15 - (باب) حكم (الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ الْمَخْتُومِ) بالخاء المعجمة والمثنّاة الفوقيّة، كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية الكُشميهني بالحاء المهملة والكاف، وليست هذه اللَّفظة بموجودةٍ عند ابن بطَّالٍ. ومعناه هل يصحُّ الشَّهادة على خطٍّ بأنَّه خطُّ فلانٍ، وقيَّد بالمختوم؛ لأنَّه أقربُ إلى عدم التَّزوير على الخطِّ.
(وَمَا يَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ) أي من الشَّهادة على الخطِّ (وَمَا يَضِيقُ عَلَيْهِم) أي ما يجوز لهم الشَّهادة به، وفي رواية أبي ذرٍّ أي الشَّاهد، وحاصل المعنى أنَّ القول بجواز الشَّهادة على الخطِّ ليس على العموم نفيًا وإثباتًا؛ لأنَّه لو منع مطلقًا تضييع الحقوق، ولا يعمل به مطلقًا؛ لأنَّه لا يؤمن فيه التَّزوير، فحينئذٍ يجوز ذلك بشروطٍ.
(وَكِتَابِ الْحَاكِمِ) عطفٌ على قوله (( الشَّهادة على الخطِّ ) )أي وحكم كتاب الحاكم (إِلَى عُمَّالهِ) بضمّ العين وتشديد الميم، وفي الفرع كأصله بلفظ الإفراد (وَالْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي) أي وحكم كتاب القاضي إلى القاضي، وهذه التَّرجمة مشتملة على ثلاثة أحكامٍ، يجيء بيان كلٍّ منها مع بيان الخلاف فيها (وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ) أراد به أبا حنيفة رحمه الله، وأصحابه رحمهم الله (كِتَابُ الْحَاكِمِ جَائِزٌ إِلاَّ فِي الْحُدُودِ. ثُمَّ قَالَ) أي ناقض حيث قال (إِنْ كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً فَهْوَ) أي كتاب الحاكم (جَائِزٌ؛ لأَنَّ هَذَا) أي قتل الخطأ في نفس الأمر (مَالٌ بِزَعْمِهِ) بضمّ الزّاي وفتحها، وإنَّما كان عنده مالًا لعدم القصاص فيه، فيلحق بسائر الأموالِ في هذا الحكم.
ثمَّ ذكر المؤلِّف وجه المناقضة فقال (وَإِنَّمَا صَارَ) قتل الخطأ (مَالًا بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ) وفي رواية أبي ذرٍّ (الْقَتْلُ) عند الحاكم (فَالْخَطَأُ وَالْعَمْدُ) في أوَّل الأمر حكمهما (وَاحِدٌ) لا تفاوت في كونه حدًا، وليس غرضه من ذكر هذا ونحوه ممَّا مضى إلَّا التَّشنيع على الحنفيَّة؛ لأمرٍ جرى بينه وبينهم.
وحاصل وجه المناقضة أنَّه إنَّما يصير مالًا بعد ثبوتهِ عند الحاكم، والخطأ والعمد في أوَّل الأمر حكمهما واحدٌ لا تفاوت في كونهما حدًّا، والجواب عن هذا أن يقال لا نسلّم أنَّ الخطأ والعمد واحدٌ وكيف يكون واحدًا ومقتضى العمد القصاص، ومقتضى الخطأ عدم القصاص ووجوب المال؛ لئلَّا يكون دم المقتول خطأً هدرًا
ج 29 ص 548
سواء كان هذا قبل الثُّبوت أو بعده.
(وَقَدْ كَتَبَ عُمَرُ) أي ابن الخطَّاب رضي الله عنه (إِلَى عَامِلِهِ فِي الحُدُوْدِ) بالحاء والدّالين المهملات، والعامل المذكور هو يعلى بن أميَّة عامله على اليمن، كتب إليه في قصَّة رجلٍ زنى بامرأةِ مضيفه إن كان عالمًا بالتَّحريم فحُدّه، وفي رواية الأصيليِّ وأبي ذرٍّ عن المستملي والكُشميهني بالجيم بعدها ألف فراء فواو ودال مهملة، وهو الجارود بن المعلَّى بن العلاء، يكنى أبا غياثٍ، كان سيِّدًا في عبد القيس رئيسًا. قال ابن إسحاقَ قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنة عشرٍ في وفد عبد القيس، وكان نصرانيًّا فأسلم وحسُنَ إسلامه.
ويقال إنَّ اسمه بشر بن عمر، وإنَّما قيل له الجارود؛ لأنَّه أغار في الجاهليَّة على بكر بن وائلٍ فأصابهم وجرَّدهم، وسكن البصرة، وقيل بأرض فارسٍ، وقيل بأرض نهاوند، وقيل رجع إلى البحرين، وكان بها. وله قصَّةٌ مع قُدامة بنِ مَظْعون عامِل عمر رضي الله عنه على البحرين، أخرجها عبد الرَّزَّاق من طريق عبد الله بن عامر بن ربيعة، قال استعمل عمر رضي الله عنه قُدامة بن مظعونٍ رضي الله عنه، فقدم الجارودُ سيِّدُ عبد القيس، فقال إنَّ قدامةَ شرب فسكرَ، فكتب عمر إلى قُدامة في ذلك، فذكر القصَّة بطولها في قدوم قُدامة، وشهادة الجارود وأبي هريرة رضي الله عنهما عليه، وفي احتجاج قُدامة بآية المائدة، وفي ردِّ عمر عليه وجلده الحدَّ.
وغرض البخاريِّ من إيراد هذا الرَّدِّ على الحنفيَّة أيضًا في عدم رأيهم بجواز كتاب القاضي إلى القاضي في الحدود. والجواب عنه أنَّ كتاب عمر رضي الله عنه إلى عامله لم يكن في إقامة الحدِّ، وإنَّما كان لأجل كشف الحال، ألا ترى أنَّ عمر رضي الله عنه هو الَّذي أقام الحدَّ فيه بشهادة الجارود، وشهادة أبي هريرة رضي الله عنهما؟.
(وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) إلى عامله زُريق بن حكيمٍ (فِي) شأن (سِنٍّ كُسِرَتْ) بضمّ الكاف وكسر السّين، وكان كتب إليه كتابًا أجاز فيه شهادة رجلٍ على سنٍّ كُسرت، وهذا وصله أبو بكرِ بن الخّلال في كتاب «القصاص والدّيات» من طريق عبدِ الله بن المباركِ، عن حكيم بن زُريق، عن أبيه بلفظ (( كتب إليَّ عمر بن عبد العزيز كتابًا أجاز فيه شهادة رجلٍ على سنٍّ كُسرت ) ).
(وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) أي النَّخعيّ (كِتَابُ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي جَائِزٌ، إِذَا عَرَفَ) القاضي المكتوب إليه (الْكِتَابَ وَالْخَاتَمَ) أي الَّذي يختم به عليه؛ لئلَّا يلتبسا بغيرهما وصله ابنُ أبي شَيبة، عن عيسى بن يونسٍ،
ج 29 ص 549
عن عبيدة، عنه (وَكَانَ الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَراحيل التَّابعيّ الكبير (يُجِيزُ الْكِتَابَ الْمَخْتُومَ بِمَا فِيهِ مِنَ الْقَاضِي) وصله ابنُ أبي شَيبة من طريق عيسى بن أبي عزَّة، قال كان عامر _ يعني الشَّعبيّ _ يجيز الكتاب المختوم يجيئه من القاضي.
(وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما (نَحْوُهُ) أي نحو ما روي عن الشَّعبيّ. قال الحافظ العسقلانيُّ لم يقع لي هذا الأثر عن ابن عمر إلى الآن، ولذلك ذكره بصيغة التَّمريض (وَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ الثَّقَفِيّ) المعروف بالضَّالِّ _ بضاد معجمة ولام مشددة _، سمِّي بذلك لأنَّه ضلَّ في طريق مكَّة، وثَّقه أحمد وأبو داود والنَّسائي، ومات سنة ثمانين ومئةٍ، ووصل أثره وكيع في «مصنّفه» عنه.
(شَهِدْتُ) أي حضرت (عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ يَعْلَى) بوزن يَرضى التَّابعي الثِّقة (قَاضِيَ الْبَصْرَةِ) ولَّاه يزيد بن هبيرة قضاء البصرة؛ لمَّا ولي إمارتها من قبل يزيد بن عبد الملك بن مروانَ، كما ذكره عمر بن شبَّة في «أخبار البصرة» وقال إنَّه مات وهو على القضاء، وأرَّخه ابن حبَّان في «الثّقات» سنة مئةٍ فوهم. وذكر ابن سعدٍ أنَّه كان قاضيًا قبل الحسن، ومات في خلافة عمر بن عبد العزيز، والصَّواب بعد الحسن. وقول عمر بن شبَّة هو المعتمدُ، وأنَّ ابن هبيرة هو الَّذي ولَّاه، ومات على القضاء بعد المئة بسنتين، أو ثلاثٍ. ويقال بل عاش إلى خلافة هشام بن عبد الملك، فعزلَه خالد بن عبد الله القَسريُّ، وولّى ثمامةَ بن عبد الله بن أنسٍ.
(وَ) شهدتُ (إِيَاسَ بْنَ مُعَاوِيَةَ) بكسر الهمزة وتخفيف التّحتيّة وبالسّين المهملة، المعروف بالذَّكاء، وكان قد ولي قضاء البصرة في خلافة عمر بن عبد العزيز، ولَّاه عَدِيُّ بن أرطاة، عاملها من قبل عمرَ بن عبد العزيز بعد امتناع منه، مات سنة ثنتين وعشرين ومئةٍ، وهو ثقةٌ عند الجميع.
(وَالْحَسَنَ) أي البصريَّ الإمام المشهور، وكان ولي قضاء البصرة مدَّةً لطيفةً، ولَّاه عَدِيُّ بن أرطاة عاملها، وأبوه يسار رأى مائة وعشرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، مات في شهر رجب سنة عشرٍ ومائةٍ، وهو ابنُ تسعٍ وثمانين سنةً.
(وَثُمَامَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ) أي ابن مالكٍ رضي الله عنه، وكان تابعيًّا ثقة، ولِّي قضاء البصرة في أوائل خلافة هشام بن عبد الملك، ولَّاه خالد القَسريُّ سنة ستٍّ ومائة وعزله سنة عشرٍ، وقيل سنة تسعٍ، وولَّى بلالَ بنَ أبي بُردة، ومات ثُمامة بعد ذلك (وَبِلاَلَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ) بضم الموحدة
ج 29 ص 550
عامر أو الحارث بن أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه، وكان صديق خالد بن عبد الله القَسريِّ، فولَّاه قضاء البصرة؛ لمَّا وَلِيَ إمرتها من قبل هشام بن عبد الملك، وضمَّ إليه الشُّرَطة، وكان أميرًا وقاضيًا إلى أن قتله يوسف بن عمر الثَّقفيّ؛ لمَّا ولي الإمرة بعد خالدٍ، ولم يكن محمودًا في أحكامه وعذَّب خالدًا وعمَّاله ومنهم بلال، وذلك في سنة عشرين ومئةٍ. ويقال إنَّه مات في حبس يوسف، ويقال إنَّه كان يقول إنَّ الرَّجلين ليختصمان إليَّ، فأجد أحدهما أخفَّ على قلبي فأقضي له، ذكر ذلك أبو العبَّاس المبرّد في «الكامل» .
(وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُرَيْدَةَ) بضمّ الموحّدة (الأَسْلَمِيَّ) التَّابعيَّ المشهور، وكان ولي قضاء مروٍ بعد أخيه سليمان سنة خمسةٍ ومئة إلى أن مات، وهو على قضائها سنة خمسَ عَشْرةَ ومائة، وذلك في ولاية أسد بن عبد الله القَسريِّ على خراسان، وهو أخو خالد القسريِّ، وحديث عبد الله بن بُريدة بن الخصيب هذا في الكتب السِّتَّة.
(وَعَامِرَ بْنَ عَبَدَة) بفتح الموحّدة، وقيل بسكونها، ذكره ابن ماكولا بالوجهين، وقيل فيه أيضًا عُبَيدة _ بضمّ العين وفتح الموحّدة _، وقيل بفتح العين وكسر الموحّدة، وزيادة ياءٍ، وعامر هو أبو إياسٍ البجليُّ الكوفيُّ، وثَّقه ابن معينٍ وغيره، وهو من قدماء التَّابعين، له روايةٌ عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه، وروى عنه المسيّب بن رافعٍ وأبو إسحاقَ، وحديثه عند النَّسائيّ، وكان ولي القضاء بالكوفة مرَّة وعُمِّرَ.
(وَعَبَّادَ بْنَ مَنْصُورٍ) بفتح العين المهملة وتشديد الموحّدة ابن منصور النَّاجيّ _ بالنّون والجيم _ أبو سلمة البصريَّ. قال أبو داود ولي القضاء بالبصرة خمس مرَّاتٍ، وكان يُرمى بالقَدَر فلذلك ضعَّفوه، وحديثه في «السُّنن الأربعة» ، وعلَّق له البخاريُّ شيئًا. مات سنة اثنتين وخمسين ومئةٍ (يُجِيزُونَ) أي شهدت الثَّمانية المذكورين حال كونهم يجيزون (كُتُبَ الْقُضَاةِ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنَ الشُّهُودِ) بضمّ الشّين، وفي رواية أبي ذرٍّ بزيادة ميم وسكون الشّين.
(فَإِنْ قَالَ الَّذِي جِيءَ عَلَيْهِ بِالْكِتَابِ) بكسر الجيم وسكون التّحتيّة بعدها همزة (إِنَّهُ) أي الكتاب (زُورٌ. قِيلَ لَهُ اذْهَبْ فَالْتَمِسِ الْمَخْرَجَ مِنْ ذَلِكَ) بفتح الميم والرّاء بينهما معجمة ساكنة؛ أي اطلب الخروج من عُهدة ذلك، إمَّا بالقدح في البيِّنة بما يقبل فتبطل الشَّهادة، وإمَّا بما يدلُّ على البراءة من المشهوديَّة.
وقالت المالكيَّة إذا جاء كتاب من قاضٍ آخر مع شاهدين، فإنَّه يعتمد على ما يشهد به الشَّاهدان،
ج 29 ص 551
ولو خالفا ما في الكتاب، وقيل ذلك إذا طابقت شهادتهما الدَّعوى، ولو شهدوا بما فيه وهو مفتوحٌ جاز، ونُدب ختمه ولم يفد وحده، فلا بدَّ من شهود بأنَّ هذا الكتاب كتاب فلانٍ القاضي. وزاد أشهب ويشهدون أنَّه أشهدهم بما فيه، انتهى.
واحتجَّ من لم يشترط الإشهاد بأنَّه صلى الله عليه وسلم كتب إلى الملوك، ولم ينقل أنَّه أشهد أحدًا على كتابه. وأجيب بأنَّه لما حصل في النَّاس الفساد احتيط للدِّماء والأموال.
