1367 - (حَدَّثَنَا آدَمُ) هو ابنُ أبي إياس، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَة) هو ابنُ الحجَّاج، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، يَقُولُ مَرُّوا) ويروى على البناء للمفعول (بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا) أي على الجنازة (خَيْرًا) والثناء _ بالثاء المثلثة وبالنون وبالمد _ يستعمل في الخير ولا يستعمل في الشَّرِّ، وإنَّما المستعمل في الشَّرِّ هو النثاء _ بتقديم النون على الثاء وبالقصر _، وقيل يستعمل فيهما.
وقيل استعمال الثناء في الشَّرِّ لغة شاذةٌ، والأصحُّ هو الأول، وإنَّما استعمل فيما يليه في الشَّرِّ لأجل المشاكلة والتَّجانس، كما في قوله تعالى {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى 40] .
(فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَبَتْ، ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (وَجَبَتْ) وفي رواية النَّضر بن أنس عن أبيه _ عند الحاكم _ كنت قاعدًا عند النَّبي صلى الله عليه وسلم فمُرَّ بجنازةٍ فقال (( ما هذه الجنازة؟ ) )قالوا جنازة فلان الفلانيِّ كان يحبُّ الله ورسوله ويعمل بطاعةِ الله ويسعى فيها، فقال (( وجبت وجبت وجبت ) )،
ج 6 ص 511
وُمرَّ بجنازةٍ أُخرى فقال (( ما هذه الجنازة؟ ) )قالوا جنازة فلان الفلانيِّ كان يبغض الله ورسوله، ويعمل بمعصية الله، ويسعى فيها، فقال (( وجبت وجبت وجبت ) )، قالوا يا رسول الله أُثنيَ على الأول خيرٌ وعلى الآخر شرٌّ فقلتُ فيهما «وجبت وجبت وجبت» ، فقال (( نعم يا أبا بكر، إنَّ لله ملائكة تنطقُ على لسان بني آدم بما في المؤمن من الخير والشَّر ) ). قال الحاكم هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط مسلم.
وللحاكم أيضًا من حديث جابر رضي الله عنه فقال بعضهم لنعم المرء كان لقد كان عفيفًا مسلمًا، وفيه أيضًا فقال بعضهم بئس المرء كان إن كان لَفَظًَّا غليظًا. وفي هذين الحديثين تفسير ما أُبهم في حديث الباب.
وروى الطَّبراني من حديث كعب بن عُجرة رضي الله عنه أُتيَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بجنازةٍ فقيل هذا بئس الرَّجل وأثنوا عليه شرًّا، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( تعلمون ذلك؟ ) )قالوا نعم قال (( وجبت ) )وقال في التي أثنوا عليها خيرًا كذلك.
وروى أبو داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال مرُّوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بجنازةٍ فأثنوا عليها خيرًا، فقال (( وجبت ) )، ثمَّ مروا بأخرى فأثنوا شرًّا، فقال (( وجبت ) )، ثمَّ قال (( إنَّ بعضكم على بعض شهداء ) ).
وروى أبو داود أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال صلى الله عليه وسلم (( الملائكة شهداءُ الله في السَّماء، وأنتم شهداء الله في الأرض، إنَّ بعضكم على بعضٍ شهيد ) ).
ثمَّ إنَّ في رواية إسماعيل ابن عُليَّة عن عبد العزيز عند مسلمٍ (( وجبت وجبت وجبت ) )ثلاث مرَّات، وكذا في رواية النَّضر المذكورة آنفًا.
قال النَّووي والتِّكرار فيه لتأكيد الكلام المبهم وتحقيقه ليحفظ ويكون أبلغ.
(فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) لرسول الله صلى الله عليه وسلم مستفهمًا (ما وَجَبَتْ؟) زاد مسلم (( فدىً لك أبي وأمي ) )، وفيه جواز قول مثل ذلك (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا، فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا، فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ) والمراد بالوجوب الثُّبوت، أو هو في صحَّة الوقوع والتَّحقق كالشَّيء الواجب، والأصل أنَّه لا يجب على الله شيءٌ بل الثَّواب فضله والعقاب عدلُه، لا يسأل عمَّا يفعل.
وفي رواية مسلم (( من أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنَّة، ومن أثنيتُم عليه شرًّا وجبتْ له النَّار ) ).
ونحوه للإسماعيليِّ من طريق عَمرو بن مرزوقٍ عن شعبة، وهو أبين في العموم من رواية
ج 6 ص 512
آدم، وفيه ردٌّ على من زعم أنَّ ذلك خاصٌّ بالميِّتَين المذكورين لغيبٍ أطلع الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم عليه، فهو خبرٌ عن حكم أعلمَه الله به. والله أعلم.
(أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ) الخطاب للصَّحابة، ومن كان على صفتهم من الإيمان، وحكى ابن التِّين أنَّ ذلك مخصوصٌ بالصَّحابة؛ لأنَّهم كانوا ينطقونَ بالحكمة بخلاف مَنْ بعدهم، ثمَّ قال والصَّواب أنَّ ذلك يختصُّ بالثِّقات والمتَّقين، انتهى.
وسيأتي في «الشَّهادات» [خ¦2642] بلفظ (( المؤمنون شهداء الله في الأرض ) )، ولأبي داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في نحو هذه القصَّة (( إنَّ بعضكم على بعضٍ شهيد ) )كما مرَّ.
وقال النَّووي الظَّاهر أنَّ الذي أثنوا عليه شرًّا كان من المنافقين، ويرشد إلى ذلك ما رواه أحمدُ من حديث أبي قتادة بإسنادٍ صحيحٍ أنَّه صلى الله عليه وسلم لم يصلِّ على الذي أثنوا عليه شرًّا وصلَّى على الآخر.
قال البيهقيُّ فيه دَلالةٌ على جواز ذكر المرء بما يعمله منه إذا وقعتِ الحاجة إليه، نحو سؤال القاضي المزكِّي ونحوه.
وفي الحديث أيضًا فضيلة هذه الأمَّة، والعمل بحكم الظَّاهر، والله يتولَّى السَّرائر، وحاصل معنى الحديث أنَّ ثناؤهم عليه بالخير يدلُّ على أنَّ أفعاله كانت خيرًا فوجبت له الجنَّة، وثناؤهم عليه بالشَّر يدلُّ على أنَّ أفعاله كانت شرًّا فوجبت له النَّار، وذلك لأنَّ المؤمنين شهداء بعضُهم على بعض.
تتمَّة قال الدَّاودي إنَّ المعتبر في ذلك شهادة أهل الفضل والصِّدق لا الفسقة؛ لأنَّهم قد يثنون على الفسقة، ولا من بينه وبين الميت عداوة؛ لأنَّ شهادة العدوِّ لا تقبل في الدُّنيا، وكذا في الأُخرى.
فإن قيل كيف يجوز ذكر شرِّ الموتى مع ورود الحديث الصَّحيح عن زيد بن أرقم في النَّهي عن سبِّ الموتى وعن ذكرهم إلَّا بخيرٍ.
فالجواب أنَّ النَّهي عن سبِّ الموتى إذا كان الميت غير منافقٍ أو كافرٍ أو مجاهرٍ بالفسق أو بالبدعة، فإنَّ هؤلاء لا يحرم ذكرهم بالشَّر للحذر من طريقهم ومن الاقتداءِ بهم.
وقال القرطبيُّ يحتمل أن يكون النَّهي عن سبِّ الموتى متأخِّرًا عن هذا الحديث فيكون ناسخًا.
وقيل حديث أنس رضي الله عنه المذكور يجري مجرى الغيبة في الأحياء، فإن كان الرَّجل أغلبَ أحواله الخير فاغتيابه محرمٌ، وإن كان فاسقًا معلنًا فلا غيبةَ له، فكذلك الميت فليس ذلك ممَّا يُنهى عنه من سبِّ الأموات، والحقُّ في ذلك أن ينظرَ في السَّبب المبيح للغيبة إن كان قد انقطعَ بالموت، فهذا لا يُذكر في حقِّ الميت؛ لأنَّه قد انقطع ذلك بموته، وإن لم ينقطعْ به مثل كونه مجروحًا في الرِّواية، وكونه يُؤخذ عنه الباطل اعتقادًا فلا بأسَ بذكره ليحذرَ ويجتنب عنه، والله أعلم.
وقال المظهريُّ في «شرح المصابيح» ليس معنى قوله (( أنتم شهداء الله في الأرض ) )؛ أي الذي تقولونه في حقِّ شخصٍ يكون كذلك حتَّى يصيرَ من يستحق الجنَّة من أهل النَّار بقولهم ولا العكس، بل معناه أنَّ الذين أثنوا عليه خيرًا رأوه منه، كان ذلك علامة كونه من أهل الجنَّة وبالعكس.
وتعقَّبه الطِّيبي بأن قوله (( وجبت ) )بعد الثَّناء حكم عقَّب وصفًا
ج 6 ص 513
مناسبًا فأشعر بالعِلِّية، وكذا قوله (( أنتم شهداء الله في الأرض ) )؛ لأنَّ الإضافة فيه للتَّشريف بأنَّهم بمنزلةٍ عاليةٍ عند الله فهو كالتَّزكية للأمَّة وإظهار عدالتهم عن الرَّسول صلى الله عليه وسلم بعد أداء شهادتهم لصاحبِ الجنازة، فينبغي أن يكون لها أثرٌ ونفعٌ في حقِّه.
قال وإلى معنى هذا يُومئ قوله تعالى {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} الآية [البقرة 143] انتهى.
وقد استشهد محمَّد بن كعبٍ القرظيِّ لما رُوِي عن جابرٍ نحو حديث أنس رضي الله عنهما بهذه الآية أخرجه الحاكم.
وقال النَّووي قال بعضهم معنى الحديث أنَّ الثَّناء بالخير لمن أثنى عليه أهل الفضل، وكان ذلك مطابقًا للواقع فهو من أهل الجنَّة، فإن كان غير مطابقٍ فلا وكذا عكسه.
قال والصَّحيح أنَّه على عمومه وأنَّ من مات فألهم الله النَّاس الثَّناء عليه بخيرٍ كان دليلًا على أنَّه من أهل الجنَّة سواء كانت أفعاله تقتضي ذلك أم لا، فإنَّ الأعمال داخلةٌ تحت المشيئة، وهذا الإلهام يُستَدلُّ به على أنَّ الله تعالى قد شاء المغفرة له، وبهذا تظهر فائدة الثَّناء، انتهى.
وهذا في جانب الخير واضحٌ، ويؤيِّده ما رواه أحمد وابن حبَّان والحاكم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس مرفوعًا (( ما من مسلمٍ يموت فيشهد له أربعةٌ من جيرانه الأدنين أنَّهم لا يعلمون منه إلَّا خيرًا إلَّا قال الله تعالى قد قبلت قولكم وغفرت له ما لا تعلمون ) ).
ولأحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه نحوه وقال «ثلاثةٌ» بدل «أربعة» ، وفي إسناده رجلٌ لم يسمَّ.
وأمَّا جانب الشرِّ فظاهر الأحاديث أنَّه كذلك لكن إنَّما يقع ذلك في حقِّ من غلب شرُّه على خيره، وقد وقع في رواية النَّضر السَّابقة في آخرِ حديث أنس رضي الله عنه (( إنَّ لله ملائكة تنطق على ألسنة بني آدم بما في المرء من الخير والشَّر ) ).