه من أن يأمرهُم بالقيام، ومن غفلتهِم بالتحدث عن العمل بما يليق من التخفيف حينئذٍ.
(ثُمَّ خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَ الْحُجُرَاتِ) أي حجرات أمهات المؤمنين
ج 22 ص 485
(وَخَرَجْتُ فِي إِثْرِهِ، فَقُلْتُ إِنَّهُمْ قَدْ ذَهَبُوا، فَرَجَعَ) صلى الله عليه وسلم (فَدَخَلَ الْبَيْتَ، وَأَرْخَى السِّتْرَ وَإِنِّي لَفِي الْحُجْرَةِ، وَهْوَ) صلى الله عليه وسلم (يَقُولُ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ} ) أي إلَّا مصحوبين بالإذن فهي في موضع الحال ( {إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ} ) أي إدراكه ونضجه، مصدر أنى الطَّعام إذا أدرك؛ أي لا ترقبوا الطَّعام إذا طبخ حتى إذا قارب الاشتواء تعرَّضتم للدُّخول.
( {وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا} ) تفرَّقوا واخرجوا من منزله ( {وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ} ) الانتظار والاستئناس ( {كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ} ) لتضييق المنزل عليه وعلى أهلهِ ( {فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ} ) أن يأمركم بالخروجِ ( {وَاللَّهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ} [الأحزاب 53] ) وسقط في رواية أبي ذرٍّ قوله < {وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ} إلى آخره> وقال بعد قوله {إِنَاهُ} [الأحزاب 53] ).
(قَالَ أَبُو عُثْمَانَ) الجَعْد (قَالَ أَنَسٌ) رضي الله عنه (إِنَّهُ) أي أنسًا (خَدَمَ رَسُولَ اللَّهِ) وفي رواية (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ سِنِينَ) وفيه التفاتٌ، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ابنُ عشرين سنة، ومات أنس رضي الله عنه سنة ثلاث أو اثنتين وتسعين، وقد نيف على المائة بزيادة سنتين أو ثلاث.
وقد استشكل القاضي عياض ما وقع في هذا الحديث من أنَّ الوليمة بزينب رضي الله عنها كانت من الحيس الذي أهدته أمُّ سليم، وأنَّ المشهور من الرِّوايات (( أولم عليها بالخبزِ واللَّحم ) )ولم يقع في القصَّة تكثير ذلك الطَّعام، وإنَّما فيه أشبع المسلمين خبزًا ولحمًا، وذُكِرَ في حديث الباب أنَّ أنسًا قال (( وقال لي ادع رجالًا سمَّاهم ) )إلى أن قال (( حتى تصدعوا ) ).
قال القاضي عياض هذا وهمٌ من راويه وتركيب قصَّة في قصَّة أخرى. وتعقَّبه القرطبي بأنَّه لا مانع من الجَمْع بين الرِّوايتين، والأَولى أن يقال لا وهم في ذلك، فلعلَّ الذين دعوا إلى الخبز واللَّحم فأكلوا حتى شبعُوا وذهبوا لم يرجعوا، ولما بَقِيَ النَّفرُ الذين كانوا يتحدَّثون جاء أنسٌ بالحَيْسة فأُمِرَ أن يدعوَ ناسًا آخرين، ومن لقي فدخلوا فأكلوا أيضًا حتى شبعوا واستمرَّ أولئك النَّفر
ج 22 ص 486
يتحدَّثون، وهو جَمْعٌ لا بأس به.
وقال الحافظُ العسقلاني وأولى منه أن يقال إنَّ حضورَ الحَيْسةِ صادفَ حضور الخبز واللَّحم فأكلوا كلُّهم من ذلك، قال وعجيب من إنكار القاضي عياض وقوعُ تكثير الطَّعام في قصَّة الخبز واللَّحم مع أنَّ أنسًا رضي الله عنه يقول إنه أَوْلَمَ بشاة، كما سيأتي قريبًا، ويقول إنَّه أشبع المسلمين خبزًا ولحمًا، وما الذي يكون قدر الشَّاة حتى يشبعَ المسلمين جميعًا وهم يومئذٍ نحو الألف لولا البركة التي حصلتْ من جملة آياته صلى الله عليه وسلم في تكثير الطعام.
وفي الحديث فوائد
منها كونه أصلًا في هدية العروس، وكان الإهداء قديمًا فأقرَّها الإسلام. ومنها كونها قليلة فإذا صحَّ الود سقط التَّكلف. ومنها اتِّخاذ الوليمةِ في العرس. قال ابنُ العربي وهي بعد الدُّخول. وقال البيهقيُّ كان دخوله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الوليمة. ومنها دعاء النَّاس إلى الوليمة بتسميةِ من يُدْعَى وعدم تسميته. ومنها ظهورُ معجزةٍ للنَّبيَّ صلى الله عليه وسلم حيثُ دعا الجميع إلى شيءٍ قليل. وفي رواية مسلم (( كانوا زهاء ثلاثمائة ) ). ومنها لطفه صلى الله عليه وسلم وحياؤه حيث يدخل ويخرج ولا يأمر من كان جالسًا بالخروج. ومنها الصَّبرُ على أذى الصَّديق. ومنها أنَّ من سنَّة العرس إذا فضل عنده طعام أن يدعوَ له من خفَّ عليه من إخوانه، فيكون زيادة إعلان بالنِّكاح كذا قيل، فافهم. ومنها التَّسمية على الأكل، ومنها الأكل ممَّا يليه.
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله لو أهدينا ... إلى قوله فانطلقتُ بها إليه. وقد ذكرَ البخاري هذا الحديث معلَّقًا غير موصول هنا.
وقد وَصَلَه مرَّةً بقوله حدَّثنا الصَّلت بن محمد أخبرنا حماد بن زيد، عن الجَعْد أبي عثمان. وعن هشام، عن محمد وسنان بن ربيعة، عن أنس رضي الله عنه. وأخرجه مسلم في النِّكاح، والتِّرمذي في التفسير، والنَّسائي في النِّكاح وفي الوليمة والتَّفسير.
وقال صاحب «التلويح» والتَّعليق عن إبراهيم رواه النَّسائي عن أحمد بن حفص بن عبد الله، عن أبيه،
ج 22 ص 487
عن إبراهيم بن طهمان، عن أبي عثمان به.
وقال الحافظُ العسقلاني بعض من لقيناه من الشرَّاح زعم أنَّ النَّسائي أخرجه عن أحمد بن حفص بن عبد الله بن راشد، عن أبيه، عنه، ولم أقف على ذلك.
وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه إن كان مراده بقوله بعض من لقيناه من الشرَّاح، صاحبَ «التَّلويح» فإنَّه لم يلقه؛ لأنَّه مات سنة اثنتين وستين وسبعمائة، وهو في ذلك الوقت لم يولد، وإن كان مرادُه صاحبَ «التوضيح» فهو تبع في ذلك شيخه صاحب «التلويح» ، وإن كان مرادُه الكِرمانيَّ، فهو لم يدخل الدِّيار المصرية أصلًا، ولا هذا القائل دخل تلك البلاد، ومع هذا لم يذكر الكِرماني ذلك، وقوله لم أقفْ على ذلك لا يستلزم نفيَ وقوفِ غيره. انتهى.
وفي تعقَّبه بذلك تأمل.