قال المؤلِّف رحمه الله (وَأَوَّلُ مَنْ سَأَلَ عَلَى كِتَابِ الْقَاضِي الْبَيِّنَةَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى) محمّد بن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى، واسم أبي ليلى يسار، قاضي الكوفة، وأوَّل ما وليها في زمن يوسف بن عمر الثَّقفيّ، في خلافة الوليد بن يزيدٍ وهو صدوقٌ، لكنَّه اتَّفق على ضعف حديثهِ لسوء حفظه، وحديثه في «السّنن الأربعة» . وقال أحمد فقهُ ابن أبي ليلى أحبُّ إلينا من حديثه. ومات سنة أربعين ومائةٍ.
(وَسَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بفتح السّين المهملة وتشديد الواو، ابن عبد الله العنبريُّ، نسبةً إلى بني العنبر من بني تميمٍ. قال ابن حبَّان في «الثّقات» كان فقيهًا، ولَّاه المنصور قضاء البصرة، سنة ثمان وثلاثين ومائة، فبقي على قضائها إلى أن مات في ذي القّعدة سنة ستٍّ وخمسين ومائةٍ، وحفيده سوَّار بن عبد الله بن سوَّار بن عبد الله، ولي قضاء الرَّصافة ببغداد، وحديثه في «السّنن الثّلاثة» ، ومات سنة خمس وأربعين ومائتين.
قال المؤلِّف رحمه الله (وَقَالَ لَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين مذاكرةً، هو أحد مشايخ البخاريِّ (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ) بضمّ العين (ابْنُ مُحْرِزٍ) بضمّ الميم وسكون المهملة وكسر الرّاء وآخره زاي، هو كوفيٌّ، وما له في البخاريِّ سوى هذا الأثر.
قال (جِئْتُ بِكِتَابٍ مِنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ قَاضِي الْبَصْرَةِ) هو التَّابعيّ المشهور ثقة، حديثه في الكتب السِّتة، وكان ولي القضاء بالبصرة في ولاية الحكم بن أيُّوب الثَّقفيّ. وقال ابن حبَّان في «الثّقات» مات بعد أخيه النَّضر بالبصرة، وكانت وفاة النَّضر قبل وفاة الحسن البصريِّ، سنة ثمانٍ أو تسعٍ ومئة.
(وَأَقَمْتُ) أي وكنت أقمت (عِنْدَهُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ لِي عِنْدَ فُلاَنٍ كَذَا وَكَذَا، وَهْوَ) أي فلان (بِالْكُوفَةِ، وَجِئْتُ بِهِ) بالواو، وفي رواية الأصيليِّ وأبي ذرٍّ أي بالكتاب (الْقَاسِمَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أي ابن عبد الله بن مسعودٍ المسعوديّ؛ يكنى أبا عبد الرَّحمن. قال العجليُّ ثقةٌ، وكان على قضاء البصرة زمن عمر بن عبد العزيز، وكان لا يأخذ على القضاء أجرًا، وكان صالحًا من التَّابعين، لقي جابر بن سَمُرة، قيل إنَّه مات سنة ست عشرة ومائةٍ.
(فَأَجَازَهُ) بجيم وزاي؛ أي أمضاه وعمل به. وفي «مغني الحنابلة» يشترط في قول أئمَّة الفتوى إن شهدَ بكتاب القاضي
ج 29 ص 552
إلى القاضي شاهدان عدلانِ، ولا يكفي معرفته خطَّ القاضي وختمه.
وحكي عن الحسن وسوَّار والحسن العنبريُّ، أنَّهم قالوا إذا كان يعرف خطَّه وختمه قبله، وهو قول أبي ثورٍ أيضًا، وهو خلاف ما نقله البخاريُّ عن سوَّار أنَّه أوَّل من سأل البيِّنة، وينضمُّ إلى من ذكرهم ابن قُدامة سائر مَن ذكرهم البخاريُّ من قضاة الأمصار من التَّابعين، فمن بعدهم.
