10 - (باب {وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ} ) وفي بعض النُّسخ ؛ أي اذكر يا محمَّد حين تُصْعدون، من الإصعاد، وهو الذَّهاب في الأرض، وقرأ الحسن (( تَصعَدون ) )بفتح التاء، يعني في الجبل {وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ} ؛ أي والحال وأنتم لا تلوون على أحدٍ؛ أي لا يقف أحدٌ لأحدٍ، ولا ينتظره من الدَّهش والخوف والرُّعب، وقرأ الحسن (( ولا تَلُون ) )؛ أي ولا تعطفون على أحدٍ، ولمَّا نبذ المشركون على المسلمين يوم أحدٍ، فهزموهُم دخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضُهم فوق الجبل إلى الصَّخرة، فقاموا عليها وجعلَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدعو النَّاس (( إليَّ عباد الله، إليَّ عباد الله، أنا رسول الله من يكرُّ فله الجنَّة ) )يدعوهم إلى ترك الفرار من العدوِّ وإلى الرَّجعة والكرَّة، وهذا معنى قوله تعالى {وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ} يعني في ساقتكم وجماعتكم الأخرى،
ج 19 ص 217
وهي المتأخِّرة {فَأَثَابَكُمْ} عطفٌ على صرفكم في الآية السَّابقة؛ أي فجازاكم {غَمًّا بِغَمٍّ} أي بسبب غمٍّ أذقتموه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعصيانكُم له، ويقال غمًّا على غمٍّ.
قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما الغمُّ الأوَّل بسبب الهزيمة، وحين قيل قُتل محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والثَّاني حين علاهم المشركون فوق الجبل. وعن عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه الغمُّ الأوَّل بسبب الهزيمة، والثَّاني حين قيل قُتل محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكان عندهم ذلك أعظم من الهزيمة، رواهما ابنُ مردويه.
ورُوي عن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه نحو ذلك، وروى ابنُ أبي حاتم عن قتادة ذلك أيضًا، وقال السُّدِّي الغمُّ الأوَّل بسبب ما فاتهم من الغنيمة والفتح، والثَّاني إشراف العدوِّ عليهم. وقال مجاهدٌ وقتادة الغمُّ الأوَّل سماعهم قتل محمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والثَّاني ما أصابهم من القتل والجرح.
{لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ} من الغنيمة والظَّفر بعدوِّكم {وَلَا مَا أَصَابَكُمْ} من القتل والجرح؛ أي لتتمرَّنوا على الصَّبر في الشَّدائد فلا تحزنوا فيما بعد على نفعٍ فائت وضرٍّ لاحقٍ، وقيل «لا» مزيدة، والمعنى لتأسفوا على ما فاتكُم من الظَّفر والغنيمة، وعلى ما أصابكُم من الجرح والهزيمة عقوبةً لكم، وقيل الضَّمير في (( أثابكم ) )للرَّسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ أي واساكم في الاغتمام فاغتمَّ بما نزل عليكم كما اغتممتُم بما نزل عليه، ولم يثربكم على عصيانكم تسليةً لكم كيلا تحزنوا على ما فاتكم من النَّصر، ولا على ما أصابكم من الهزيمة، والله تعالى أعلم، قاله ابن عبَّاس وعبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنهم، وكذا الحسن وقتادة والسُّدِّي رحمهم الله {وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} عالمٌ بأعمالكم وبما قصدتُم بها (وَهْوَ تَأْنِيثُ آخِرِكُمْ) أي لفظ (( أُخْرَاكم ) )الذي في الآية تأنيث آخِركم _ بكسر الخاء المعجمة _ وكذا وقع، وفيه نظرٌ لأنَّ أخرى تأنيث آخَر _ بفتح الخاء لا بكسرها _، والبُخاري تبع في ذلك أبا عبيدة فإنَّه قال {أُخْرَاكُمْ} آخركم وذهلَ فيه، وقد حكى الفرَّاء أنَّ من العربِ من يقول في أُخراتكم، بزيادة المثناة الفوقية، قاله الحافظ العسقلاني والعيني وصاحب «التَّنقيح» ، وزاد في «التنقيح» أفعل تفضيل كفضلى وأفضل، وقال صاحب «المصابيح» نظر البُخاري أدقُّ من هذا وذلك أنَّه لو جعل أخرى هنا تأنيث آخَر _ بفتح الخاء _ لم يكن فيه دلالةٌ على التَّأخُّر الوجودي وذلك لأنَّه أميتت دَلالته على هذا؛ المعنى بحسب العرف، وصار إنَّما يدلُّ على المغايرة فقط تقول مررت برجلٍ حسنٍ ورجلٍ آخر؛ أي مغايرٌ للأوَّل، وليس المراد تأخُّره في الوجود عن السَّابق وكذا مررت بامرأةٍ جميلةٍ وامرأةٍ أخرى.
والمراد في الآية الدَّلالة على التَّأخُّر، فلذلك قال
ج 19 ص 218
تأنيث آخِركم _ بكسر الخاء _ ليصير لأخرى دَلالة على التَّأخُّر، كما في قوله تعالى {وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ} [الأعراف 39] أي المتقدِّمة للمتأخِّرة، واستعماله في هذا المعنى موجودٌ في كلامهم بل هو الأصل، انتهى.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما ( {إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ} [التوبة 52] فَتْحًا أَوْ شَهَادَةً) كذا وقع هذا التَّعليق في هذه السُّورة، ومحلُّه في سورة براءة، ولعلَّه أورده هنا للإشارة إلى أنَّ إحدى الحسنيين وقعت في أُحُدٍ، وهي الشَّهادة، قاله الحافظ العسقلاني وهو وجه، وإن قال العيني هذا اعتذارٌ فيه بعد، وأمَّا هذا التَّعليق فقد وصله ابنُ أبي حاتم من طريق عليِّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في قوله تعالى {إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ} [التوبة 52] .