فهرس الكتاب

الصفحة 9672 من 11127

6491 - (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة، عبد الله بن عَمرو بن الحجَّاج المِنْقَري _ بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف _ قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ) هو ابن سعيدٍ، قال (حَدَّثَنَا جَعْدٌ) بفتح الجيم وسكون العين المهملة بعدها دال مهملة، وفي رواية أبي ذرٍّ .

(أَبُو عُثْمَانَ) الرَّازي التَّابعي الصَّغير، قال (حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ) بالجيم وبالمدِّ، عثمان بن تميم (الْعُطَارِدِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما، وفي رواية الحسن بن ذكوان (( عن أبي رجاء حدَّثني ابن عبَّاسٍ ) )أخرجه أحمد (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وفي رواية الإسماعيليِّ عن مسدَّد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال الحافظ العسقلانيُّ ولم أرَ في شيء من الطُّرق التَّصريح بسماع ابن عبَّاس له من النَّبي صلى الله عليه وسلم.

ج 27 ص 234

(فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ) هذا لبيان أنَّه من الأحاديث القدسيَّة، ثمَّ هو يحتمل أن يكون ممَّا تلقَّاه صلى الله عليه وسلم عن ربِّه بلا واسطةٍ، ويحتمل أن يكون ممَّا تلقاه صلى الله عليه وسلم عن ربِّه بواسطة الملك، وهو الرَّاجح.

وقال الكرمانيُّ يحتمل أن يكون من الأحاديث القدسيَّة، ويحتمل أن يكون للبيان لِما فيه من الإسناد الصَّريح إلى الله حيث قال «إنَّ الله كتب» ، ويحتمل أن يكون لبيان الواقع، وليس فيه أنَّ غيره ليس كذلك؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى إن هو إلَّا وحيٌ يوحى، بل فيه أنَّ غيره كذلك إذ قال «فيما يرويه» ؛ أي في جملة ما يرويه، والثَّاني لا ينافي الأوَّل وهو المعتمدُ، فقد أخرجه مسلم من طريق عفَّان وأبو نعيم من طريق قُتيبة كلاهما عن جعدٍ بلفظ (( فيما يروي عن ربِّه قال إنَّ ربَّكم رحيمٌ من همَّ بحسنةٍ ) ).

وسيأتي في «التَّوحيد» [خ¦7501] من طريق الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه (( إذا أراد عبدي أن يعمل ) ). وأخرجه مسلم بنحوهِ من هذا الوجه، ومن طريقٍ أخرى عن العلاء بن عبد الرَّحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال قال الله عزَّ وجلَّ (( إذا همَّ عبدي ... ) ).

(قَالَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ) أي قدَّر الحسنات، وجعلها حسنةً وكذلك قدَّر السَّيئات وجعلها سيِّئةً، أو أمر الحفظة أن تكتب ذلك. وقال الكرمانيُّ وفيه دلالةٌ على بطلان قاعدة الحُسن والقبح العقليين، وأنَّ الأفعال ليست بذواتها قبيحةٌ أو حسنةٌ، بل الحسن والقبح شرعيَّان، حتَّى لو أراد الشَّارع التَّعكيس والحكمَ بأنَّ الصَّلاة قبيحة، والزِّنا حسنٌ كان له ذلك خلافًا للمعتزلة، فإنَّهم قالوا الصَّلاة في نفسها حسنة والزِّنا قبيح، والشَّارع كاشفٌ مبيِّن لا مُثبت، وليس له تعكيسها.

(ثُمَّ بَيَّنَ) يحتمل أن يكون قوله (( إنَّ الله عزَّ وجلَّ كتب ... إلى آخره ) )من قول الله تعالى، فيكون التَّقدير قال الله تعالى إنَّ الله كتب ويحتمل أن يكون كلام النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم يحكيهِ عن فِعْلِ، وفاعلُ «ثمَّ بيَّن» هو الله تعالى، وقوله (( فمن همَّ ) )شَرْحُ ذلك (ذَلِكَ) أي الَّذي أجمله بقوله «كتب الحسنات والسَّيئات» ؛ أي فصَّله بقوله (فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ) بفاء الفصيحة، زاد خريم بن فاتكٍ في حديثه الَّذي رفعه (( ومن همَّ بحسنةٍ يعلم الله أنَّه قد أشعرَ بها قلبه، وحرصَ عليها ) )رواه أحمدُ وصحَّحه ابن حبَّان والحاكم. وقد تمسَّك به ابن حبَّان فقال بعد إيراد حديث الباب في «صحيحه» المراد بالهمِّ هنا العزمُ، ثمَّ قال ويحتمل أنَّ الله يكتب الحسنة بمجرَّد الهمِّ بها، وإن لم يعزم عليها زيادةً في الفضل.

