2138 - (حَدَّثَنَا فَرْوَةُ) بفتح الفاء وسكون الراء (ابْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ) بفتح الميم وسكون الغين المعجمة وبالراء وبالمد، واسم أبي المغراء معدي كرب، وقد مرَّ في أواخر (( الجنائز ) ) [خ¦1390] ، قال (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) بضم الميم وسكون السين المهملة وكسر الهاء وبالراء، قاضي الموصل (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) أنَّها (قَالَتْ لَقَلَّ يَوْمٌ) اللام جواب قسم محذوف وقوله قلَّ فعل ماض، وفيه معنى النفي؛ أي ما كان يوم.
(كَانَ يَأْتِي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلاَّ يَأْتِي فِيهِ) رسول الله صلى الله عليه وسلم (بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) وقوله (( بيت أبي بكر ) )منصوب على المفعولية (أَحَدَ طَرَفَيِ النَّهَارِ) نصب على الظرفيَّة بتقدير في (فَلَمَّا أُذِنَ لَهُ فِي الْخُرُوجِ إِلَى الْمَدِينَةِ، لَمْ يَرُعْنَا) بفتح الياء وضم الراء وسكون العين المهملة، من الرَّوع وهو الفزع (إِلاَّ وَقَدْ أَتَانَا ظُهْرًا) يعني أتانا بغتةً وقت الظهر (فَخُبِّرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه وقوله خُبِّر، على صيغة المجهول، يعني أخبره مخبِّرٌ بأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم جاء.
(فَقَالَ مَا جَاءَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلاَّ لأَمْرٍ حَدَثَ) بفتح الدال (فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَخْرِجْ) بفتح الهمزة، أمرٌ من الإخراج (مَنْ عِنْدَكَ) بفتح الميم، مفعول أخرج، ويروى (( ما عندك ) )وكلمة ما عامٌّ يتناول العقلاء وغيرهم (قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا هُمَا ابْنَتَايَ، يَعْنِي عَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ) رضي الله عنهما (قَالَ أَشَعَرْتَ) أي أعلمتَ (أَنَّهُ قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ فَقَالَ) وفي نسخة (الصُّحْبَةَ) بالنصب؛ أي أريد وأطلب الصحبة معك عند الخروج، ويجوز الرفع؛ أي مرادي ومطلوبي الصُّحبة (يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ) صلى الله عليه وسلم (الصُّحْبَةَ) بالنصب؛ أي أنا أريد وأطلب الصُّحبة أيضًا، أو ألزم صحبتك ويجوز الرفع؛ أي مطلوبي أيضًا الصُّحبة.
(قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عِنْدِي نَاقَتَيْنِ أَعْدَدْتُهُمَا لِلْخُرُوجِ) قال ابن التِّين ووقع
ج 10 ص 215
في رواية للبخاري بدون الهمزة، قال وصوابه (( أعددتهما ) ).
(فَخُذْ إِحْدَاهُمَا، قَالَ قَدْ أَخَذْتُهَا بِالثَّمَنِ) قال المهلَّب وجه الاستدلال به أنَّ قوله (( قد أخذتها ) )لم يكن أخذًا باليد ولا بحيازة شخصها، وإنَّما كان التزامًا منه لابتياعها بالثَّمن وإخراجها من ملك أبي بكرٍ رضي الله عنه؛ لأنَّ قوله (( قد أخذتها ) )يوجب أخذًا صحيحًا وإخراجًا واجبًا للناقة من ملك أبي بكرٍ رضي الله عنه إلى ملك النَّبي صلى الله عليه وسلم بالثمن الذي يكون عوضًا عنها فهل يكون التصرُّف بالمبيع قبل القبض، أو الضَّياع إلَّا لصاحب الذمَّة الضَّامنة لها؟ انتهى.
وقال الحافظ العسقلانيُّ وليس ما قاله بواضحٍ؛ لأنَّ القصَّة ما سيقت لبيان ذلك فلذلك اختصر فيها قدر الثَّمن وصفة العقد فيُحْمَلُ كلُّ ذلك على أنَّ الراوي اختصره؛ لأنَّه ليس من غرضه في سياقه وكذلك اختصر صفة القبض فلا يكون فيه حجَّةٌ في عدم اشتراط القبض، انتهى.
وقال العينيُّ الذي قاله المهلَّب أوضح ما يكون؛ لأنَّ ترك سوق القصَّة لبيان ذلك لا يستلزم نفي صحَّة ما قاله المهلَّب، ولا اختصار قدر الثَّمن وصفة القبض والأمر فيه مبنيٌّ على غرض الراوي في اختصاره الحديث وتقطيعه، والعمل على متن الحديث وصحَّة الاستدلال بألفاظه، وقد صرَّح في الحديث بالأخذ الصَّحيح بالثمن، وهو يوجب الإخراج من ملك البائع إلى ملك المشتري.
وقد استدلَّ به أبو حنيفة وغيره على أنَّ الافتراق بالكلام لا بالأبدان دون ذلك؛ لأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( قد أخذتها بالثمن قبل أن يفترقا وتمَّ البيع بينهما ) ).
هذا، وقال العينيُّ ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إنَّ لها جزئين فدلالته على الجزء الأوَّل ظاهر؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم لَمَّا أخذ الناقة من أبي بكرٍ رضي الله عنه بقوله (( قد أخذتها بالثَّمن ) )الذي هو كنايةٌ عن البيع تركها عند أبي بكرٍ رضي الله عنه فهذا يطابق قوله فتركه عند البائع.
وأمَّا دَلالته على الجزء الثاني فبطريق الإعلام بأن حكم الموت قبل القبض حكم الوضع عند البائع قياسًا عليه، ولكنَّ البخاري لم يجزم بالحكم لِمَا فيه من الاختلاف، ولكنَّ تصدير الترجمة بأثر ابن عمر رضي الله عنهما
ج 10 ص 216
يدلُّ على أنَّ اختياره ما ذهب إليه ابن عمر رضي الله عنهما، وهو أنَّ الهلاك في الصورة المذكورة من مال المبتاع والله أعلم، ثمَّ الحديث من إفراد البخاري، وسيأتي في أول (( الهجرة ) ) [خ¦3905] مطوَّلًا إن شاء الله تعالى.
تتمة قال ابن المُنيِّر مطابقة الحديث للترجمة من جهة أنَّ البخاري أراد أن يحقق انتقال الضَّمان في الدابَّة ونحوها إلى المشتري بنفس العقد، واستدلَّ لذلك بقوله صلى الله عليه وسلم (( قد أخذتها بالثَّمن ) ).
وقد عُلِمَ أنَّه لم يقبضها بل أبقاها عند أبي بكرٍ رضي الله عنه، ومن المعلوم أنَّه ما كان يبقيها في ضمان أبي بكرٍ لِمَا تقتضيه مكارم أخلاقه حتَّى يكون الملك له والضَّمان على أبي بكر من غير قبض ثمنٍ، ولا سيَّما وفي القصة ما يدلُّ على إيثاره لمنفعة أبي بكر حيث أبى أن يأخذها إلَّا بالثمن، والله تعالى أعلم.