4 - (بابٌ) بالتَّنوين (وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى) وفي رواية أبي ذرٍّ سقط قوله ( {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ} ) خبر ومعناه الأمر؛ لما فيه من الإلزام مثل {يَتَرَبَّصْنَ} أي لترضع الوالداتُ أولادهنَّ من أزواجهنَّ وهنَّ أحقُّ بذلك، وهذا الأمر على وجه النَّدب المؤكَّد، أو على وجه الوجوب إذا لم يقبل الصَّبي إلَّا ثدي أمِّه، أو لم يوجد له ظئرٌ أو كان الأبُ عاجزًا عن الاستئجار، وأمَّا إذا كان المولود له حيًا موسرًا؛ فلا يجبُ الإرضاع عليهنَّ؛ لقوله تعالى في سورة النِّساء القصرى {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق 6] على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
وأكثر المفسِّرين على أنَّ المرادَ بالوالدات هنا المطلَّقات، وإيجاب النَّفقة والكسوة لأجل الرَّضاع، وقد قام الإجماع على أنَّ أجر الرَّضاع على الزَّوج إذا خرجت المطلَّقة من العدَّة.
ج 23 ص 367
واختلفوا في ذات الزَّوج؛ هل تجبرُ على إرضاع ولدها قال ابن أبي ليلى نعم ما كانت امرأته، وهو قول مالك وأبي ثور. وقال الثَّوري والكوفيُّون والشَّافعي لا يلزمها إرضاعه، وهو على الزَّوج؛ على كل حال، وقال ابن القاسم تجبرُ على إرضاعه إلَّا أن تكون مثلها لا ترضع، فذلك على الزَّوج. وقيل [1] عبر بلفظ الخبر على لفظ الإلزام، كأن يقول وعلى الوالدات إرضاعُ أولادهنَّ، كما جاء بعد، وعلى الوارث مثل ذلك إشارةً إلى عدم الوجوب.
( {حَوْلَيْنِ} ) ظرف ( {كَامِلَيْنِ} ) تأمين، وهو توكيد؛ لأنَّه ممَّا يُتسامح فيه، فإنَّك تقول أقمت عند فلان حولين ولم تستكملهما، ومن هذا الباب قوله تعالى {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [البقرة 196] ( {لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} ) بيان لمن توجَّه إليه الحكم؛ أي هذا الحكم لمن أراد. .. إلى آخره (إِلَى قَوْلِهِ {بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} ) أي مجازيكم على أعمالكم إذ لا يخفى عليه أعمالكم يريد إلى آخر الآية، كذا وقع في رواية كريمة، ووقع في رواية أبي ذرٍّ والأكثرين < {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} إلى قوله {بَصِيرٌ} > وهذه التَّرجمة وقعت في رواية النَّسفي بعد الباب الذي يليه.
(وَقَالَ) عزَّ وجلَّ ( {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ} ) أي ومدَّة حمله وفطامه ( {ثَلاَثُونَ شَهْرًا} ) استدلَّ علي رضي الله عنه بهذه الآية مع التي في سورة لقمان {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} [لقمان 14] ، وقوله تعالى {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} على أنَّ أقلَّ مدَّة الحمل ستَّة أشهر، وهو كما قال ابن كثير استنباطٌ قويٌّ صحيحٌ، ووافقه عليه عثمان وغيره من الصَّحابة رضي الله عنهم، فقد روى محمد بن إسحاق عن مَعْمَر بن عبد الله الجهني قال تزوَّج رجل منَّا امرأة من جهينة فولدت لستَّة أشهر، فانطلقَ زوجها إلى عُثمان رضي الله عنه، فذكر ذلك، فبعث إليها، فلمَّا قامت لتلبس ثيابها بكتْ أختُها، فقالت ما يبكيك فوالله ما لمس بي أحدٌ من خلق الله غيره قط، فيقضي الله فيما شاء، فلمَّا أُتي بها عُثمان رضي الله عنه أَمَرَ برجمها، فبلغ ذلك عليًّا رضي الله عنه
ج 23 ص 368
فأتاه، فقال ما تصنعُ؟ قال ولدت لتمام ستَّة أشهر، وهل يكون ذلك؟ فقال له علي رضي الله عنه أتقرأ القرآن؟ قال بلى، قال أما سمعت الله تعالى يقول {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف 15] وقال {حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} فلم نجده بقي إلَّا ستَّة أشهر، فقال عُثمان رضي الله عنه والله ما فطنتُ لهذا، علي بالمرأة، قال فوجدوها قد فرغ منها. رواه ابنُ أبي حاتم، وقال ابن عبَّاس رضي الله عنهما إذا ذهبت رضاعته فإنَّما الحمل ستَّة أشهر.
(وَقَالَ) تعالى ( {وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ} ) أي تضايقتُم في الإرضاع فلم ترض الأمُّ بما ترضع به الأجنبيَّة، ولم يرد الأب على ذلك، وأبى أن يُعطيها ما ترضى به، فليس له إكراهها على إرضاعه ( {فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} ) فستوجد، ولا تُعْوزُ مرضعة غير الأم تُرضعه، أشار بهذه الآية الكريمة إلى مقدار الإنفاق، وأنَّه بالنَّظر إلى حال المنفقِ، وفيه طرف من معاتبة الأمِّ على المعاسرة.
وقوله {لَهُ} أي للأب؛ أي سيجدُ الأب غير معاسرة تُرْضِعُ له ولده إن عاسرته أمُّه، وفيه أنَّه لا يجب على الأمِّ إرضاع ولدها.
نعم، عليها إرضاعه اللبأ، بالهمز والقصر، بأجرة وبدونها؛ لأنَّه لا يعيشُ غالبًا إلَّا به، وهو اللَّبن أوَّل الولادة، ثمَّ بعده إن انفردت هي أو أجنبيَّة؛ وجب إرضاعه على الموجودة منهما، وله إجبار أَمَتِه على إرضاع ولدها منه، أو من غيره؛ لأنَّ لبنها ومنافعها له، بخلاف الحرَّة.
( {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ} ) أي لينفق كل واحدٍ من الموسر والمعسر ما يبلغه وسعه، يريد ما أمر به من الإنفاق على المطلَّقات والمرضعات ( {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} ) أي ومن ضيقَ عليه رزقه (إِلَى قَوْلِهِ {بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} ) يريد قوله تعالى {فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ} أي فلينفق من ذلك الذي أعطاه الله، وإن كان قليلًا {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا} أي أعطاها من المال {سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} أي بعد ضيق في المعيشة سِعَة، وهذا وعد الله لذي العُسر باليُسر، ووعده تعالى حقٌّ، وهو لا يُخْلِفُه. وقال الطِّيبي يقال إنَّه موعد لفقراء ذلك الوقت، ويدخل فيه فقراء الأزواج دخولًا أوليًا.
(وَقَالَ يُونُسُ) هو ابنُ يزيد القرشي الأيلي (عَنِ الزُّهْرِيِّ)
ج 23 ص 369
ابن شهاب، أنَّه قال (نَهَى اللَّهُ) عزَّ وجلَّ (أَنْ تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا) وذلك في قوله تعالى {لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} [البقرة 233] (وَذَلِكَ أَنْ تَقُولَ الْوَالِدَةُ) للوالد (لَسْتُ مُرْضِعَتَهُ) أو تطلب منه ما ليس بعدل من الرِّزق والكسوة، وأن تشغل قلبه بالتَّفريط في شأن الولد، وأن تقول بعدما ألفها الولد اطلبْ له ظئرًا، أو ما أشبه ذلك.
وفي بعض «التَّفاسير» بأن تدفعه عنها لتضر أباه بتربيته، ولكن ليس لها دفعه إذا ولدته حتَّى تسقيه اللِّبأ الذي لا يعيش بدون تناوله غالبًا، ثمَّ بعد هذا لها دفعه عنها إن شاءَتْ، ولكن إن كانت مضارَّة لأبيه، فلا يحلُّ لها ذلك، كما لا يحلُّ له انتزاعه منها؛ لمجرَّد الضِّرار لها.
(وَهْيَ أَمْثَلُ لَهُ) أي الوالدة أفضل للصَّغير (غِذَاءً) بمعجمتين أولهما مكسورة؛ أي من حيثُ الغذاء (وَأَشْفَقُ عَلَيْهِ وَأَرْفَقُ بِهِ مِنْ غَيْرِهَا، فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَأْبَى) أي ليس للوالدة أن تمتنع إرضاعه (بَعْدَ أَنْ يُعْطِيَهَا) الوالد (مِنْ نَفْسِهِ مَا جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ) من الرِّزق والكسْوة (وَلَيْسَ لِلْمَوْلُودِ لَهُ أَنْ يُضَارَّ بِوَلَدِهِ) أي بسبب ولده (وَالِدَتَهُ فَيَمْنَعَهَا أَنْ تُرْضِعَهُ) وهي تريد أن ترضعه (ضِرَارًا لَهَا إِلَى غَيْرِهَا) أي ينتهي إلى إرضاع غيرها، فإلى يتعلَّق بمنعها (فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا) أي على الأبوين (أَنْ يَسْتَرْضِعَا) ظئرًا (عَنْ طِيبِ نَفْسِ الْوَالِدِ وَالْوَالِدَةِ فَإِنْ) وفي رواية أبي ذرٍّ (أَرَادَا فِصَالًا) أي فإن اتَّفق والدا الطِّفل على فصاله قبل الحولين ورَأَيا في ذلك مصلحةً له، وقيل سواء زادا في ذلك، أو نقصا، وهو توسعة بعد التَّحديد (عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ) في ذلك، والتَّشاور استخراج الرَّأي وذكره؛ ليكون التَّراضي عن تفكر، فلا يضر الرَّضيع، فسُبحان من أدَّبَ الكبير، ولم يُمْهِل الصَّغير، واعتبر اتِّفاق الأبوين واجتماعهما عليه؛ لما للأب من النَّسب، والولاية، وللأمِّ من الشَّفقة والعناية.
(فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا) في ذلك(بَعْدَ
ج 23 ص 370
أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ)ويُؤخذ منه إن انفرد أحدهما بذلك دون الآخر لا يكفي، ولا يجوز لواحدٍ منهما أن يستبدَّ بذلك من غير مشاورة الآخر.
وهذا التَّعليق وصله عبد الله بن وهب في «جامعه» عن يونس قال قال ابن شهاب، فذكره إلى قوله (( وتشاور ) ).
(فِصَالُهُ فِطَامُهُ) أي منعه من شرب اللَّبن، يعني أنَّ الفِصال مصدر تقول فاصَلْتُه أفاصِلُه مُفَاصَلَةً، وفِصَالًا إذا فارقتَه من خِلْطَةٍ كانت بينهما، وهذا من تفسير ابن عبَّاس رضي الله عنهما، أخرجه الطَّبري، وقد ضُبِطَ لفظ (( فطامه ) )في اليونينيَّة بنصب الميم، فافهم.
[1] في هامش الأصل قسطلاني.