(فَلَمْ يَعْمَلْهَا) بفتح الميم،

ج 27 ص 235

يتناول عمل الجوارح، وأمَّا عمل القلب، فيحتمل نفيه أيضًا إن كانت الحسنة بمجرَّد الهمِّ، كما في معظم الأحاديث لا إن قُيِّدت بالتَّصميم، كما في حديث خُرَيم، ويؤيِّد الأوَّل قول أبي ذرٍّ عند مسلم (( أنَّ الكفَّ عن الشَّرِّ صدقةٌ ) ).

(كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ) أي للَّذي همَّ بالحسنة (عِنْدَهُ) أي عند الله تعالى (حَسَنَةً كَامِلَةً) كذا ثبت في حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما دون حديث أبي هريرة وغيره وصف>ُ الحسنةِ بكونِها «كاملة» ، وكذا قوله «عنده» ، وفيهما نوعان من التَّأكيد، فأمَّا العنديَّة، فإشارةٌ إلى الشَّرف، وأمَّا الكمال فإشارةٌ إلى دفع توهُّم نقصها؛ لكونها نشأت عن الهمِّ المجرد، فكأنَّه قيل بل هي كاملةٌ لا نقصَ فيها.

قال النَّووي أشار بقوله «عنده» ، إلى مزيدِ الاعتناء به، وبقوله (( كاملةً ) )، إلى تعظيم الحسنة وتأكيد أمرها، وعكس ذلك في السَّيئة فلم يصفها بكاملةٍ، بل أكَّدها بقوله «واحدة» ، إشارة إلى تخفيفها مبالغة في الفضل والإحسان.

ومعنى قوله (( كتبها الله ) )أمرَ الحفظة بكتابتها بدليلِ حديث أبي هريرةَ رضي الله عنه في «التَّوحيد» بلفظ [خ¦7501] (( إذا أراد عبدي أن يعملَ سيِّئةً، فلا تكتبوها عليه حتَّى يعملها ) )وفيه دليلٌ على أنَّ الملك يطَّلع على ما في قلب الأدميِّ إمَّا بإطلاع الله إيَّاه، وإمَّا بأن يخلق له علمًا يدرك به ذلك. ويؤيِّد الأوَّل ما أخرجه ابنُ أبي الدُّنيا عن أبي عمران الجوني، قال (( يُنادي الملك اكتب لفلانٍ كذا وكذا، فيقول يا ربِّ إنَّه لم يعمله، فيقول إنَّه نواه ) )وقيل بل يجد الملك للهمِّ بالحسنة رائحةً طيِّبةً، وبالسَّيئة رائحة خبيثة.

وأخرج ذلك الطَّبري عن أبي معشر المدني، وجاء مثله عن سفيان بن عُيينة، وفي «شرح مغلطاي» أنَّه ورد مرفوعًا، قال الطُّوفي إنَّما كتبت الحسنة بمجرَّد الإرادة؛ لأنَّ إرادة الخير سببٌ إلى العمل، وإرادة الخير خير؛ لأنَّ إرادة الخير من عمل القلب.

واستشكل بأنَّه إذا كان كذلك، فكيف لا يضاعفُ لعموم قوله {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام 160] . وأُجيب بحمل الآية على عملِ الجوارح، والحديث

ج 27 ص 236

على الهمِّ المجرَّد.

واستشكل أيضًا بأنَّ عمل القلب إذا اعتبر في حصول الحسنة، فكيف لم يعتَبر في حصول السَّيئة؟ وأجيب بأنَّ ترك عمل السَّيئة الَّتي وقع الهمُّ بها يكفِّرها؛ لأنَّه قد نُسِخ بضدِّ السَّيئة، ومخالفة الهوى.

ثمَّ إنَّ ظاهر الحديث حصول الحسنة بمجرَّد التَّرك سواء كان لمانعٍ أو لا، ويتَّجه أن يتفاوت عظم الحسنة بحسب الواقع، فإن كان خارجيًّا وقَصْدُ الَّذي همَّ بفعل الحسنة مستمرٌّ فهي عظيمة القدر، ولا سيما إن قارنها ندم على تفويتها واستمرَّت النِّية على فعلها عند القدرة، وإن كان التَّرك من الَّذي همَّ من قِبَل نفسه فهي دون ذلك إلَّا إن قارنها قصد الإعراض عنها جملة، والرَّغبة عن فعلها، ولا سيَّما إن وقع العمل في عكسها كأن يريد أن يتصدَّق بدرهمٍ مثلًا، فصرفه بعينه في معصيةٍ، فالَّذي يظهرُ في الأخير أن لا يكتب له حسنةٌ أصلًا، وأمَّا ما قبله فعلى الاحتمال.

واستدلَّ بقوله «حسنة كاملة» ، على أنَّها تكتب حسنة مضاعفةً؛ لأنَّ ذلك هو الكمال لكنَّه مشكلٌ؛ لأنَّه يلزم منه مساواة من نوى الخير بمَن فعله في أنَّ كلًّا منهما يكتب له حسنة.

وأُجيب بأنَّ التَّضعيف في الآية يقتضي اختصاصه بالعامل؛ لقوله تعالى {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ} والمجيء بها العمل، وأمَّا النَّاوي فإنَّما ورد فيه أنَّه يكتب له حسنةً، ومعناه يكتب له مثل ثواب الحسنةِ، فالتَّضعيف قدر زائدٌ على أصل الحسنة، والعلم عند الله تعالى.

(فَإِنْ هَمَّ بِهَا) أي بالحسنة، وفي رواية غير أبي ذرٍّ (فَعَمِلَهَا) بكسر الميم، وفي رواية أبي ذرٍّ بالواو بدل الفاء (كَتَبَهَا اللَّهُ) قدَّرها أو أمر الحفظة بكتابتها (عِنْدَهُ) تعالى اعتناءً بصاحبها وتشريفًا له (عَشْرَ حَسَنَاتٍ) وهذا أقل ما وعد به من الأضعاف.

قال الحافظ العسقلانيُّ يؤخذُ منه دفع توهُّم أنَّ حسنة الإرادة تضاف إلى عشرة التَّضعيف فيكون الجملة إحدى عشرة على ما هو ظاهرٌ من رواية جعفر بن سليمان

ج 27 ص 237

عند مسلمٍ، ولفظه (( فإن عملها كتب له عشرُ أمثالها ) )، وكذا في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وفي بعض طرقه احتمالٌ، ورواية عبد الوارث في الباب ظاهرةٌ في ذلك، وهو المعتمد.

قال ابن عبد السَّلام في «أماليه» معنى الحديث إذا همَّ بحسنةٍ كتب له حسنة، فإن عملها كُمِّلت له عشرةً؛ لأنَّا نأخذها بقيد كونها قد همَّ بها، وكذا السَّيئة إذا عملها لا تكتب واحدة للهمِّ وأخرى للعمل بل تكتب واحدةً فقط.

قال الحافظ العسقلانيُّ الثَّاني صريحٌ في حديث الباب، وهو يقتضِي كونها في جميع الطُّرق لا تكتب بمجرَّد الهمِّ، وأمَّا حسنة الهمِّ بالحسنة، فالاحتمال قائمٌ، وقوله بقيد كونها «قد همَّ بها» يعكِّر من عمل حسنة بغتةً من غير أن يتَّفق له أنَّه همَّ بها، فإنَّ قضية كلامه أنَّه يكتب له تسعة، وهو خلاف ظاهر الآية {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام 160] ، فإنَّه يفيد أنَّ من همَّ بها أعظم قدرًا ممَّن لم يهمَّ بها، والعلم عند الله تعالى.

(إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ) الضِّعف _ بكسر الضاد _ في اللُّغة المِثْلُ، والتَّحقيق أنَّه اسمٌ يقع على العدد بشرط أن يكون معه عددٌ آخر، فإذا قيل ضعف العشرة، فُهِمَ أنَّ المراد عشرون من ذلك، ولو أقرَّ بأن له عندي ضعف درهمٍ لزمه درهمًا، أو ضعفي درهم لزمه ثلاثة (إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ) لم يقع في شيءٍ من طرق حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( إلى أضعاف كثيرةً ) )إلَّا في حديثه الماضي في «الصِّيام» [خ¦1894] ، فإنَّ في بعض طُرقه عند مسلم (( إلى سبعمائة ضعفٍ إلى ما شاء الله ) )، وله من حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه رفعه (( يقول الله من عملَ حسنةً فله عشر أمثالها وأَزِيد ) )وهو بفتح الهمزة وكسر الزاي، وهذا يدلُّ على أنَّ تضعيف حسنة العمل إلى عشرةٍ مجزومٌ به، وما زاد عليها جائزٌ وقوعه بحسب الزِّيادة في الإخلاص وصدق العزم وحضور القلب وتعدى النَّفع، كالصَّدقة الجارية والعلم النَّافع وشرف العلم ونحو ذلك.

وقد قيل إنَّ العمل

ج 27 ص 238

الَّذي يضاعف إلى سبعمائة خاصٌّ بالنَّفقة في سبيل الله وتمسَّك قائله بما في حديث خُريم بن فاتكٍ رفعه (( من همَّ بحسنةٍ فلم يعملها ... ) )فذكر الحديث. وفيه (( من عمل حسنةً كانت له بعشرِ أمثالها، ومن أنفق نفقةً في سبيل الله يُضاعف إلى سبعمائة ) ). وليس فيه نفي ذلك عن غيرها صريحًا، ويدلُّ على التَّعميم حديث أبي هريرة رضي الله عنه الماضي في «الصِّيام» (( كلُّ عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعفٍ ) ) [خ¦1894] الحديث.

واختلف في قوله تعالى {وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ} [البقرة 261] هل المراد المضاعفة إلى سبعمائةٍ فقط، أو زيادة على ذلك، والأوَّل هو المحقَّق من سياق الآية، والثَّاني محتملٌ، ويؤيِّد الجواز سعة الفضل.

وفي «الكشاف» مضاعفة الحسنات فضلٌ، ومكافأة السَّيئات عدلٌ.

ونقل الطِّيبي عن الزَّجاج أنَّه قال المعنى غامضٌ؛ لأنَّ المجازاة من الله تعالى على الحسنة بدخول الجنَّة شيءٌ لا يبلغ وصفٌ مقدارَه، فإذا قال عشر أمثالها أو سبعمائةٍ أو أضعافًا كثيرة، فمعناه أنَّ جزاء الله تعالى على التَّضعيف للمثل الواحد الَّذي هو النِّهاية في التَّقدير وفي النُّفوس.

قال الطِّيبي فعلى هذا لا يتصوَّر في الحسنات إلَّا الفضل.

(وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا) خوفًا من الله تعالى، كما في حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه من طريق الأعرج الآتي إن شاء الله تعالى في «التَّوحيد» [خ¦7501] (كَتَبَهَا اللَّهُ) عزَّ وجلَّ؛ أي قدَّرها أو أمر الحفظة بكتابتها (لَهُ) أي للَّذي همَّ بها (عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً) أي غير ناقصةٍ، ولا مضاعفةٍ، فالمراد بالكمال عظم القدر لا التَّضعيف إلى العشرة، ولم يقع التَّقييد بـ «كاملة» في طرق حديث أبي هريرة، وظاهر الإطلاق كتابة الحسنة بمجرَّد التَّرك، لكنَّه قيِّد في حديث الأعرج عن أبي هريرة، كما ذكر آنفًا، ولفظه (( إذا أراد عبدي أن يعمل بسيِّئةٍ فلا تكتبوها ) ). وأخرجه مسلم من هذا الوجه لكن لم يقع عنده (( من أجلي ) )ووقع عندهُ من طريق همام عن أبي هريرة (( وإن تركها فاكتبوها له حسنةً

ج 27 ص 239

إنَّما تركها من جَرَّاي )) بفتح الجيم وتشديد الراء بعدها ياء المتكلم، وهي بمعنى من أجلي.

ونقل القاضي عياض عن بعض العلماء أنَّه حمل حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما على عمومه، ثمَّ صوَّب حمل مطلقه على ما قيِّد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

وقال الحافظ العسقلانيُّ ويحتمل أن تكون حسنة من تركَ بغير استحضار ما قيِّد به [1] دون حسنة الآخر، لما تقدَّم أنَّ ترك المعصية كفٌّ عن الشَّرِّ، والكفُّ عن الشَّرِّ خيرٌ، ويحتمل أيضًا أن يكتب لمن همَّ بالمعصية، ثمَّ تركها حسنة مجرَّدة، فإن تركها من مخافة ربِّه سبحانه كتبت حسنة مضاعفة.

وقال الخطابيُّ محلُّ كتابة الحسنة على التَّرك أن يكون التَّارك قد قَدِرَ على الفعل، ثمَّ تركه لأنَّ الإنسان لا يسمَّى تاركًا إلَّا مع القدرة، ولا يدخل [2] فيه مَن حالَ بينه وبين حرصه على الفعلِ مانع كأن يمشي إلى امرأةٍ يزني بها مثلًا، فيجد الباب مغلقًا، ويتعسَّر فتحه، ومثله من تمكَّن من الزِّنا مثلًا فلم يتيسَّر، أو طرقه ما يخاف من أذاه عاجلًا.

ووقع في حديث أبي كبشة الأنماريِّ ما يُعارض ظاهر حديث الباب، وهو ما أخرجه أحمدُ وابن ماجه والتِّرمذي وصحَّحه، بلفظ (( إنَّما الدُّنيا لأربعة ... ) )فذكر الحديث، وفيه (( وعبدٌ رزقه الله مالًا، ولم يرزقه علمًا فهو يعملُ في ماله بغير علمٍ، فهذا بأخيب المنازل، ورجلٌ لم يرزقه الله مالًا ولا علمًا، فهو يقول لو أنَّ لي مالًا لعملت فيه بعمل فلانٍ، فهما في الوزر سواءً ) ).

فقيل الجمع بين الحديثين بالتَّنزيل على حالتين، فتحمل الحالة الأولى على من همَّ بالمعصية بقلبه، ووطن عليها نفسه أنَّه يأثم، وتُحمل الأحاديث الواردة في العفو عمَّن همَّ بسيئةٍ ولم يعملها على الخاطر الَّذي يمرُّ بالقلب ولا يستقرُّ.

قال المازريُّ وخالفه كثيرٌ من الفقهاء والمحدِّثين والمتكلِّمين، ونقل ذلك عن نصِّ الشَّافعي، ويؤيِّده قوله في حديث أبي هريرة رضي الله عنه فيما أخرجه مسلم من طريق همام عنه بلفظ (( فأنا أغفرُها له ما لم يعملها ) )فإنَّ الظَّاهر أنَّ المراد بالعمل هنا عمل الجارحة بالمعصية المهموم بها.

وتعقَّبه القاضي عياض بأن عامَّة السَّلف،

ج 27 ص 240

وأهل العلم على ما قال ابن الباقلاني وغيره أنَّ العزم على السَّيئة تكتب سيِّئةً مجرَّدة؛ لا السَّيئة الَّتي همَّ بها أن يعملها، كمَن يأمر بتحصيل معصيةٍ ثمَّ لا يفعلها بعد حصولها، فإنَّه يأثم بالأمر المذكور لا بالمعصية.

وممَّا يدلُّ على ذلك حديث (( إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتلُ والمقتول في النَّار ) )، قيل هذا القاتل فما بالُ المقتول؟ قال (( إنَّه كان حريصًا على قتل صاحبه ) )، وسيأتي سياقه في «كتاب الفتنِ» [خ¦7083] ، والَّذي يظهر أنَّه من هذا الجنس، وهو أنَّه يعاقب على عزمه بمقدار ما يستحقُّه، ولا يعاقب عقاب من باشر القتل حسًّا، وهاهنا قسمٌ آخر، وهو من فعل المعصية ولم يتب منها، ثمَّ همَّ أن يعودَ إليها، فإنَّه يعاقب على الإصرار، كما جزم به ابن المبارك وغيره في تفسير قوله تعالى {وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا} [آل عمران 135] . ويؤيِّده أنَّ الإصرار معصية اتِّفاقًا فمن عزم على المعصية وصمَّم عليها كتبت عليه سيِّئةً، فإذا عملها كتبت عليه معصية ثانية. قال النَّووي وهذا حسنٌ ظاهرٌ لا مزيد عليه.

وقد تظاهرت نصوص الشَّريعة بالمؤاخذة على عزم القلب المستقرِّ؛ لقوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ} [النور 19] الآية، وقوله {اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ} [الحجرات 12] وغير ذلك.

وقال ابن الجوزيِّ إذا حدَّث نفسه بالمعصية لم يؤاخذ، فإن عزم وصمَّم زاد على حديث النَّفس، وهو من عمل القلب، قال والدَّليل على التَّفريق بين الهمِّ والعزم أنَّ من كان في الصَّلاة فوقع في خاطره أن يقطعها لم تنقطع، فإن صمَّم على قطعها بطلتْ.

وأجيب عن القول الأوَّل بأنَّ المؤاخذة على أعمال القلوب المستقلَّة بالمعصية لا تستلزم المؤاخذة على عمل القلب بقصد معصية الجارحةِ إذا لم يعمل المقصود للفرقِ بين ما هو بالقصد، وما هو بالوسيلةِ.

وقسَّم بعضُهم ما يقعُ في النَّفس أقسامًا يظهرُ منه الجواب عن الثَّاني أضعفُها أن يَخطِرَ له، ثمَّ يذهب في الحال، وهذا من الوسوسةِ، وهو معفوٌّ عنها، وهو دون التردُّد، وفوقه

ج 27 ص 241

أن يتردَّد فيَهُمَّ به، ثمَّ ينفرَ عنه فيتركه، ثمَّ يهمُّ، ثمَّ يترك كذلك ولا يستمرُّ على قصده، وهذا هو التَّردد فيعفى عنه أيضًا، وفوقه أن يميلَ إليه، ولا ينفر عنه بل يصمِّم على فعلهِ، فهذا هو العزمُ، وهو منتهى الهمِّ، وهو على قسمين

الأوَّل أن يكون من أعمال القلوب صِرْفًا كالشَّكِّ في الوحدانيَّة أو النُّبوة والبعث فهذا كفرٌ ويعاقب عليه جزمًا، ودونه المعصية الَّتي لا تصل إلى الكفر كمن يحبُّ ما يُبغض الله، ويُبغض ما يحبُّه الله، ويحبُّ للمسلم الأذى بغيرٍ موجب لذلك، فهذا يأثم ويلتحق به الكبر والعجبُ والبغي والحسد، وفي بعض هذا اختلاف.

فعن الحسن البصريِّ أنَّ سوء الظنِّ بالمسلم وحسده معفوٌّ عنه، وحملوه على ما يقع في النَّفس ممَّا لا يُقدَر على دفعه، لكن من يقع له ذلك مأمورٌ بمعالجة النَّفس على تركه.

والقسم الثَّاني أن يكون من أعمال الجوارح كالزِّنا والسِّرقة، فهو الَّذي وقع فيه النِّزاع فذهب طائفةٌ إلى عدم المؤاخذة بذلك أصلًا، ونقل عن نصِّ الشَّافعي.

ويؤيِّده ما وقع في حديث خُريم بن فاتك المنبَّه عليه قبل، فإنَّه حيث ذكر الهمَّ بالحسنة، قال علم أنَّه أشعرها قلبه وحرصَ عليها، وحيث ذكر الهمَّ بالسَّيئة لم يقيِّد بشيءٍ بل قال فيه (( ومن همَّ بسيئةٍ لم تكتب عليه ) )، والمقام مقام الفضل فلا يليق التَّحجير فيه، وذهب كثيرٌ من العلماء إلى المؤاخذة بالعزم المصمم. وسأل ابن المبارك سفيان الثَّوري أيؤاخذ العبد بما يهمُّ به؟ قال إذا جزم بذلك، واستدلَّ كثيرٌ منهم بقوله تعالى {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة 225] وحملوا حديث أبي هريرة الصَّحيح المرفوع (( إنَّ الله تعالى تجاوز لأمَّتي عمَّا حدَّثت به أنفسها ما لم تعملْ أو تكلِّم ) )على الخطرات. كما تقدَّم [خ¦6664] ثمَّ افترق هؤلاء، فقالت طائفةٌ يعاقبُ صاحبه عليه في الدُّنيا خاصَّةً بنحو الهمِّ والغم. وقالت طائفةٌ بل يعاقبُ عليه يوم القيامة لكن بالعتابِ لا بالعذاب، وهذا من قول ابن جريجٍ

ج 27 ص 242

والرَّبيع بن أنسٍ وطائفةٌ ونسب ذلك إلى ابن عبَّاس رضي الله عنهما أيضًا.

