3 - (باب قَوْلِهِ) عزَّ وجلَّ، وسقط في رواية غير أبي ذرٍّ ( {وَإِذْ قَالُوا} ) أي واذكر يا محمَّد حين قال كفَّار قريش مثل النَّضر بن الحارث، وأبي جهل وأضرابهما من الكفرة الجهلة، وذلك من كثرة جهلهم وعتوِّهم وعنادهم وشدَّة تكذيبهم ( {اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ} ) بالنصب؛ لأنَّه خبر كان، وقرأ الأعمش بالرفع على أن هو مبتدأ، وعلى القراءة المشهورة هو صلة في الكلام للتأكيد ( {مِنْ عِنْدِكَ} ) أرادوا به القرآن، وقيل أرادوا به نبوَّة النَّبي صلى الله عليه وسلم ( {فَأمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ} ) أي عقوبةً لنا على إنكاره، وفائدة قوله {مِنَ السَّمَاءِ} والأمطار لا تكون إلَّا منها المبالغة في العذاب؛ فإنَّها محلُّ الرَّحمة كأنَّهم قالوا بدل رحمتك النَّازلة من السَّماء بنزول العذاب منها، أو أنَّها أشدُّ تأثيرًا إذا سقطت من أعلى الأماكن.
( {أوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ ألِيمٍ} ) أي بنوعٍ آخر، وإنَّما قالوا هذا القول لشبهةٍ تمكَّنت في قلوبهم، ولو عرفوا بطلانها ما قالوا مثل هذا القول مع علمهم بأنَّ الله قادرٌ على ذلك، فطلبوا إمطار الحجارة إعلامًا بأنَّهم على غاية الثِّقة في أنَّ أمره صلى الله عليه وسلم ليس بحقٍّ، وإذا لم يكن حقًّا لم يصبهم البلاء الَّذي طلبوه، فكان تعليق العذاب بكونه حقًّا مع اعتقاد أنَّه ليس بحقٍّ كتعليقه بالمحال في قولك إن كان الباطل حقًّا فأمطرْ علينا حجارة.
روي أنَّ معاوية قال لرجلٍ من سبأ ما أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأةً،
ج 19 ص 480
فقال أجهل من قومي قومك حين قالوا إن كان هذا هو الحقَّ من عندك فأمطر علينا حجارةً من السَّماء، ولم يقولوا فاهدنا له.
ويروى أنَّ النَّضرَ بن الحارث لعنه الله لما قال {إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} [الأنفال 31] قال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( ويلك إنَّه كلام الله تعالى ) )فقال هو وأبو جهل إن كان هذا هو الحقُّ من عندك. وإسناده إلى الجمع إسناد ما فعله رئيس القوم إليهم، وسيأتي ما يتعلق بذلك إن شاء الله تعالى. ثمَّ إنَّه ثبت في رواية أبي ذرٍّ، وسقط في روايته من قوله < {عَلَيْنَا حِجَارَةً} . .. > إلى آخره، وقال بعد قوله {فَأَمْطِرْ} .
(قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) هو سفيان بن عيينة، وهكذا هو في تفسيره رواه سعيد بن عبد الرَّحمن المخزومي عنه بلفظ قال ويقول ناس ما سمَّى الله المطر في القرآن إلَّا عذابًا، ولكن تسميه العرب الغيث، كذا وقع في تفسير {حم عسق} [الشورى 1 - 2] .
(مَا سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى مَطَرًا فِي الْقُرْآنِ إِلا عَذَابًا) أوردوا عليه قوله تعالى {إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ} [النساء 102] فإنَّ المراد به المطر بمعنى الغيث قطعًا، ونسبة الأذى إليه بالبلل والوحل الحاصل منه لا يخرجه عن كونه بمعنى الغيث (وَتُسَمِّيهِ الْعَرَبُ الْغَيْثَ، وَهْوَ قَوْلُهُ تَعَالَى {يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا} ) [الشورى 28] وهذا من كلام ابن عيينة، وثبت في الفرع، وسقط من أصله. قال الجوهري المطر واحد الأمطار، ومطرت السَّماء تمطر مطرًا، وأمطرها الله، وقد مُطرنا، وناسٌ يقول مطرت السَّماء، وأمطرت بمعنى. وقال أبو عبيدة إذا كان من العذاب فهو أمطرت، وإذا كان من الرَّحمة فهو مطرت.