1366 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضم الموحدة مصغرًا، نسبه لجدِّه لشهرتهِ به، واسمُ أبيه عبد الله المخزومي، مولاهم المصري ثقة في اللَّيث، وتكلَّموا في سماعه من مالكٍ، لكن قال البخاريُّ في «تاريخه الصغير» ما روى يحيى ابن بُكيرٍ عن أهل الحجاز في التَّاريخ فإنِّي أنتقيه.
وهذا يدلُّ على أنَّه ينتقي حديث شيخه، ولذا ما خرَّج له عن مالكٍ سوى خمسة أحاديث مشهورة متابعة قال
(حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) هو ابن سعد الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين مصغرًا، هو ابن خالدٍ الأيلي أحد الأثبات الثِّقات، وأحاديثه عن الزُّهري مستقيمةً، وأخرج له الجماعة.
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بن عتبة بن مسعود بتصغير الأول، أحد الفقهاء السَّبعة (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم أَنَّهُ قَالَ لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ) بضم ابنُ سلُول وإثبات ألفه صفة لعبد الله؛ لأنَّ سَلول أمه وهي بفتح السين غير منصرفٍ منون (دُعِىَ) على صيغة البناء للمفعول (لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَثَبْتُ) بفتح المثلثة وسكون الموحدة، من الوثبة. (إِلَيْهِ، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُصَلِّي عَلَى ابْنِ أُبَيٍّ) الهمزة فيه للاستفهام (وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا؟ أُعَدِّدُ عَلَيْهِ) أي على النَّبي صلى الله عليه وسلم (قَوْلَهُ) أي مقالته القبيحة في حقِّ النَّبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين.
(فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ، فَلَمَّا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ) أي فلمَّا زدت الكلام على النَّبي صلى الله عليه وسلم
ج 6 ص 509
(قَالَ إِنِّي خُيِّرْتُ) على صيغة البناء للمفعول، وذلك في قوله تعالى {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ} [التوبة 80] ، وفي نسخة .
(فَاخْتَرْتُ) الاستغفار (لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ) وفي رواية (عَلَى السَّبْعِينَ فَغُفِرَ لَهُ) وفي رواية (لَزِدْتُ عَلَيْهَا، قَالَ) عمر رضي الله عنه (فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ انْصَرَفَ) من صلاته.
(فَلَمْ يَمْكُثْ إِلاَّ يَسِيرًا) أي زمنًا قليلًا (حَتَّى نَزَلَتِ الآيَتَانِ) الأولى قوله تعالى (مِنْ) سورة (بَرَاءَةٌ {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا} إِلَى) قوله تعالى ( {وَهُمْ فَاسِقُونَ} ) وفي رواية والآية الثَّانية قوله تعالى {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} الآية [التوبة 80] .
وفي رواية فمن قوله تعالى {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ} إلى قوله {وَهُمْ فَاسِقُونَ} فنُهِيَ عن الصَّلاة؛ لأنَّ المراد منها الدُّعاء للميت والاستغفار له، وهو ممنوعٌ في حقِّ الكافر، ولذلك رتَّب النَّهي على قوله {مَاتَ أَبَدًا} ؛ يعني الموت على الكفر، فإنَّ إحياء الكافر للتَّعذيب دون التَّمتُّع وقوله {وَهُمْ فَاسِقُونَ} تعليلٌ للنَّهي.
(قَالَ) عمر رضي الله عنه (فَعَجِبْتُ بَعْدُ) بضم الدال على البناء (مِنْ جُرْأَتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) في مراجعتي له (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) .
قال الدَّاودي هذه الآيات في قوم بأعيانهم يدلُّ عليه قوله تعالى {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ} الآية [التوبة 101] ، فلم يُنَه عمَّا لم يعلم، وكذلك إخباره حذيفة رضي الله عنه بسبعة عشر من المنافقين، وقد كانوا يناكحون المسلمين ويوارثونهم ويجري عليهم حكم الإسلام لاستتارهم بكفرهم، ولم يَنهَ النَّاس عن الصَّلاة عليهم.
وإنَّما نُهِيَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عنه وحده، وكان عمر رضي الله عنه ينظر إلى حذيفة رضي الله عنه فإن شهد جنازة ممَّن يُظنُّ به شهدها، وإلَّا لم يشهدها ولو كان أمرًا ظاهرًا لم يسرُّه الشَّارع إلى حذيفة.
وذكر عن الطَّبري أنَّه يجب ترك الصَّلاة على معلن الكفر ومسرِّه قال فأمَّا القيام على قبره فغير محرمٍ بل جائز، لوليه القيامُ عليه لإصلاحه ودفنه، وبذلك صحَّ الخبر وعمل به بعض أهل العلم.
وفي «النوادر» عن ابن سيرين ما حرَّم الله الصَّلاة على أحدٍ من أهل القبلة إلَّا على ثمانية عشر رجلًا من المنافقين، وقد قال صلى الله عليه وسلم
ج 6 ص 510
لعليٍّ رضي الله عنه (( اذهب فواره ) )يعني أباك.
وروى سعيد بن جبير قال مات رجلٌ يهوديٌّ وله ابن مسلم، فذكر ذلك لابن عبَّاس رضي الله عنه فقال كان ينبغي له أن يمشيَ معه ويدفنه ويدعو له بالصَّلاح ما دام حيًّا فإذا مات وكله إلى سيئاته، ثمَّ قرأ {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ} الآية [التوبة 114] .
وقال النَّخعي توفِّيت أمُّ الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة وهي نصرانيَّةٌ فاتَّبعها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تكرمةً للحارث ولم يصلُّوا عليها، وذلك خلاف ما قال بعضهم إنَّ ولد الكافر لا يدفنه ولا يحضر دفنه.
قال العلماء إنَّه يجوز أن يُدعَى لكلِّ من يرجى من الكفار إنابته بالهداية ما دام حيًّا؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم إذا شمَّته أحد المنافقين واليهود قال (( يهديكم الله ويصلح بالكم ) )، فقد يعمل الرَّجل بعمل أهل النَّار ويختمُ له بعمل أهل الجنَّة.
وفي إقدام عمر رضي الله عنه على مراجعةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفقه أنَّ الوزير الفاضل الثِّقة الحسن السِّيرة والمذهب الصَّالح النَّاصح لا حرج عليه في أن يخبر سلطانه بما عنده من الرَّأي وإن كان مخالفًا لرأي سلطانه.
وإنَّ صبر السُّلطان على ذلك من تمام فضله، ألا ترى إلى سكوته صلى الله عليه وسلم عن عمر وتركه الإنكار عليه، وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوةٌ حسنةٌ.