فهرس الكتاب

الصفحة 6775 من 11127

20 - (باب قَوْلِهِ) تعالى ( {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ} ) يعني محمَّدًا صلى الله عليه وسلم ( {مِنْ أَنْفُسِكُمْ} ) أي من جنسكم وعلى لغتكم، صفة لرسول كما قال إبراهيم عليه السَّلام {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ} [البقرة 129] . وقرأ ابن عبَّاس وأبو العالية وابن محيصن ومحبوب عن أبي عَمرو ويعقوب من بعض طُرقه، وهي قراءته صلى الله عليه وسلم وفاطمة وعائشة رضي الله عنهما بفتح الفاء؛ أي من أشرفكُم من النَّفاسة. وقال الزَّجاج هي خطابٌ لجميع العالم، والمعنى لقد جاءكُم رسولٌ من البشر، وإنَّما كان من الجنس؛ لأنَّ الجنسَ إلى الجنس أميل، ثمَّ رتَّب عليه صفات أخرى؛ لتعداد المنن على المرسل إليهم، فقال

( {عَزِيزٌ عَلَيْهِ} ) أي شديد شاقٌّ عليه ( {مَا عَنِتُّمْ} ) أي عنتكم؛ أي إثمكم وعصيانكم، فما مصدرية، وهي مبتدأ، و {عزيز} خبر مقدَّم، ويجوز أن يكون {ما عنتم} فاعلًا لـ {عزيز} ، و {عزيز} صفة لـ {رسول} ، ويجوز أن تكون «ما» موصولة؛ أي يعزُّ عليه الذي يشقُّ عليكم، والعائد محذوف، والتَّقدير الذي عنتُم بسببه، ولقد جاء في الحديث (( بعثت بالحنيفيَّة السَّمحة ) )وعنتُم من العنت، وهو المشقَّة.

وقال ابنُ الأنباري أصله التشديد. وقال الضَّحاك الإثم. وقال ابنُ أبي عروبة الضَّلال، وقيل الهلاك. وحاصل المعنى عزيزٌ عليه أن تدخلوا النَّار.

( {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} ) أن تدخلوا الجنَّة ( {بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} مِنَ الرَّأْفَةِ) وهي أشدُّ الرَّحمة، ثبت هذا في رواية أبي ذرٍّ، وهو كلام أبي عبيدة، قال في قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤوفٌ رَحِيمٌ} [البقرة 143] هو فعولٌ من الرَّأفة، وهي أشدُّ الرحمة.

وقال القفَّال إنَّ الرأفة مبالغة في الرَّحمة الخاصَّة، وهي دفعُ المكروه وإزالة الضَّرر؛ كقوله تعالى {وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} [النور 2] أي لا ترأفوا بهما فترفعوا الجلد عنهما، والرَّحمة أعمُّ منه، ومن الإفضال، ولما كان دفعُ الضَّرر أهم من جلب النَّفع قدَّم الرَّأفة على الرَّحمة، وفي نسخة وسقط قوله < {حَرِيصٌ} . .. إلى آخره> في رواية أبي ذرَّ، وقال بعد قوله {عَنِتُّمْ} . وجمعت هذه الآية ستَّ صفات لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الرِّسالة والنَّفاسة والعزَّة وحرصه على إيصال الخيرات إلى أمَّته في الدنيا والآخرة والرَّأفة والرَّحمة.

قال الحسين بن الفضل لم يجمع الله لنبي من الأنبياء اسمين من أسمائه إلا لسيِّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال {بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤوفٌ رَحِيمٌ} وقال عزَّ وجلَّ {إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤوفٌ رَحِيمٌ} [البقرة 143] .

ج 19 ص 571

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت