3933 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ) بالحاء والزاي، أبو إسحاق الزُّبيري الأسدي القرشي المدني، مات ستة ثلاثين ومائتين، وهو من أفراده، قال (حَدَّثَنَا حَاتِمٌ) هو ابنُ إسماعيل، أبو إسماعيل الكوفي سكن المدينة (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ) بضم الحاء، ابن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه (الزُّهْرِيِّ) أنَّه (قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ) يعني الخليفة المشهور (يَسْأَلُ السَّائِبَ) بالمهملة وبالهمز؛ أي ابن يزيد من الزيادة (ابْنَ أُخْتِ النَّمِرِ) بلفظ الحيوان المشهور، الكندي على المشهور، وقد تقدَّم ذكره في «المناقب النبوية» [خ¦3541] (مَا سَمِعْتَ فِي سُكْنَى مَكَّةَ؟ قَالَ سَمِعْتُ الْعَلاَءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ) بفتح المهملة وسكون المعجمة وبالراء، واسم أبيه عبد الله بن عماد، وكان حليف بني أمية، وكان العلاء صحابيًا جليلًا، ولَّاه النَّبي صلى الله عليه وسلم البحرين، وكان مجاب الدَّعوة، ومات في خلافة عمر رضي الله عنه، وما له في البخاري إلَّا هذا الحديث.
(قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلاَثٌ لِلْمُهَاجِرِين بَعْدَ الصَّدَرِ) بفتح المهملتين؛ أي بعد الرُّجوع من منى. والمعنى ثلاث ليال ترخَّص في الإقامة للمهاجرين بعد طواف الصَّدَر.
وفقه هذا الحديث أنَّ الإقامة بمكة كانت حرامًا على من هاجر منها قبل الفتح، لكن أُبيح لمن قصدها منهم بحجٍّ أو عمرة أن يقيمَ بعد قضاء نسكه ثلاثة أيامٍ لا يزيد عليها، ولهذا رثى النَّبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن خولة أن مات بمكة.
ويستنبط من ذلك أنَّ إقامة
ج 17 ص 214
ثلاثة أيام لا تخرج صاحبها عن حكم المسافر. وفي كلام الداودي اختصاص ذلك بالمهاجرين الأوَّلين، ولا معنى لتقييدهِ بالأولين. وقال النَّووي معنى هذا الحديث أنَّ الذين هاجروا يحرم عليهم استيطانُ مكة. وحكى القاضي عياض أنه قول الجمهور، قال وأجازه لهم جماعة بعد الفتح؛ يعني فحملوا هذا القول على الزَّمن الذي كانت الهجرة المذكورة واجبة فيه.
قال واتَّفق الجميع على أنَّ الهجرة قبل الفتح كانت واجبة عليهم، وأن سكنى المدينة كان واجبًا لنصرة النَّبي صلى الله عليه وسلم ومواساته بالنفس، وأمَّا غير المهاجرين فيجوز له سُكنى أيِّ بلدٍ أراد سواء مكة أو غيرها بالاتفاق. انتهى كلام القاضي.
ويستثنى من ذلك من أَذِنَ له النَّبي صلى الله عليه وسلم بالإقامة في غير المدينة. واستُدلَّ بهذا الحديث على أنَّ طواف الوداع عبادة مستقلَّة ليس من مناسك الحجِّ، وهو أصحُّ الوجهين في المذهب؛ لقوله في هذا الحديث بعد قضاء نسكه؛ لأنَّ طواف الوداع لا إقامة بعده، ومتى أقام بعده خرج عن كونه طواف وداع، وقد سمَّاه قبله قاضيًا لمناسكه، فخرج طواف الوداع عن أن يكون من مناسك الحجِّ، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيُّ المراد بهذا الحديث من هاجر من مكة إلى المدينة لنصر النَّبي صلى الله عليه وسلم، ولا يعني به من هاجر من غيرها؛ لأنه خرج جوابًا عن سؤالهم لما تحرَّجوا من الإقامة بمكة، إذ كانوا قد تركوها لله تعالى، فأجابهم بذلك، وأعلمهم أن إقامة الثلاث ليس بإقامة.
قال والخلاف الذي أشار إليه القاضي عياض كان فيمن مضى، وهل يبتنى عليه خلاف فيمن فرَّ بدينه من موضع يخاف أن يُفتن فيه في دينه فهل له أن يرجعَ إليه بعد انقضاءِ تلك الفتنة؟
يمكن أن يُقال إن كان تركها لله تعالى كما فعله المهاجرون، فليس له أن يرجعَ لشيء من ذلك، وإن كان قد تركها فرارًا بدينه ليسلم له ولم يقصدْ إلى تركها لذاتها، فله الرجوع إلى ذلك. انتهى.
وهو حسنٌ متَّجه، إلَّا أنَّه خصَّ ذلك بمن ترك رَبَاعًا أو دورًا، ولا حاجة إلى تخصيصِ
ج 17 ص 215
المسألة بذلك، والله تعالى أعلم.
ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرةٌ.
وقد أخرجه مسلم أيضًا في «الحج» ، وكذا أبو داود، والترمذي فيه، وأخرجه ابن ماجه في «الصلاة» .