5358 - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ) هو سعيدُ بن كثير بن عُفير الأنصاريُّ، مولاهم، البصريُّ (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) هو ابنُ سعد الإمام (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عُقَيْلٌ) بضم العين مصغرًا، هو ابنُ خالد الأيلي (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري، أنَّه قال (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مَالِكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ) بفتح الحاء والدال المهملتين والمثلثة، قال الزُّهري (وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ذَكَرَ لِي ذِكْرًا) أي بعضًا (مِنْ حَدِيثِهِ، فَانْطَلَقْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ فَسَأَلْتُهُ) عن ذلك (فَقَالَ) لي (مَالِكٌ) المذكور (انْطَلَقْتُ) فيه حَذْفٌ ذَكَرَه في فرض الخمس [خ¦3094] ، ولفظه فقال مالك بينا أنا جالس في أهلي حين صقع النَّهار؛ أي اشتدَّ حرُّه، إذا رسول عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأتيني، فقال أجبْ أميرَ المؤمنين
ج 23 ص 363
فانطلقتُ معه.
(حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى عُمَرَ) رضي الله عنه، فبينا أنا جالسٌ عنده (إِذْ أَتَاهُ حَاجِبُهُ يَرْفَا) بفتح التحتية وسكون الراء وفتح الفاء، مهموزًا وغير مهموزٍ اسم حاجب عُمر رضي الله عنه (فَقَالَ) له (هَلْ لَكَ) رغبة (فِي عُثْمَانَ) أي ابن عفَّان رضي الله عنه (وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ) أي ابن عوف رضي الله عنه (وَالزُّبَيْرِ) أي ابن العوَّام رضي الله عنه (وَسَعْدٍ) أي ابن وقاص رضي الله عنه حال كونهم (يَسْتَأْذِنُونَ) في الدُّخول عليك (قَالَ) أي عُمر رضي الله عنه (نَعَمْ، فَأَذِنَ لَهُمْ، قَالَ فَدَخَلُوا وَسَلَّمُوا فَجَلَسُوا، ثُمَّ لَبِثَ) أي مكث (يَرْفَأ قَلِيلًا، فَقَالَ لِعُمَرَ هَلْ لَكَ) رغبة (فِي عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (قَالَ) أي عُمر رضي الله عنه (نَعَمْ، فَأَذِنَ لَهُمَا، فَلَمَّا دَخَلاَ سَلَّمَا وَجَلَسَا، فَقَالَ عَبَّاسٌ) لعمر (يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا) يريد عليًّا رضي الله عنه، وزاد في الخمس [خ¦3094] (( وهما يختصمان فيما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم من بني النَّضير ) ).
(فَقَالَ الرَّهْطُ، عُثْمَانُ وَأَصْحَابُهُ) أي الذين معه (يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اقْضِ بَيْنَهُمَا وَأَرِحْ أَحَدَهُمَا مِنَ الآخَرِ، فَقَالَ عُمَرُ) رضي الله عنه (اتَّئِدُوا) بتشديد الفوقية وكسر الهمزة، أمر من الاتئاد؛ أي تأنوا، ولا تعجلوا (أَنْشُدُكُمْ) بفتح الهمزة وضم الشين؛ أي أسألكم (بِاللَّهِ الَّذِي بِهِ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَني (تَقُومُ السَّمَاءُ) فوق رؤوسكم بلا عمد (وَالأَرْضُ) على الماء تحت أقدامِكُم (هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لاَ نُورَثُ) معاشرَ الأنبياء (مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ) كلمة ما موصولة مبتدأ، وتركنا صلتُه، والعائد محذوف، وصدقة رفع خبره (يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفْسَهُ) وغيره من الأنبياء عليهم السَّلام، فليسَ خاصًا به، كما قال في الرِّواية الأخرى (( نحن معاشرَ الأنبياء ) ).
(قَالَ الرَّهْطُ) عثمان وأصحابه رضي الله عنهم (قَدْ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (ذَلِكَ، فَأَقْبَلَ عُمَرُ عَلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ) رضي الله عنهم
ج 23 ص 364
(فَقَالَ أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ، هَلْ تَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ؟ قَالاَ قَدْ قَالَ ذَلِكَ، قَالَ عُمَرُ) رضي الله عنه (فَإِنِّي أُحَدِّثُكُمْ عَنْ هَذَا الأَمْرِ، إِنَّ اللَّهَ) عزَّ وجلَّ (كَانَ خَصَّ) وفي رواية أبي ذرٍّ (رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْمَالِ بِشَيْءٍ) وفي رواية الخمس (( في هذا الفيء ) )بدل (( المال ) ) (لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا غَيْرَهُ) لأنَّ الفيءَ كلَّه أو جُلَّه على اختلاف فيه كان له صلى الله عليه وسلم (قَالَ اللَّهُ) عزَّ وجلَّ ( {مَا أَفَاءَ اللَّهُ} ) وفي التَّنزيل {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ} [الحشر 6] ، بالواو ( {عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ} إِلَى قَوْلِهِ {قَدِيرٌ} ) يريد قوله تعالى {وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الحشر 6] ، وقد سقط في رواية أبي ذرٍّ قوله < {فَمَا أَوْجَفْتُمْ} . .. إلى آخره>.
(فَكَانَتْ هَذِهِ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لا حقَّ لأحد فيها غيره (وَاللَّهِ مَا احْتَازَهَا) بحاء مهملة ساكنة وزاي؛ أي ما جَمَعَها، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَني ، بالخاء المعجمة والراء المهملة لنفسه (دُونَكُمْ، وَلاَ اسْتَأْثَرَ) أي ولا استقل وتفرد، يقال استأثر فلان بكذا إذا أخذه لنفسه (بِهَا عَلَيْكُمْ، لَقَدْ أَعْطَاكُمُوهَا) أي أموالَ الفيء (وَبَثَّهَا) بالموحدة والمثلثة المشددة؛ أي فَرَّقها (فِيكُمْ حَتَّى بَقِيَ مِنْهَا هَذَا الْمَالُ) أي فدك وخيبر وبنو النَّضير (فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ مِنْ هَذَا الْمَالِ) وهذا موضع التَّرجمة (ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ فَيَجْعَلُهُ مَجْعَلَ) أي موضع جعل (مَالِ اللَّهِ) فيه، يعني بيت المال لمصالح المسلمين (فَعَمِلَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيَاتَهُ، أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ) وفي رواية أبي ذرٍّ بحذف حرف الجرِّ وبالنَّصب (هَلْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ؟ قَالُوا نَعَمْ، قَالَ) وفي الخمس (لِعَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمَانِ ذَلِكَ؟ قَالاَ نَعَمْ، ثُمَّ تَوَفَّى اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه(أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ
ج 23 ص 365
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَبَضَهَا أَبُو بَكْرٍ فَعَمِلَ)كذا في رواية أبي ذرٍّ، وفي رواية غيره بصيغة المضارع (فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْتُمَا حِينَئِذٍ، وَأَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ) جملة حاليَّة معترضة (تَزْعُمَانِ) خبر لقوله وأنتما (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَذَا وَكَذَا) أي منعكما ميراثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم (وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ فِيهَا صَادِقٌ) في القول (بَارٌّ) بالموحَّدة وتشديد الراء؛ أي في العمل (رَاشِدٌ) أي في الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم (تَابِعٌ لِلْحَقِّ، ثُمَّ تَوَفَّى اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ) رضي الله عنه (فَقُلْتُ أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ) رضي الله عنه (فَقَبَضْتُهَا سَنَتَيْنِ) من إمارتي (أَعْمَلُ فِيهَا بِمَا عَمِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه (ثُمَّ جِئْتُمَانِي وَكَلِمَتُكُمَا وَاحِدَةٌ وَأَمْرُكُمَا جَمِيعٌ) أي مجتمع ولم يكن بينكما منازعة (جِئْتَنِي) أي يا عبَّاس (تَسْأَلُنِي نَصِيبَكَ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ) صلى الله عليه وسلم (وَأَتَى هَذَا يَسْأَلُنِي نَصِيبَ امْرَأَتِهِ) فاطمة رضي الله عنها (مِنْ أَبِيهَا) صلى الله عليه وسلم (فَقُلْتُ) لكما (إِنْ شِئْتُمَا دَفَعْتُهُ إِلَيْكُمَا عَلَى أَنَّ عَلَيْكُمَا عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ، لَتَعْمَلاَنِ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا عَمِلَ بِهِ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه (وَبِمَا عَمِلْتُ بِهِ فِيهَا مُنْذُ وُلِّيتُهَا) فلا تتصرَّفا فيها على جهة التَّمليك، إذ هي صدقة محرَّمة التَّمليك، بل افعلا فيها، كما فَعَلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه بعده (وَإِلاَّ) أي وإن لا تفعلا فيها ما ذكر (فَلاَ تُكَلِّمَانِي فِيهَا، فَقُلْتُمَا ادْفَعْهَا إِلَيْنَا بِذَلِكَ، فَدَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا بِذَلِكَ) ثمَّ قال للرَّهط (أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْهِمَا بِذَلِكَ؟ فَقَالَ الرَّهْطُ) أي عثمان ومن معه رضي الله عنهم (نَعَمْ، قَالَ فَأَقْبَلَ عُمَرُ) رضي الله عنه (عَلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ) رضي الله عنهما(فَقَالَ أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ هَلْ دَفَعْتُهَا
ج 23 ص 366
إِلَيْكُمَا بِذَلِكَ؟ قَالاَ نَعَمْ، قَالَ)أي عمر رضي الله عنه (أَفَتَلْتَمِسَانِ) أي تطلبان (مِنِّي قَضَاءً) أي حكمًا (غَيْرَ ذَلِكَ) الحكم الذي حكمت فيه (فَوَالَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ، لاَ أَقْضِي فِيهَا قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، فَإِنْ عَجَزْتُمَا عَنْهَا فَادْفَعَاهَا إِلَيَّ) وفي نسخة سقط لفظ (فَأَنَا أَكْفِيكُمَاهَا) وقال الخطَّابي هذه القصَّة مشكلة، فإنَّهما أخذاها من عُمر رضي الله عنه على الشَّريطة، واعترفا بأنَّه صلى الله عليه وسلم قال (( ما تركنَا صدقة ) )فما الذي بدا لهما بعد ذلك حتَّى تخاصما؟
والمعنى فيها أنَّه كان يشقُّ عليهما الشركة فطلبا أن يقسمَ بينهما؛ ليستبدَّ كلٌّ منهما بالتَّدبير والتَّصرف فيما يصيرُ إليه، فمنعهما عمر القسمة؛ لئلَّا يجري عليها اسمُ الملك؛ لأنَّ القسمة تقعُ في الأملاك، ويتطاولُ الزَّمان، فيظنُّ بها الملكيَّة.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( فكان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ينفقُ على أهله نفقةَ سنتهم ) ). وقد مضى الحديث في بابِ فَرْضِ الخُمُس بزيادة بعضِ الألفاظ فيه [خ¦3094] ، ومضى الكلام فيه هناك مستوفى.