وفي «التّوضيح» واختلفوا إذا شهد القاضي شاهدين على كتابه، ولم يقرأه عليهما، ولا عرفهما بما فيه. فقال مالكٌ يجوز ذلك، ويلزم القاضي المكتوب إليه قبوله بقول الشَّاهدين هذا كتابه دفعه إلينا مختومًا، وقال أبو حنيفة والشَّافعيّ وأبو ثورٍ إذا لم يقرأه عليهما القاضي، ولم يحرِّره لم يعمل القاضي المكتوب إليه بما فيه، وروي عن مالكٍ مثله. واختلفوا إذا انكسر ختم الكتاب، فقال أبو حنيفة وزفرٍ لا يقبله الحاكم. وقال أبو يوسف يقبله ويحكم به إذا شهدت به البيِّنة، وبه قال الشَّافعيُّ.
(وَكَرِهَ الْحَسَنُ) البصريُّ (وَأَبُو قِلاَبَةَ) بكسر القاف وتخفيف اللام، هو عبدُ الله بن زيد الجَرْميُّ _ بفتح الجيم وسكون الرّاء _ (أَنْ يَشْهَدَ) بفتح الياء وفاعله محذوف، تقديره أن يشهد أحدٌ (عَلَى وَصِيَّةٍ حَتَّى يَعْلَمَ مَا فِيهَا؛ لأَنَّهُ لاَ يَدْرِي لَعَلَّ فِيهَا جَوْرًا) بفتح الجيم، وهو في الأصل الظُّلم، والمراد به هنا غير الحقِّ. وقال الدَّاوديُّ من المالكيَّة وهذا هو الصَّواب الَّذي لا شكَّ فيه أنَّه لا يشهد على وصيَّةٍ حتَّى يعلم ما فيها.
وتعقَّبه ابن التِّين فقال لا أدري لم صوَّبه، وهي وإن كان فيها جورٌ لم يمنع التَّحمّل؛ لأنَّ الحاكم قادرٌ على ردِّه إذا أوجب حكم الشَّرع ردّه، وما عداه يعمل به، فليس خشية الجور فيها مانعًا من التَّحمُّل، وإنَّما المانع الجهل بما يشهد به.
قال ووجه الجواز أنَّ كثيرًا من النَّاس يرغبُ في إخفاء أمره؛ لاحتمال أن لا يموت فيحتاط بالإشهاد، ويكون حاله مستمرًّا على الإخفاء، ومذهبُ مالك جواز الشَّهادة على الوصيَّة، وإن لم يعلم الشَّاهد ما فيها، وكذا الكتاب المطويُّ. ويقول الشَّاهدان للحاكم نشهد على إقراره بما في هذا الكتاب؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم كتب إلى عمَّاله من غير أن يقرأها على من حملها، وهي مشتملةٌ على الأحكام والسُّنن. وأثر الحسن وصله الدَّارميّ بلفظ لا تشهد على وصيَّةٍ حتَّى تقرأ عليك، ولا تشهد على من لا تعرف.
وأثر أبي قلابة وصله ابن أبي شيبة، ويعقوب بن سفيان بلفظ قال أبو قلابة في الرَّجل يقول اشهدوا على ما في هذه الصَّحيفة، قال لا، حتَّى نعلمَ ما فيها، زاد يعقوب وقال لعلَّ فيها جَورًا، وفي هذه الزِّيادة بيان السَّبب في المنع المذكور.
(وَقَدْ كَتَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَهْلِ خَيْبَرَ) في قصَّة حويّصة ومحيّصة (إِمَّا) بكسر الهمزة وتشديد الميم (أَنْ تَدُوا) أي إمَّا أن تعطوا
ج 29 ص 553
الدِّية (صَاحِبَكُمْ) هو عبد الله بن سهلٍ، وأضافه إليهم؛ لكونه وجد قتيلًا بين اليهود بخيبر، والإضافة تكون بأدنى ملابسةٍ. وهذا وإن كان (( تَدُوا ) )بتاء الخطاب، وإن كان بالتّحتيّة فظاهرٌ، وأصل تَدُوا تَدِيُوا؛ لأنَّه من ودى يدي.
(وَإِمَّا أَنْ تُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ) أي تعلموا به، وهذا طرفٌ من حديثٍ سبق في (( باب القَسامة ) )من (( الدِّيَّات ) ) [خ¦6898] (وَقَالَ الزُّهْرِيُّ) ابن شهابٍ، وقد وصله أبو بكر بن أبي شَيبة من طريق جعفر بن برقاق عنه (فِي شَهَادَةٍ) وفي رواية أبي ذرٍّ (عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ) بكسر السّين إمَّا بالتَّنقب، وإمَّا بغير ذلك (إِنْ عَرَفْتَهَا فَاشْهَدْ) لها وعليها (وَإِلاَّ) أي وإن لم تعرفها (فَلاَ تَشْهَدْ) وحاصله أنَّه إذا عرَّفها بأيّ طريقٍ كان يجوز الشَّهادة عليها، ولا يشترطُ أن يراها حال الإشهاد.
وقال الشَّافعيَّة لا تصحُّ شهادةٌ على منتقّبة اعتمادًا على صوتها فإنَّ الأصوات تتشابه، فإن عرفها بعينها، أو باسمٍ ونسبٍ، وأمسكها حتَّى شهد عليها، جاز التَّحمُّل عنها منتقّبةً، وأدَّى بما علم من ذلك، فيشهد في العلم بعينها عند حضورها، وفي العلمِ بالاسم والنَّسب عند غيبتها، لا بتعريف عدلٍ أو عدلين أنَّها فلانة بنت فلانٍ؛ أي فلا يجوز التَّحمُّل عليها بذلك، وهذا ما عليه الأكثر والعمل بخلافه، وهو التَّحمُّل عليها بذلك. وقال المالكيَّة لا يشهد على منتقّبةٍ حتَّى يَكشفَ وجهها، وإن أخبره عنها رجلٌ يثق به، أو امرأةٌ جاز له أن يشهد، وكذا النِّساء إذا شهدن عنده أنَّها فلانةٌ إذا وقع عنده العلم بشهادتهنَّ، وجوَّز مالك شهادة الأعمى في الإقرار، وفي كل ما طريقه الصَّوت سواء كان عند تحمُّلها أعمى، أو بصيرًا، ثمَّ عَمِيَ، وقال أبو حنيفة والشَّافعيّ لا تقبل إذا تحمَّلها أعمى، ودليل مالك أنَّ الصَّحابة والتَّابعين رووا عن أمَّهات المؤمنين من وراء حجابٍ، وميَّزوا أشخاصهنَّ بالصَّوت، وكذا أذان ابن أمِّ مكتوم، ولم يفرِّقوا بين ندائه ونداء بلال إلَّا بالصَّوت، ولأنَّ الإقدامَ على الفروج أعلى من الشَّهادة بالحقوق، والأعمى له وطئُ زوجته وهو لا يعرفها إلَّا بالصَّوت، وهذا لم يمنع منه أحدٌ.
وقالت الشَّافعيَّة لا تقبل شهادة أعمى بقول كعقدٍ وفسخٍ وإقرارٍ؛ لجواز اشتباه الأصوات، وقد يحكي الإنسان صوت غيره فيشبّه به، إلَّا أن يقرّ شخصٌ في أذنه بنحو طلاق، أو عتقٍ، أو مال لرجلٍ معروف الاسم والنَّسب، فيمسكه حتَّى يشهد عليه عند قاضٍ، أو يكون عمَّاه بعد تحمله والمشهود له، والمشهود عليه مفردٌ في الاسم
ج 29 ص 554
والنَّسب فيقبل؛ لحصول العلم بأنَّه المشهود عليه.