2 - (باب وُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَى الأَهْلِ) أراد به الزَّوجة هنا (وَالْعِيَالِ) من عطف العام على الخاصِّ، أو المراد بالأهل الزَّوجة والأقارب، والمراد بالعيال الزَّوجة والخدم، فتكون الزَّوجة ذُكِرَتْ مرَّتين تأكيدًا لحقِّها، وعيالُ الرَّجل من يعولُهم؛ أي من يقوتُهُم، وينفقُ عليهم.
ج 23 ص 356
وأصلُ عيال عوال؛ لأنَّه من عَالَ عيالَه عَوْلًا وعِيالًا إذا قاتهم.
وقال الجوهريُّ واحدُ العيال عَيِّل، بتشديد الياء، والجمع عيائل مثل جيِّد وجياد وجيائد. وبدأ بالزَّوجة؛ لأنَّها أقوى لوجوبها بالمعاوضةِ، وغيرها بالمواساة، ولأنَّها لا تسقطُ بمضي الزَّمان والعجز، بخلاف غيرها.
ولوجوبها سببان نسبٌ وملك، فيجب بالنِّسب خمسُ نفقاتٍ نفقة الأب الحرِّ وآبائه وأمَّهاته. ونفقة الأم الحرَّة وآبائها وأمهاتها؛ لقوله تعالى {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان 15] ، ومنه القيام بمؤنتهما ونفقةُ الأولاد الأحرار، وأولادهم بشرطِ يسار المنفق بفاضلٍ عن قوتهِ وقوتِ زوجته وخادمها وخادمهِ، وذلك يومه وليلته، ويعتبرُ مع القوت الكسوة والسُّكنى.
وقال ابنُ المنذر اختُلِفَ في نفقة من بلغ من الأولاد ولا مالَ له، ولا كَسْبَ فأوجبت طائفةٌ النَّفقة لجميع الأولاد أطفالًا كانوا أو بالغين، إناثًا وذُكرانًا، إذا لم يكن لهم أموالٌ يستغنون بها، وذهب الجمهورُ إلى أنَّ الواجبَ أن ينفقَ عليهم حتَّى يبلغَ الذَّكر، أو تتزوَّجَ الأنثى، ثمَّ لا نفقة على الأب إلَّا إن كانوا زَمْنَى، فإن كان لهم أموالٌ، فلا وجوبَ على الأب، وألحقَ الشَّافعيُّ وَلَدَ الولد وإن سَفُل بالولد في ذلك.
ويجبُ بالملك خمس أيضًا نفقةُ الزَّوجة، ومملوكها، والمعتدَّةُ إن كانت رجعيَّة، أو حاملًا، ومملوكها، ومملوكٌ من رقيقٍ وحيوان، فللزَّوجة على الغنيِّ مُدَّان، ولخادمها مدٌّ وثُلُثٌ، وعلى المتوسط لها مدٌّ ونصف، ولخادمها مدٌّ، وعلى المُعْسِر لها مدٌّ، وكذا لخادمها.
ومن أوجبنا له النَّفقة أوجبنا له المُدَّ والكسوةَ والسُّكنى، وتسقط النَّفقة بمضي الزَّمان بلا إنفاق إلَّا نفقة الزَّوجة فلا تسقطُ، بل تصير دينًا في ذمته؛ لأنَّها بالنِّسبة إليها معاوضة في مقابلة التَّمكين للتَّمتع، وبالنِّسبة إلى غيرها مواساة، فظاهرٌ أن خادمةَ الزَّوجة مثلُها، هذا مذهب الإمام الشَّافعي.
وقالت الحنفيَّة لا يجبُ نفقة مضتْ؛ لأنَّها صلة فلا تملك إلَّا بالقبضِ كالهبة، إلَّا أن يكون القاضي فرض لها النَّفقة، أو صالحت الزَّوج مقدارًا منها، فيُقْضَى لها بنفقةِ ما مضى؛ لأنَّ فيه تعيُّنُ حقِّ الزَّوج وحقِّ الشَّرع، فمن حيثُ الاستمتاعُ وقضاءُ الشَّهوة وإصلاحُ العيشة حق الزَّوج، ومن حيثُ تحصيلُ الولد وصيانُة كلٍّ منهما عن الزِّنى حقُّ الشَّرع، فباعتبار حقه عوض، وباعتبار حقُّ الشَّرع صلة، فإذا تردَّد بينهما فلا يِسْتَحْكِمُ إلَّا بِحُكْمِ القَاضي عليها، قاله الزَّيلعي.
ج 23 ص 357
وفي «الغاية» أنَّ نفقة ما دون شهر لا تسقطُ، وعزاه إلى «الذَّخيرة» . قال فكأنَّه جعل القليل ممَّا لا يمكن التَّحرُّز عنه، إذ لو سقطت بمضي يسير من المدَّة؛ لما تمكنت من الأخذ أصلًا.