واستدلُّوا بحديث النَّجوى الماضي في «باب ستر المؤمن على نفسه» من «كتاب الأدب» [خ¦6070] ، واستثنى جماعةٌ ممَّن ذهب إلى عدم مؤاخذةِ من وقع منه الهمُّ بالمعصية ما يقعُ في الحرم المكِّي، ولو لم يصمِّم لقوله تعالى {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج 25] ذكره السدِّي في تفسيره عن مُرَّة عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه، وأخرجه أحمد من طريقه مرفوعًا، ومنهم من رجَّحه موقوفًا، ويؤيِّد ذلك أنَّ الحرم يجب اعتقادُ تعظيمه، فمن همَّ بالمعصية فيه خالف الواجب بانتهاك حرمتهِ، وتعقِّب بأنَّ تعظيمَ الله آكد من تعظيم الحرم، ومع ذلك فمن همَّ بالمعصيةِ لا يؤاخذه الله، فكيف يؤاخذُ بما دونه، ويمكن أن يجاب عن هذا بأنَّ انتهاك حرمة الحرم بالمعصية يستلزمُ انتهاكَ حُرمة الله على ما لا يخفى، فصارت المعصية في الحرمِ أشدُّ من المعصية في غيره، وإن اشترك الجميع في تعظيم الله تعالى.

نعم من همَّ بالمعصية قاصدًا الاستخفاف بالحرم عصى، ومن همَّ بمعصية الله تعالى قاصدًا الاستخفاف بالله كفر، وإنَّما المعفو عنه الهمُّ بالمعصية مع الذُّهول عن قصد الاستخفاف، وهذا تفصيل جيِّد ينبغي أن يستحضرَ عند شرح حديث (( لا يزني الزَّاني وهو مؤمنٌ ) ) [خ¦2475] .

وقال السُّبكي الكبير الهاجسُ لا يُؤاخذُ به إجماعًا، والخاطرُ وهو جريانُ ذلك الهاجس، وحديث النَّفس لا يُؤاخذ بهما إجماعًا. والهمُّ وهو قصدُ فعل المعصية مع التَّردُّد لا يُؤاخذ به لحديث الباب. والعزم وهو قوَّة ذلك القصد، أو الجزمُ به ورفع التَّردد. قال المحقِّقون يؤاخذ به، وقال بعضهم لا يؤاخذ بهِ، واحتجَّ بقول أهل اللُّغة همَّ بالشَّيء عزم عليه، وهذا لا يكفي، قال ومن أدلَّة الأوَّل حديث (( إذا التقى المسلمان بسيفيهما ... ) )الحديث [خ¦31] ، وفيه (( إنَّه كان حريصًا على قتل صاحبه ) )فعلَّل بالحرص.

واحتجَّ بعضهم بأنَّ أعمال القلوب على قسمين

أحدهما لا يتعلَّق بفعلٍ خارجيٍّ، وليس البحث فيه.

والثَّاني يتعلَّق به كالملتقيين،

ج 27 ص 243

عَزَمَ كلٌّ منهما على قتل صاحبه، واقترنَ بعزمهِ فِعْلُ بعض ما عزمَ عليه، وهو شهر السِّلاح، وأشار به إلى الآخر، فهذا الفعل يؤاخذ به سواء حصلَ الفعل أم لا، ولا يلزم من قوله (( فالقاتلُ والمقتول في النَّار ) )أن يكون في درجةٍ واحدةٍ من العذاب بالاتِّفاق.

(فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا) أي بالسَّيئة وثبت لفظ «هو» في رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي (فَعَمِلَهَا) بكسر الميم (كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ) أي للَّذي عملها (سَيِّئَةً وَاحِدَةً) من غير تضعيفٍ، وفي رواية الأعرج (( فاكتبوها له بمثلهَا ) ) [خ¦7501] . وزاد مسلم في حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه (( فجزاؤه بمثلها أو أغفر ) )وله في حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما (( أو يمحوها ) )، والمعنى الله يمحوها بالتَّفضُّل أو بالتَّوبة أو بالاستغفار، أو بعمل الحسنة الَّتي تكفِّر السَّيئة، والأوَّل أشبه لظاهر حديث أبي ذرٍّ، وفيه ردٌّ لقول من ادَّعى أنَّ الكبائر لا تُغفر إلَّا بالتَّوبة. ويستفاد من التَّأكيد بقوله «واحدة» ، أنَّ السَّيئة لا تضاعف، كما تضاعف الحسنة، وهو على وَفْق قوله تعالى {فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا} [غافر 40] .

