2585 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهدٍ، قال (حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ هِشَامٍ) هو ابنُ عروة، وفي رواية الإسماعيليِّ من طريق إبراهيم بن موسى الفرَّاء عن عيسى بن يُونس حدَّثنا هشام (عَنْ أَبِيهِ) عُروة (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) أنَّها (قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا) من أثاب يُثيب؛ أي يكافئ عليها؛ بأن يعطي الَّذي يُهدي له عوضها وبدلها، وأقلَّه ما يساوي قيمة الهديَّة.
والمكافأة على الهديَّة مطلوبةٌ اقتداءً بالشَّارع صلى الله عليه وسلم، وقد قال الله تعالى {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء 86] . وقال صاحب «التوضيح» وعندنا لا يجب فيها ثوابٌ مطلقًا، سواءٌ وهب الأعلى للأدنى أو عكسه أو للمساوي.
وقال المهلَّبُ والهديَّة ضربان للمكافأة؛ فهي بيعٌ ويجبر على دفع العوض، ولله تعالى وللصِّلة؛ فلا يلزمه عليه مكافأةٌ، وإن فعل فقد أَحسن. واختلف العلماء فيمن وهب هبةً ثمَّ طلب ثوابها، وقال إنَّما أردت الثَّواب، فقال مالكٌ يُنظر فيه، فإن كان مثله مَن يطلب الثَّواب من الموهوب له فله ذلك، مثل هبةِ الفقير للغنيِّ، والغلام لصاحبهِ، وهو أحدُ قولي الشَّافعيِّ؛ وهو قوله القديم، بخلاف ما يهبهُ الأعلى للأدنى، استدلَّ على ذلك بهذا الحديث، ووجه الدَّلالة منه مواظبته صلى الله عليه وسلم، ووجهه المعقول أنَّ الَّذي أهدى
ج 12 ص 40
قصد أن يُعطي أكثر ممَّا يُهْدى فلا أقلَّ أن يعوَّض هديَّته. وقال أبو حنيفة _ وهو قول الشَّافعي في الجديد _ الهبة للثَّواب باطلةٌ لا تنعقد إلَّا أن يشترط ذلك؛ لأنَّها بيعٌ بثمنٍ مجهولٍ، ولأنَّ موضوع الهبة التَّبرُّع فلو أبطلناه لكان في معنى المعاوضة، وقد فرَّق الشَّرع والعرف بين البيع والهبة، فما استحقَّ العوض أطلق عليه لفظ البيع بخلاف الهبة.
وأجاب بعض المالكيَّة بأنَّ الهبة لو لم تقتض الثَّوابَ أصلًا لكانت بمعنى الصَّدقة، وليس كذلك، فإنَّ الأغلب من حال الذي يهدي أنَّه يطلب الثَّواب، ولا سيَّما إذا كان فقيرًا.
وممَّا احتجَّ به مالكٌ لمذهبه ما رواه أحمد في «مسنده» ، وابن حبَّان في «صحيحه» من حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّ أعرابيًّا وهب للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فأثابه عليها، وقال (( رضيتَ؟ ) )، فقال لا، فزاده، فقال (( رضيتَ؟ ) )، قال لا، فزاده، قال (( رضيتَ؟ ) )، قال نعم، قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم (( إنِّي لا أتَّهب هبةً إلَّا من قرشيٍّ أو أنصاريٍّ أو ثقفيٍّ ) ).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه نحوه رواه أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ، وقال حسنٌ. وقال الحاكم صحيحٌ على شرط مسلم، وهو دالٌّ على الثَّواب فيها وإن لم يشترط؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم أثابه، وزاد فيه (( حتَّى بلغ رضاه ) )، ولو لم يكن واجبًا لم يُثبه ولم يزده، ولو أثاب تطوُّعًا لم يلزمه الزِّيادة، وكان يُنكر على الأعرابيِّ طلبها.
هذا، وقال العينيُّ طمع صلى الله عليه وسلم في مكارم الأخلاق، وهي عادته في الإثابةِ، وقال تعالى {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب 21] .
وقال ابن التِّين إذا شرط الثَّواب أجازه الجماعة إلَّا عبد الملك، وله عند الجماعة أن يردَّها ما لم تتغيَّر، إلَّا عند مالك، وألزمه الثَّواب بنفس القبول. وعبارة ابن الحاجب وإذا صرَّح بالثَّواب فإن عيَّنه فبيع، وإن لم يعيِّنه فصحَّحه ابن القاسم، ومنعه بعضهم؛ للجهل بالثَّمن، قال ولا يلزم الموهوب له إلَّا قيمتها قائمةً أو فائتةً. وقال مطرِّف للواهب أن يأبى وإن كانت قائمة.
(لَمْ يَذْكُرْ وَكِيعٌ) هو ابنُ الجرَّاح (وَمُحَاضِرٌ) بضم الميم وكسر الضاد المعجمة، هو ابن المورِّع _ بتشديد
ج 12 ص 41
الراء المكسورة وبالعين المهملة _ الكوفيُّ (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها) يعني لم يسنداهُ بل أرسلاه.
وفيه إشارةٌ إلى أنَّ عيسى بن يونس تفرَّد بوصله عن هشامٍ. وقد قال التِّرمذيُّ لا نعرف هذا الحديث مرفوعًا إلَّا من حديث عيسى بن يونسٍ، وكذا قال البزَّار. وقال الآجريُّ سألت أبا داود عنه، فقال تفرَّد بوصله عيسى بن يونس، وهو عند النَّاس مرسلٌ. وقال الحافظ العسقلانيُّ ورواية وكيعٍ وصلها ابنُ أبي شيبة عنه، بلفظ (( ويثيب ما هو خيرٌ منها ) )، ورواية محاضرٍ لم أقف عليها بعد.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة إنَّما تتأتَّى إذا أريد بلفظ الهبة معناها الأعم، والحديث أخرجه أبو داود في «البيوعِ» ، والتِّرمذيُّ في «البرِّ» ، وفي «الشمائل» أيضًا.