14 - (بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ} ) أي نشر وفرَّق في الأرض من كلِّ دابةٍ، قال الحافظ العسقلانيُّ كأنَّه أشار إلى سَبْقِ خَلْقِ الملائكة والجنِّ على الحيوان، وسَبْقِ جَمِيْعِ ذلك على خلق آدم عليه السَّلام، والدَّابة لغة ما دبَّ من الحيوان. واستثنى بعضهم الطَّير لقوله تعالى {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} [الأنعام 38] ، والأوَّل أشهر؛
ج 14 ص 554
لقوله تعالى {مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا} [هود 56] ، وعرفًا ذوات الأربع، وقيل تختصُّ بالفرس، وقيل بالحمار، والمراد هنا المعنى اللغوي.
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلمٍ (( أنَّ خلق الدَّواب كان يوم الأربعاء ) )، وهو دالٌّ على أنَّ خَلْقَ ذلك قَبْلَ خَلْقِ آدم عليه السَّلام.
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا الثُّعْبَانُ الْحَيَّةُ الذَّكَرُ مِنْهَا) أشار به إلى ما في قوله تعالى {فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ} [الشعراء 32] . وهذا التَّعليق أخرجه الطَّبري في «تفسيره» من حديث شهر بن حوشب عنه في قوله تعالى {فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ} ، وفسَّر الثُّعبان بأنَّه الحيَّة الذَّكر، وقيَّد بقوله الذَّكر؛ لأنَّ لفظ الحيَّة يقع على الذَّكر والأنثى، وليست التاء فيه للتأنيث، وإنَّما هي كتاء تمرة ودجاجة.
وقد رُوِيَ عن العَرَب رأيت حيًّا على حيَّة؛ أي ذكرًا على أنثى.
هذا وقد وصله ابن أبي حاتم أيضًا من طريقه، وقيل الثُّعبان الكبير من الحيات؛ ذكرًا كان أو أنثى.
(يُقَالُ الْحَيَّاتُ أَجْنَاسٌ الْجَانُّ وَالأَفَاعِي وَالأَسَاوِدُ) هذا من كلام البخاري، وفي رواية الأَصيلي قال القاضي عياض والصَّواب هو الأول، والجِنَّان بكسر الجيم وتشديد النون، وبعد الألف نون أيضًا.
وقال ابن الأثير الجِنَّان تكون في البيوت، واحدها جانٌّ، وهو الدَّقيق الخفيف، والجانُّ الشَّيطان أيضًا، قال أبو عبيدة في تفسير القصص في قوله {كَأَنَّهَا جَانٌّ} كأنَّها جانٌّ من الحيات.
وفي تفسير طه في قوله تعالى {فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى} حيَّة من الجان، فجرى على أنَّ ذلك شيءٌ واحد، وقيل صارت العصا في أوَّل الحال جانًّا وهي الحية الصَّغيرة، ثمَّ صارت ثعبانًا، وقيل اختلف وصفها باختلاف أحوالها، فكانت كالحية في سعيها، وكالجانِّ في حركتها، وكالثُّعبان في ابتلاعها، والله تعالى أعلم.
والأفاعي جمع أفعى، وهو ضربٌ من الحيَّات، وأهل الحجاز يقولون أَفْعَو، وفي حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما لا بأس بقتل الأَفْعَو، قلب ألفها واوًا في الوقف، ومنهم من يَقْلِبُ ألفها ياء في الوقف، وبعضهم يشدِّد الواو والياء
ج 14 ص 555
وهمزتُه زائدة.
والأُفعُوان، بضم الهمزة والعين ذكر الأفاعي، وكنيته أبو حيان وأبو يحيى؛ لأنَّه يعيش ألف سنةٍ، وهو الشُّجاع الأسود الذي يواثب الإنسان، ومن صفة الأفعى إذا فُقِئَتْ عينُها عادت، ولا تغمض حدقتها ألبتة.
والأساود جمع الأسود، وهو العظيم من الحيَّات، وفيها سوادٌ، وهي أخبث الحيات، ويقال له أسود سالخ؛ لأنَّه يسلخ جلده كلَّ عامٍ.
وفي «سنن» أبي داود والنَّسائي عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا (( أعوذ بالله من أَسَدٍ وأَسْوَدٍ ) )، وقيل الأسود حيةٌ رقشاء رقيقة العنق عريضة الرَّأس، وربَّما كانت ذات قرنين.
وقال ابن خالويه ليس في كلام العرب أسماء الجِنَّان وصفاتها إلَّا ما أذكره، وعدَّ لها نحوًا من سبعين اسمًا منها الشُّجاع والأرقم والأسود والأفعى والأبتر والأُعَيْرج والأَصَلة والصل والجان والجِنَّان والجرَّارة والرَّتيلا.
وذكر الجاحظ أيضًا أنواعها منها المكلَّلة الرَّأس طولها شبران أو ثلاثة إن حاذى حجرَها طائرٌ سقطَ، ولا يحسُّ بها حيوان إلَّا هرب، فإن قَرُبَ منها خَدِرَ ولم يتحرَّك، وتقتل بصفيرها، ومن وقع عليه نظرُها مات، ومن نَهَشَتْهُ ذاب في الحال، ومات كلُّ من قرب من ذلك الميت من الحيوان، فإن مسَّها بعصًا هلك بواسطة العصا. وقيل إنَّ رجلًا طعنها برمح، فمات هو ودابَّته في ساعةٍ واحدةٍ، قال وهذا الجنس كثيرٌ ببلاد التُّرك.
( {آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا} فِي مِلْكِهِ وَطَاعَتِهِ) أشار بهذا إلى ما في قوله تعالى {مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا} [هود 56] ؛ وفسره بقوله في ملكه وطاعته. قال أبو عبيدة في قوله تعالى {آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا} [هود 56] ؛ أي في قبضته وملكه وسلطانه، وخصَّ النَّاصية بالذِّكر على عادة العرب في ذلك تقول ناصية فلان في يد فلانٍ إذا كان في طاعته، ومن ثمة كانوا يجزُّون ناصية الأسير إذا أطلقوه، والآية في سورة هود. قال القاضي {مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا} أي إلَّا هو مالكٌ لها قادرٌ عليها يصرِّفها على ما يريد بها، والأخذ بالنَّواصي تمثيلٌ لذلك.
ج 14 ص 556
(يُقَالُ {صَافَّاتٍ} بُسُطٌ أَجْنِحَتَهُنَّ {يَقْبِضْنَ} يَضْرِبْنَ بِأَجْنِحَتِهِنَّ) أشار به إلى ما في قوله تعالى {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ} [الملك 19] ، وفسَّرها بقوله بسط أجنحتَهُنَّ؛ أي باسطاتٍ أجنحتهنَّ، وبقوله يضربن بأجنحتهنَّ، وروى ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نَجيح، عن مجاهد في قوله تعالى {صَافَّاتٍ} قال بسطٌ أجنحتَهُنَّ.
والآية في سورة الملك قال الله تعالى {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ} [الملك 19] باسطاتٍ أجنحتهنَّ في الجوَّ عند طيرانها، فإنهنَّ إذا بَسَطْنَها صَفَفْنَ قوادمها؛ أي مقاديم ريشها، وهي عشرةٌ في كلِّ جناح، الواحدة قادمة.
{وَيَقْبِضْنَ} أي ويضممنها إذا ضربن بها جنوبهنَّ وقتًا بعد وقتٍ للاستظهار به على التَّحرك، ولذلك عدل به إلى صيغة الفعل؛ للفرق بين الأصيل في الطَّيران والطَّارئ عليه، يعني أنَّ الغالبَ والأصلَ في الطَّيران هو البسطُ فكأنَّه هو الثَّابت، فعبَّر عنه بالاسم، والقبضُ متجدِّدٌ طارئٌ عليه فعبَّر عنه بالفعل.
{مَا يُمْسِكُهُنَّ} في الجوِّ على خلاف الطَّبع {إِلَّا الرَّحْمَنُ} الشَّامل رحمته كلَّ شيءٍ بأنْ خلقهنَّ على أشكال وخصائص هيَّأهن للجري في الهواء {إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ} يعلم كيف يخلق الغرائب ويدبِّر العجائب.