قال ابن عبد السَّلام في «أماليه» فائدةُ التَّأكيدِ رفعُ توهُّم من يظن أنَّه إذا عمل السَّيئة كتبت له سيِّئة العمل، وأضيفت إليه سيِّئة الهمِّ، وليس كذلك إنَّما يكتب عليه سيئة واحدة.

وقد استثنى بعض العلماء وقوع المعصية في الحرم المكِّي، قال إسحاقُ بن منصورٍ قلت لأحمد هل ورد في شيءٍ من الحديث أنَّ السَّيئة تكتب بأكثر من واحدةٍ؟ قال لا ما سمعت إلَّا بمكَّة لتعظيم البلد، والجمهور على التَّعميم في الأزمنة والأمكنة، لكن قد تتفاوتُ بالعظم، ولا يردُ على ذلك قوله تعالى {مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} [الأحزاب 30] لأنَّ ذلك ورد تعظيمًا لحقِّ النَّبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّ وقوع ذلك من نسائه يقتضي أمرًا زائدًا على الفاحشة، وهو أذى النَّبي صلى الله عليه وسلم. وزاد مسلم بعد قوله (( أو يمحوها ولا يهلك على الله إلَّا هالكٌ ) )؛ أي من أصرَّ على التَّحدي على السَّيئة عزمًا وقولًا وفعلًا، وأعرضَ

ج 27 ص 244

عن الحسنات همًّا وقولًا وفعلًا.

قال ابن بطَّالٍ في هذا الحديث بيانُ فضلِ الله العظيم على هذه الأمَّة؛ لأنَّه لولا ذلك كاد لا يدخل الجنَّة أحد؛ لأنَّ عمل العباد للسَّيئات أكثر من عملهم للحسنات، ويؤيِّد ما دلَّ عليه حديث الباب من الإثابة على الهمِّ بالحسنة، وعدم المؤاخذة بالهمِّ بالسَّيئة قولُه تعالى {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة 286] ؛ إذ ذَكَر في السُّوء الافتعال الَّذي يدلُّ على المعالجة والتكلُّف بخلاف الحسنة.

وفيه ما يترتَّب للعبد على هجران لذَّته وترك شهوته من أجل ربِّه رغبةً في ثوابه ورهبةً من عقابه، واستدلَّ به على أنَّ الحفظة لا يكتبون المباح للتَّقييد بالحسنات والسَّيئات.

وأجاب بعض الشُّراح بأنَّ بعض الأئمة عدَّ المباح من الحسنة، وتُعقِّب بأنَّ الكلام فيما يترتَّب على فعله حسنةً وليس المباح كذلك، نعم قد تكتب حسنة بالنِّية، وليس البحث فيه.

وفيه أنَّ الله سبحانه وتعالى بفضلهِ وكرمه جعل العدل في السَّيئة، والفضل في الحسنة فضاعفَ الحسنة، ولم يضاعف السَّيئة، بل أضاف فيها إلى العدلِ الفضلَ، فأدارها بين العقوبة والعفو بقوله (( كتبت له واحدة أو يمحوها ) )، وبقوله (( فجزاؤه بمثلها أو أَغْفِر ) ).

وفي هذا الحديث ردٌّ على الكعبيِّ في زعمه أن ليس في الشَّرع مباحٌ، بل الفاعل إمَّا عاصٍ وإمَّا مثاب، فمن اشتغلَ عن المعصية بشيءٍ فهو مثاب، وتعقَّبوه بأنَّ الَّذي يثاب على ترك المعصية هو الَّذي يقصد بتركها رضى الله تعالى، كما تقدَّمت الإشارة إليه.

وحكى ابن التِّين أنَّه يلزمه أنَّ الزَّاني مثلًا مثاب لاشتغاله بالزِّنا عن معصيةٍ أخرى، ولا يخفى بطلانه، فافهم.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( فمن همَّ بحسنةٍ ) )، وقوله (( ومَن همَّ بسيِّئة ) )، وقد أخرجه مسلم في «الإيمان» ، والنَّسائي في «النُّعوت» وفي «الرِّقاق» .

[1] في هامش الأصل وهو استحضار الخوف.

[2] في هامش الأصل الظاهر ولا يدخل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت