1233 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) بن يحيى أبو سعيد الجُعفي، مات بمصر سنة ثمان، ويقال سبع وثلاثين ومائتين، قاله الحافظ المنذري (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) هو عبد الله، وقد تكرَّر ذكره.
(قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرٌو) هو ابن الحارث (عَنْ بُكَيْرٍ) بضم الموحدة على صيغة التصغير، هو ابن عبد الله بن الأشج.
(عَنْ كُرَيْبٍ) بضم الكاف، مولى ابن عبَّاس رضي الله عنهما (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ) بفتح الميم وسكون الخاء وفتح الراء، الزُّهري الصَّحابي (وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَزْهَرَ) على وزن أفعل، القرشي الزُّهري الصَّحابي، عمِّ عبد الرَّحمن بن عوف، مات قبل الحرَّة، وشهد حنينًا مع النَّبي صلى الله عليه وسلم.
(رَضِيَ اللهُ عَنْهُم أَرْسَلُوهُ) بالهاء، وفي نسخة بدون الهاء؛ أي أرسلوا كُريبًا (إِلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، فَقَالُوا اقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلاَمَ مِنَّا جَمِيعًا، وَسَلْهَا) أصله اسألها.
(عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ) أي عن صلاتهما (بَعْدَ صَلاَةِ الْعَصْرِ، وَقُلْ لَهَا إنَّا أُخْبِرْنا) بضم الهمزة على صيغة المجهول (أنَّكِ) وفي رواية (تُصَلِّينَهُما) بنون قبل الهاء، وفي رواية بحذف النون، وفي رواية بحذفها مع الإفراد؛ أي الصَّلاة.
(وقَدْ بَلَغَنَا) فيه إشارة إلى أنَّهم لم يسمعوا ذلك منه صلى الله عليه وسلم،
ج 6 ص 141
فأمَّا ابن عبَّاس رضي الله عنهما فقد سمَّى الواسطة وهو عمر رضي الله عنه، كما تقدَّم في «المواقيت» من قوله (( شهد عندي رجال مرضيُّون وأرضاهم عندي عمر رضي الله عنه ) )الحديث [خ¦581] .
وأمَّا المسور وابن أزهر فقد قال الحافظ العسقلاني لم أقف عنهما على تسمية الواسطة، وكذا لم أقف على تسمية المخبِر في قوله السَّابق «إنا أُخبِرنا» ، وكأنَّه عبد الله بن الزُّبير رضي الله عنهما، فسيأتي في «الحجِّ» من روايته عن عائشة رضي الله عنها ما يشهد لذلك [خ¦1631] .
وروى ابن أبي شيبة من طريق عبد الله بن الحارث قال دخلت مع ابن عبَّاس رضي الله عنهما على معاوية رضي الله عنه فأجلسه معاوية على السَّرير ثمَّ قال ما ركعتان يصليهما النَّاس بعد العصر قال ذلك ما يفتي به النَّاسَ ابنُ الزُّبير، فأرسل على ابن الزُّبير فسأله فقال أخبرتني بذلك عائشة رضي الله عنها، فأرسل إلى عائشة رضي الله عنها فقالت أخبرتني أمُّ سلمة رضي الله عنها، فأرسل إلى أمِّ سلمة فانطلقتُ مع الرَّسول. فذكر القصَّة.
واسم الرَّسول كثير بن الصَّلت، سمَّاه الطَّحاوي بإسنادٍ صحيحٍ إلى أبي سلمة بن معاوية قال وهو على المنبر لكثير بن الصَّلت اذهب إلى عائشة رضي الله عنها فسلها، قال أبو سلمة فقمتُ معه.
وقال ابن عبَّاس رضي الله عنهما لعبد الله بن الحارث اذهب معه فجئناها فسألناها فقالت لا أدري سلوا أمَّ سلمة، قال فسألناها فقالت دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بعد العصر فصلَّى ركعتين، فقلت يا رسول الله ما كنت تصلِّي هاتين الرَّكعتين فقال (( قدم عليَّ وفدٌ من بني تميم، أو جاءتني صدقة فشغلوني عن ركعتين كنت أصلِّيهما بعد الظُّهر وهما هاتان ) ).
وكثير بن الصَّلت بن معدي كرب الكندي أبو عبد الله المدني، قيل إنَّه أدرك النَّبي صلى الله عليه وسلم، وذكره ابن حبَّان في (( ثقات التَّابعين ) )وكان كاتبًا لعبد الملك بن مروان وهو أخو زُبَيد بن الصَّلت.
(أَنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهَا) أي عن الصَّلاة، وفي رواية ؛ أي عن الفعل (وَقَالَ) أي وبالإسنادِ السَّابق قال (ابنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (وكُنْتُ أَضْرِبُ) من الضَّرب _ بالضاد المعجمة _، وهو الصَّحيح لأنه جاء في (( الموطَّأ ) )كان عمر رضي الله عنه يضرب النَّاس عليها، وروى السَّائب بن يزيد أنَّه رأى ابن عمر يضرب المنكدرَ على الصَّلاة بعد العصر، وروي من الصَّرف، بالصاد المهملة والفاء.
(النَّاسَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْهَا) أي عن الصَّلاة؛ أي لأجلها،
ج 6 ص 142
وفي رواية بالتثنية؛ أي عن الرَّكعتين، ويروى أي عن الفعل، وفي نسخة .
(فَقَالَ) وفي رواية (كُرَيْبٌ) بالإسناد السَّابق (فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، فَبَلَّغْتُهَا مَا أَرْسَلُونِي فَقَالَتْ سَلْ) أصله اسأل (أُمَّ سَلَمَةَ) رضي الله عنها (فَخَرَجْتُ) بضم التاء (إِلَيْهِمْ، فَأَخْبَرْتُهُمْ بِقَوْلِهَا، فَرَدُّونِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ) رضي الله عنها (بِمِثْلِ مَا أَرْسَلُونِي بِهِ إِلَى عَائِشَةَ) رضي الله عنها.
(فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ) رضي الله عنها (سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْهَا) أي عن الصَّلاة بعد العصر (ثُمَّ رَأَيْتُهُ يُصَلِّيهِمَا) أي الرَّكعتين (حِينَ صَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ) فصلاهما حينئذٍ بعد الدُّخول.
(وَعِنْدِي نِسْوَةٌ مِنْ بَنِي حَرَامٍ) بحاء وراء مهملتين مفتوحتين (مِنَ الأَنْصَارِ) لا من غيرهم، فإنَّ العرب عدَّة بطون يقال لهم بنو حرام بطن في تميم، وبطن في جذام، وبطن في بكر بن وائل، وبطن في خزاعة، وبطن في عذرة.
(فَأَرْسَلْتُ) بضم التاء (إِلَيْهِ) صلى الله عليه وسلم (الْجَارِيَةَ) وفي رواية البخاري في المغازي (( فأرسلت إليه الخادم ) ) [خ¦4370] ولم يُعلَم اسمها، وقيل يحتمل أن تكون بنتها زينب، ويؤيِّده قوله في رواية (( يا بنت ابنة أبي أميَّة ) )كما سيجيء.
(فَقُلْتُ قُومِي بِجَنْبِهِ، فَقُولِي) وفي رواية بدون الفاء (لَهُ) صلى الله عليه وسلم (تَقُولُ لَكَ أُمُّ سَلَمَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَمِعْتُكَ تَنْهَى عَنْ هَاتَيْنِ) وفي رواية أي اللَّتين بعد العصر.
(وَأَرَاكَ تُصَلِّيهِمَا؟ فَإِنْ أَشَارَ بِيَدِهِ فَاسْتَأْخِرِي عَنْهُ. فَفَعَلَتِ الْجَارِيَةُ) ما أمرت به من القيام والقول (فَأَشَارَ) صلى الله عليه وسلم (بِيَدِهِ، فَاسْتَأْخَرَتْ عَنْهُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ) أي فرغ من الصَّلاة (قَالَ يَا بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ) هو والد أمِّ سلمة رضي الله عنها، واسمه سهل أو حذيفة بن المغيرة المخزومي، وفي رواية فيكون خطابًا للجارية المرسلة على تقدير كونها بنتها زينب، فتأمَّل.
(سَأَلْتِ) بكسر التاء على خطاب المؤنث (عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ) اللَّتين (بَعْدَ الْعَصْرِ، وَإِنَّهُ أَتَانِي نَاسٌ) وفي رواية بالهمزة (مِنْ عَبْدِ القَيْسِ) وزاد المؤلِّف في «المغازي» (( بالإسلام من قومهم ) ) [خ¦4370] (وَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ) اللَّتين (بَعْدَ الظُّهْرِ فَهُمَا هَاتَانِ) أي الرَّكعتان اللَّتان سألتهما يا بنت أبي أميَّة هاتان الرَّكعتان اللَّتان
ج 6 ص 143
كنت أصلِّيهما بعد الظُّهر فشغلت عنهما.
وفي رواية للطَّحاوي أنَّ معاوية رضي الله عنه أرسل إلى عائشة رضي الله عنها يسألها عن السَّجدتين بعد العصر فقالت ليس عندي صلَّاهما، ولكن أم سلمة رضي الله عنها حدَّثتني أنه صلاهما عندها، فأرسل إلى أمِّ سلمة رضي الله عنها فقالت صلاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم عندي لم أره صلاهما قبل ولا بعد، فقلت يا رسول الله ما سجدتان رأيتك صلَّيتهما بعد العصر ما صلَّيتهما قبل ولا بعد فقال (( هما سجدتان كنت أصلِّيهما بعد الظُّهر فقدم عليَّ قلائص [1] من الصَّدقة فنسيتهما حتَّى صلَّيت العصر، ثمَّ ذكرتهما فكرهت أن أصلِّيهما في المسجد والنَّاس يرونني فصلَّيتهما عندك ) ).
وقد مرَّ في رواية للطَّحاوي (( قدم عليَّ وفد من بني تميم، أو جاءتني صدقة ) ).
وقال الحافظ العسقلاني قوله «من بني تميم» ، وهمٌ، وإنَّما هو من عبد القيس، وعند الطَّحاوي من رواية الأسود ومسروق عن عائشة رضي الله عنها قالت ما كان اليوم الذي يكون عندي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلَّا صلى ركعتين بعد العصر.
ومن طريق عروة عنها ما ترك ركعتين بعد العصر عندي قط.
وعند مسلم عن أبي سلمة أنَّه سأل عائشة رضي الله عنها فقالت كان يصلِّيهما قبل العصر، فشغل عنهما أو نسيهما فصلَّاهما بعد العصر، ثمَّ أثبتهما، وكان إذا صلَّى صلاة أثبتها؛ أي داوم عليها.
واحتجَّ بذلك قوم وقال لا بأس أن يصلِّي الرَّجل بعد العصر ركعتين. والجمهور على أنَّه من خصائصه صلى الله عليه وسلم، ودليلهم في ذلك ما جاء في رواية أخرى عن أمِّ سلمة رضي الله عنها قالت قلت يا رسول الله أفنقضيهما إذا فاتتا قال (( لا ) )، وبهذا سقط ما قاله بعض الشَّافعية أنَّ الأصل هو الاقتداء به صلى الله عليه وسلم، وعدم التَّخصيص حتَّى يقوم دليل التَّخصيص، وهل دليل هو أعظم وأقوى من هذا…
ويلزمهم أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يداوم عليها وهم لا يقولون به في الصَّحيح الأشهر، فإن عورضوا بذلك يقولون هذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم فهم في ذلك كما يقال فلان مثل الظَّليم يستجمل عند الاستطارة، يستطير عند الاستجمال.
ويقال أيضًا إنَّه صلى الله عليه وسلم صلَّى بعد العصر تبيينًا لأمَّته أن نهيه صلى الله عليه وسلم عن الصَّلاة بعد العصر على وجه الكراهة لا على التَّحريم.
ويقال إنَّه صلاهما يومًا قضاء لفائت ركعتي الظُّهر، وكان صلى الله عليه وسلم إذا فعل فعلًا واظب عليه ولم يقطعه فيما بعد.
ثمَّ إنَّ الرِّوايات عن عائشة رضي الله عنها في ذلك مضطربة كما لا يخفى على من لاحظها فليتأمَّل.
ثمَّ من فوائد حديث الباب جواز استماع المصلِّي إلى كلام غيره وفهمه له، ولا يضرُّ ذلك صلاته.
ومنها أنَّ إشارة المصلِّي بيده ونحوها من الأفعال الخفيَّة
ج 6 ص 144
لا يبطل الصَّلاة.
ومنها أنَّه يستحبُّ للعالم إذا طُلِب منه تحقيق أمر ويعلم أنَّ غيره أعلم بذلك الأمر أن يرسل إليه إذا أمكنه.
ومنها الاعتراف لأهل الفضل بمرتبتهم.
ومنها أنَّ من أدب الرَّسول أن لا يستقل بتصرف شيء لم يُؤذَن له فيه، فإن كُريبًا لم يستقل بالذَّهاب إلى أمِّ سلمة رضي الله عنها حتَّى رجع إليهم.
ومنها قبول خبر الواحد والمرأة مع القدرة على اليقين بالسَّماع.
ومنها أنَّه لا بأس للإنسان أن يذكر نفسه بالكنية إذا لم يُعْرَف إلَّا بها.
ومنها أنَّه ينبغي للتَّابع إذا رأى من متبوعه شيئًا يخالف المعروف من طريقته، والمعتاد من حاله أن يسأله بلطف عنه، فإن كان ناسيًا يرجع عنه، وإن كان عامدًا وله معنى مخصَّص عرَّفه للتابع.
ومنها إثبات سنَّة الظهر بعدها.
ومنها أنَّه إذا تعارضت المصالح والمهمات بُدئ بأهمها، ولهذا بدأ النَّبي صلى الله عليه وسلم بحديث القوم في الإسلام، وترك سنَّة الظُّهر حتَّى فات وقتها؛ لأنَّ الاشتغال بإرشادهم وهدايتهم إلى الإسلام أهم.
ومنها أنَّ الأدب إذا سأل المصلِّي عن شيء أن يقوم إلى جنبه لا خلفه ولا أمامه؛ لئلا يشوش عليه بأن لا يمكنه الإشارة إليه إلَّا بمشقة، ولئلا يلزم المرور بين يديه.
ومنها الدَّلالة على فطنة أمِّ سلمة رضي الله عنها، وحسن تأتِّيها بملاطفة سؤالها واهتمامها بأمر الدِّين.
ومنها إكرام الضَّيف حيث لم تأمر أم سلمة رضي الله عنها امرأة من النسوة اللاتي كنَّ عندها ولم تذهب بنفسها بأن تتركهن.
ومنها جواز زيارة النِّساء المرأة، ولو كان زوجها عندها.
ومنها جواز التنفُّل في البيت.
ومنها كراهة القرب من المصلِّي لغير ضرورة.
ومنها المبادرة إلى معرفة الحُكْم المُشْكِل فرارًا من الوسوسة.
ومنها جواز النِّسيان على النَّبي صلى الله عليه وسلم.
ورجال إسناد الحديث ما بين كوفي ومصري ومدني. وقد أخرج متنه المؤلِّف في «المغازي» أيضًا [خ¦4370] ، وأخرجه مسلم في «الصَّلاة» ، وكذا أبو داود.
[1] في هامش الأصل والقلائص جمع قلوص، وهي من النوق الشابة، فهي بمنزلة الجارية من النساء. منه.