فهرس الكتاب

الصفحة 3343 من 11127

قال ابن بطَّال اختلف العلماء في هلاكِ المبيع قبلَ القبض فذهب أبو حنيفة والشافعيُّ إلى أنَّ ضمانَهُ إن تلف من البائع، وقال أحمد وإسحاق وأبو ثور من المشتري، وأمَّا مالك ففرق بين الثِّياب والحيوان فقال ما كان من الثِّياب والطَّعام فهلكَ قبل القبضِ فضمانه من البائع، وقال ابنُ القاسم لأنَّه لا يُعْرَفُ هلاكُه ولا بيِّنةَ عليه، وأمَّا الدَّواب والحيوان والعقار فضمانه من المشتري، وقال ابنُ حبيب

ج 10 ص 213

اختلف العلماء فيمن باع عبدًا واحتبسه بالثَّمن وهلك في يده قبل أن يأتيَ المشتري بالثمن، فكان سعيد بن المسيب وربيعة واللَّيث يقولون هو من البائع، وأخذه ابن وهب وكان مالك قد أخذ به أيضًا.

وقال سليمان بن يسار مصيبته من المشتري سواءٌ حبسه البائع بالثَّمن أم لا؟ ورجع مالكٌ إلى قول سليمان، وتابعه أحمد وإسحاق وأبو ثور، وقال بالأول الحنفية والشافعيَّة والأصل في ذلك اشتراط القبض في صحَّة البيع فمن اشترطه في كلِّ شيءٍ جعله من ضمان البائع، ومن لم يشترطه جعله من ضمان المشتري، والله أعلم.

وروى عبد الرَّزَّاق بإسنادٍ صحيحٍ في ذلك تفصيلًا قال (( إن قال البائعُ لا أعطيه حتَّى تنقدني الثمن فهلك فهو من ضمان البائع، وإلَّا فهو من ضمان المشتري ) )، وسئل الإمام أحمد عمَّن اشترى طعامًا فطلب من يحمله فرجعَ فوجدَه قد احترقَ فقال هو من ضمان المشتري، وأورد أثرَ ابن عمر رضي الله عنهما بلفظ (( فهو من مال المشتري ) ).

وفرَّع بعضُهم على ذلك أنَّ المبيع إذا كان معيَّنًا دخل في ضمان المشتري بمجَّرد العقد، ولو لم يُقْبَضْ بخلاف ما يكون في الذِّمَّة فإنَّه لا يكون من ضمان المشتري إلَّا بعد القبض كما لو اشترى قفيزًا من صبرةٍ، والله أعلم.

(وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا مَا أَدْرَكَتِ الصَّفْقَةُ حَيًّا) كلمة ما شرطيَّة فلذلك دخلت الفاء في جوابها، وإسناد الإدراك إلى الصَّفقة مجازًا؛ أي ما كان عند العقد موجودًا غير ميِّت مفقود وغير منفصل عن المبيع.

(مَجْمُوعًا) صفة لقوله حيًّا؛ أي لم يتغيَّر عن حالته (فَهُوَ مِنَ الْمُبْتَاعِ) أي من المشترى، وهذا التَّعليق وصلة الطَّحاويُّ والدارقطنيُّ من طريق الأوزاعيِّ، عن الزُّهري، عن حمزة بن عبد الله بن عمر، عن أبيه قال (( ما أدركت الصفقة حيًّا فهو من مال المبتاع ) )، وليس فيه لفظ مجموعًا.

وهذا رواه الطَّحاويُّ جوابًا عمَّا قالوا إنَّ ابن عمر رضي الله عنهما رُوِيَ عنه حديث البيِّعان بالخيار ما لم يتفرَّقا، وأنَّه كان يرى التفرُّق بالأبدان، والدَّليل عليه أنَّه كان إذا بايع رجلًا شيئًا فأراد أن لا يقيله قام يمشي هنيهةً، قالوا فهذا يدلُّ على أنَّه كان يرى التفرُّق بالأبدان، وأجاب عنه الطَّحاويُّ فقال وقد رُوِيَ عنه ما يدلُّ على أنَّ رأيه كان في الفرقة بالأقوال، وأنَّ المبيع ينتقلُ بتلك الأقوال من ملك البائع إلى ملك المشتري حتَّى يهلك من ماله إن هلك، وروى حديث حمزة بن عبد الله.

هذا وقال الحافظ العسقلانيُّ وما قاله ليس بلازمٍ وكيف يحتجُّ بأمرٍ محتملٍ في معارضة أمرٍ مصرَّحٍ به، فابن عمر رضي الله عنه قد تقدَّم عنه التَّصريح بأنَّه كان يرى الفرقة بالأبدان، والمنقول عنه هنا يحتمل أن يكون قبل التفرُّق بالأبدان، ويحتمل أن يكون بعده فحَمْلُه على ما بعدَه أولى جمعًا بين حديثيه، انتهى.

وقال العينيُّ هذا ما هو بأول من تصرَّف بهذا الاعتراض فإنَّ ابن حزم سبقه بهذا، ولكنَّ الجواب عن هذا هو أنَّ قوله هنا يعارض فعله ذاك صريحًا، والاحتمال الذي ذكره هذا القائل هنا يحتمل أن يكون هناك أيضًا فسقط العمل بالاحتمالات فبقي الفعل والقول والأخذ بالقول أولى؛ لأنَّه أقوى.

ج 10 ص 214

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت