فهرس الكتاب

الصفحة 6535 من 11127

55 - (باب) وفي نسخة سقط لفظ ( {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ} ) روى الحاكم في «مستدركه» عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه_وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه_لما نزلت هذه الآية على النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ} قال النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( حق له أن يؤمنَ ) )وقوله {آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ} إخبارٌ من الله تعالى عن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكذلك قوله {وَالْمُؤْمِنُونَ} وهو عطفٌ على الرَّسول، أو مبتدأ وما بعده خبره، فإن قلت قال آمن الرَّسول بما أُنزل إليه، ولم يقل آمن الرَّسول بالله، وقال {والمؤمنون كلٌّ آمن بالله} قيل الكفر ممتنعٌ في حقِّ الرَّسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ج 19 ص 164

وغير ممتنعٍ في حقِّ المؤمنين، وقوله {كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ} إخبارٌ عن الجميع بأنَّهم آمنوا بالله {وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ} المنزلة وإن كان بعضها ينسخ شريعة بعض بإذن الله تعالى {وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ} أي يقولون لا نفرق {بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} وقرأ يعقوب (( لا يفرق ) )بالياء على أنَّ الفعل لكل واحد، وقرأ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه (( لا يفرقون ) ) {وَقَالُوا سَمِعْنَا} أي أجبنا {وَأَطَعْنَا} أمرك {غُفْرَانَكَ} منصوب بإضمار فعله؛ أي اغفر لنا غفرانك، أو التَّقدير نطلب غفرانك {رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} أي المرجع بعد الموت، وهو إقرارٌ منهم بالبعث {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} أي إلَّا ما تسعه قدرتها ولا يضيقُ عليها فضلًا ورحمة، أو ما دون مدى طاقتها بحيث يتَّسع فيه طوقها ويتيسَّر عليها كقوله تعالى {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} [البقرة 185] والنَّفس تعمُّ الملك والجنَّ والإنس، قاله ابن الحصار {لَهَا مَا كَسَبَتْ} من خير {وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} من شرٍّ لا ينتفع بطاعتها، ولا يتضرَّر بمعصيتها، وتخصيصُ الكسب بالخير والاكتساب بالشَّرِّ؛ لأنَّ الاكتسابَ فيه اعتمالٌ وقصدٌ وجهدٌ، والشَّرُّ تشتهيه النَّفس وتنجذب إليه، وكانت أجدَّ في تحصيله، وأعمل بخلاف الخير {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} المراد بالنِّسيان والله أعلم الَّذي هو السَّهو، وقيل التَّرك والإغفال.

قال الكلبي كانت بنو إسرائيل إذا نسوا شيئًا ممَّا أمرهُم الله به أو أخطؤوا عُجِّلت لهم العقوبة فيحرم عليهم شيءٌ من المطعم والمشرب على حسب ذلك الذَّنب، فأمر الله تعالى نبيَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمؤمنين أن يسألوه ترك مؤاخذتهم بذلك، وقوله {أَوْ أَخْطَأْنَا} قيل من القصد والعمد، وقيل من الخطأ الَّذي هو الجهل والسَّهو. وقال ابن زيد إن نسينا شيئًا ممَّا افترضته علينا أو أخطأنا شيئًا ممَّا حرَّمته علينا.

وقال البيضاوي أي لا تؤاخذنا بما أدَّى بنا إلى نسيان أو خطأ من تفريطٍ وقلَّةِ مبالاةٍ، أو بأنفسهما إذ لا تمتنع المؤاخذة بهما عقلًا، فإنَّ الذُّنوب كالسُّموم فكما أنَّ تناولها يؤدِّي إلى الهلاك

ج 19 ص 165

وإن كان خطأ فتعاطي الذُّنوب لا يبعد أن يفضيَ إلى العقاب وإن لم يكن عزيمةً، لكنَّه تعالى وعدَ التَّجاوز عنه رحمةً وفضلًا، فيجوز أن يدعو الإنسان به استدامة واعتدادًا بالنِّعمة فيه، ويؤيِّد ذلك مفهوم قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( رفع عن أمِّتي الخطأ والنِّسيان ) ).

{رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا} سيأتي تفسير الإصر قريبًا، وقرئ (( ولا تحمِّل ) )بالتَّشديد للمبالغة {كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} أي حملًا مثل حملك إيَّاه على من قبلنا، أو مثل الحمل الَّذي حملته إياهم، فيكون صفة لـ {إصرًا} ، والمراد ما كلف به بني إسرائيل من الأشياء التي تشقُّ من قتل الأنفس، وقطع موضع النَّجاسة، وخمسين صلاة في اليوم واللَّيلة، وصرف ربع المال للزَّكاة، ومن أصاب منهم ذنبًا أصبح وذنبه مكتوبٌ على بابه، ونحو ذلك من الأثقال والأغلال التي كانت عليهم، أو ما أصابهم من الشَّدائد والمحن {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} من البلاء والعقوبة، أو من التَّكاليف التي لا تفي بها الطَّاقة.

قال العيني فيه سبعة أقوال

الأوَّل ما لا يُطاق ويشقُّ من الأعمال.

الثَّاني العذاب.

الثَّالث حديث النَّفس والوسواس.

الرابع الغلمة وهي شدَّة شهوة الجماع؛ لأنَّها ربَّما جرت إلى جهنَّم.

الخامس المحبَّة حُكي أنَّ ذا النون تكلّم في المحبة فمات أحد عشر نفسًا في المجلس.

السَّادس شماتة الأعداء، قال الله تعالى إخبارًا عن موسى وهارون عليهما السَّلام {فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ} [الأعراف 150] .

والسَّابع الفرقة والقطيعة.

{وَاعْفُ عَنَّا} أي وامح ذنوبنا وتجاوز عنَّا {وَاغْفِرْ لَنَا} أي واستر عيوبنا ولا تفضحنا بالمؤاخذة {وَارْحَمْنَا} وتعطف بنا ولا توقعنا بتوفيقك في الذُّنوب {أَنْتَ مَوْلَانَا} سيِّدنا وناصرنا وولينا {فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} الَّذين جحدوا دينك وأنكروا وحدانيَّتك وعبدوا غيرك، فإنَّ من حقِّ المولى أن ينصرَ مواليه على الأعداء، والمراد به عامَّة الكفرة.

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما ( {إِصْرًا} عَهْدًا) وصله الطَّبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما

ج 19 ص 166

في قوله تعالى {وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا} أي عهدًا. قال العيني والمراد بالعهد الميثاق الَّذي لا نطيقه ولا نستطيعُ القيام به، وأصل الإصر الشَّيء الثَّقيل، ويطلقُ على الشَّيء الشَّديد.

وقال الزَّمخشري الإصر العبءُ الَّذي يأصرُ حامله؛ أي يحبسه مكانه لا يستقلُّ به لثقلهِ، وتفسيره بالعهد تفسير باللازم؛ لأنَّ الموفي بالعهد لا يُطيق المقام به. وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( ولا تحمل علينا إصرًا ) )؛ أي لا تمسخنا قردةً ولا خنازير، وقيل ذنبًا ليس فيه توبةٌ ولا كفَّارةٌ، وقُرئ (( آصارًا ) )على الجمع.

(وَيُقَالُ {غُفْرَانَكَ} مَغْفِرَتَكَ، فَاغْفِرْ لَنَا) هو تفسيرُ أبي عبيدة قال في قوله تعالى {غُفْرَانَكَ} ؛ أي مغفرتك؛ أي اغفر لنا، وقال الفرَّاء غفرانك، مصدر وقع في موضع أمرٍ فنُصب. وقال سيبويه التَّقدير اغفر غفرانك، وقال الزَّمخشري منصوب بإضمار فعله، يُقال غفرانك لا كفرانك؛ أي نستغفرك ولا نكفِّرك، فقدَّره جملة خبرية.

قال في «الدر» وهذا مذهبُ سيبويه، وليس كذلك [1] ؛ وإنَّما مذهبه أن يقدرَ بجملة طلبية، والظَّاهر أنَّ هذا من المصادر اللَّازم إضمار عاملها لنيابتها عنه.

[1] العبارة في القسطلاني (وهذا ليس مذهب سيبويه) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت