4648 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أحْمَدُ) كذا وقع غير منسوبٍ في جميع الرِّوايات، وقد جزم الحاكم أبو أحمد، والحاكم أبو عبد الله أنَّه ابن النضر بن عبد الوهَّاب النَّيسابوري. وقال الحافظُ المزِّي أيضًا هو أحمد بن النَّضر أخو محمد بن النَّضر المذكور في السَّند الآتي. قال الحاكم بلغني أنَّ البُخاري كان ينزل عليهما، ويكثر المكث عندهما إذا قدم نيسابور.
قال الحافظُ العسقلاني وهما من طبقة مسلم وغيره من تلامذة البُخاري، وإن شاركوه في بعض شيوخه. وقد أخرج مسلمٌ هذا الحديث بعينه عن شيخهما عبيد الله بن معاذ نفسه، وعبيد الله المذكور من الطبقة الوسطى من شيوخ البُخاري، فنزل في هذا الإسناد
ج 19 ص 481
درجتين؛ لأنَّ عنده الكثير عن أصحاب شعبة بواسطةٍ واحدةٍ بينه وبين شعبة.
قال الحاكم أحمد بن النَّضر يُكنَّى أبا الفضل، وكان من أركان الحديث. انتهى.
وليس له ولا لأخيه في البُخاري سوى هذا الموضع. وقد روى البُخاري عن أحمد في «التاريخ الصغير» ونسبه.
(حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ) بصيغة التصغير (ابْنُ مُعَاذٍ) بضم الميم، قال (حَدَّثَنَا أبِي) معاذ بن معاذ بن حسان العنبري التَّميمي البصري، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ، صَاحِبُ الزِّيَادِيِّ) بكسر الزاي وتخفيف التحتية، نسبةً إلى زياد بن أبي سفيان، وزاد غير أبي ذرٍّ بضم الكاف وكسرها وإسكان الراء وكسر الدال المهملة الأولى، وعبد الحميد هذا هو ابنُ دينار تابعيٌّ صغيرٌ.
(سَمِعَ) أي أنَّه سمع (أنَسَ بْنَ مَالِكٍ) رضي الله عنه، أنَّه قال (قَالَ أبُو جَهْلٍ) اسمه عمرو بن هشام المخزومي لعنه الله (اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ، فَأمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ، أوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ ألِيمٍ) ظاهر هذا أنَّ قائل ذلك هو أبو جهل، وإن كان نُسب إلى جماعةٍ فلعلَّه بدأ به ورضي الباقون.
وقد روى الطَّبراني من طريق ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ قائل ذلك هو النَّضر بن الحارث، قال فأنزل الله تعالى {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} [المعارج 1] ، وكذا قال مجاهد وعطاء والسُّدِّي، ولا ينافي ذلك ما في «الصحيح» لاحتمال أن يكون قالاه.
قال الحافظُ العسقلاني ولكن نسبته إلى أبي جهلٍ أولى.
وتعقَّبه العيني بأنَّه لا دليل على دعوى الأولويَّة، بل لقائلٍ أن يقول نسبته إلى النضر بن الحارث أولى؛ لأنَّه كان ذهب إلى بلاد فارس، وتعلَّم من أخبار ملوكهم رستم واسفنديار، ولمَّا قدم وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعثه الله وهو يتلو على النَّاس القرآن، فكان إذا قام صلى الله عليه وسلم من مجلسٍ جلس فيه النَّضر، فيحدِّثهم من أخبار أولئك ثمَّ يقول أينا أحسن قصصًا أنا أو محمد؟ ولهذا لما أمكن الله منه يوم بدرٍ، ووقع في الأسارى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تُضربَ عنقه صبرًا بين يديه، ففعل ذلك، وكان الَّذي أسره
ج 19 ص 482
المقداد بن الأسود رضي الله عنه.
وعن قَتادة قال قال ذلك سفهاء هذه الأمَّة وجهلتها.
(فَنَزَلَتْ {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال 33] ) وسقط في رواية أبي ذرٍّ قوله {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ} إلى آخره، قيل وإنَّما قيل (( فنزلت ) )بالفاء؛ لأنَّها نزلت عقيب قولهم {إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ} . .. إلى آخره. روى ابن جرير من طريق يزيد بن رومان أنَّهم لمَّا قالوا ذلك، ثمَّ أمسوا ندموا على ما قالوا، فقالوا غفرانك اللَّهم، فأنزل الله تعالى {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال 33] .
وروى ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ قوله {وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} أي من سبق له من الله بأنَّه سيؤمن. وقيل المراد من كان بين أظهرهم حينئذٍ من المؤمنين، قاله الضَّحَّاك وأبو مالك. وقال عليُّ بن طلحة أيضًا عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في هذه الآية وما كان الله ليُعَذِّب قومًا وأنبياؤهم بين أظهرهم حتَّى يخرجهم.
وقال ابن عبَّاس رضي الله عنهما كان فيهم أمانان النَّبي صلى الله عليه وسلم والاستغفار، فذهب النَّبي صلى الله عليه وسلم، وبقي الاستغفار. وقال ابن جرير بإسناده إلى ابن أبزى قال كان النَّبي صلى الله عليه وسلم بمكَّة، فأنزل الله تعالى {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} قال فخرج النَّبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فأنزل الله تعالى {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} .
قال وكان أولئك البقيَّة من المسلمين الَّذين بقوا فيها مستضعفين يستغفرون، فلمَّا خرجوا أنزل الله تعالى {وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [الأنفال 34] الآية، فأذن الله في فتح مكَّة فهو العذاب الَّذي وعدهم الله تعالى. وروى التِّرمذي من حديث أبي موسى رضي الله عنه رفعه قال (( أنزلَ الله على أمَّتي أمانين، فذكر هذه الآية، قال فإذا مضيت تركتُ فيهم الاستغفار ) ). وهذا يقوِّي القول الأوَّل، والحملُ عليه أولى، وأنَّ العذاب حلَّ بهم؛ لمَّا تركوا النَّدم على ما وقعَ منهم، وبالغوا في معاندة المسلمين ومحاربتهم وصدِّهم عن المسجد الحرام.
وفيه أنَّ الاستغفار أمانٌ من العذاب. وفي حديث
ج 19 ص 483
فَضَالة بن عبيد عند الإمام أحمد مرفوعًا (( العبد آمن من عذابِ الله ما استغفرَ الله عزَّ وجلَّ ) ). فتأمَّل علوَّ مرتبة الاستغفار، وعظم موقعه.
وقد روي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما إنَّ الله جعل في هذه الأمَّة أمانين لا يزالون معصومين من قوارعِ العذاب ما داما بين أظهرهم، فأمان قبضه الله إليه، وأمانٌ بقي فيكم، ثمَّ تلا الآية. رواه ابن أبي حاتم.
( {وَمَا لَهُمْ} ) استفهام بمعنى التقرير ( {أنْ لا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ} ) الظاهر أن كلمة «أن» مصدرية، وموضعها نصب أو جر؛ لأنَّها على حذف حرف الجرِّ، والتقدير في أن لا يعذِّبهم، وهذا الجار متعلِّق بما تعلَّق به لهم من الاستقرار ( {وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} ) والمعنى وأيُّ مانعٍ فيهم من العذاب، وسببه واقعٌ، وهو صدُّهم المؤمنين عن المسجد الحرام عام الحديبية، وإخراجهم الرسول والمؤمنين إلى الهجرة، فالعذابُ واقعٌ لا محالة بهم، فلمَّا خرج الرَّسول صلى الله عليه وسلم من بين أظهرهم أوقع الله بهم بأسه يوم بدرٍ، فقتل صناديدهُم، وأسر سراتهم.
(الآيَةَ) أي اقرأ الآية بتمامها، وهو قوله تعالى {وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ} [الأنفال 34] أي ما أولياؤه إلا الَّذين اتَّقوا. قال عروة والسُّدِّي ومحمد بن إسحاق هم النَّبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وقال مجاهد المتَّقون من كانوا وحيث كانوا. وروى ابنُ أبي حاتم بإسناده إلى عطاء عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} ثمَّ استثنى أهل الشِّرك فقال {وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} أي وكيف لا يُعذِّبهم الله؛ أي الَّذين بمكَّة، وهم يصدُّون المؤمنين الذين هم أهله عن الصَّلاة عنده، والطَّواف، ولهذا قال {وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ} [الأنفال 34] أي أنَّهم ليسوا أهل المسجد الحرام، وإنَّما أهله النَّبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.