قال الحافظ العسقلانيُّ يشير به إلى الرَّد على الكوفيين
ج 12 ص 287
في تخصيصِهم اليمين على المدعى عليه في الأموال دون الحدود، وقال العينيُّ هذه الترجمة مشتملةٌ على حكمين
الأول أنَّ اليمين على المدَّعى عليه، وهو يستلزم شيئين
أحدهما أن لا يجب يمين الاستظهار، وفيه اختلاف العلماء، وهو أنَّ المدَّعي إذا ثبت ما يدَّعيه ببيِّنة فللحاكم أن يستحلفه أنَّ بينته شهدت بحق، وإليه ذهب شريح وإبراهيم النَّخعي والأوزاعي والحسن بن حيٍّ.
وقد روى ابنُ أبي ليلى عن الحكم عن الحسن أنَّ عليًا رضي الله عنه استحلفَ عبد الله بن الحر مع بينته.
وذهب مالك والكوفيون والشَّافعي وأحمد إلى أنَّه لا يمين عليه.
وقال إسحاق إذا استراب الحاكم أوجب ذلك، والحجَّة لهم حديث ابن مسعود رضي الله عنه الذي مضى في الباب السابق من حيث إنَّه صلى الله عليه وسلم لم يقل للأشعث تحلف مع البينة، فلم يوجب على المدعي غير البينة.
وأيضًا قوله تعالى {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} [النور 4] الآية يدل على ذلك، فقد أبرأ الله تعالى من الجلد بإقامة أربعة شهداء من غير يمين.
والحكم الثاني أنَّ اليمين على المدعى عليه في الأموالِ والحدود، وفيه اختلاف أيضًا؛ فذهب الشافعيُّ ومالك وأحمد إلى القول بعموم ذلك في الأموال والحدود والنِّكاح ونحوه.
واستثنى مالك النِّكاح والطَّلاق والعتاق والفدية فقال لا يجب في شيء منها اليمين حتى يقيم المدعي البينة، ولو شاهدًا واحدًا.
وقال الكوفيُّون يختص اليمين بالمدعى عليه في الأموال دون الحدود.
وفي «التوضيح» قام الإجماع على استحلاف المدعى عليه في الأموال، واختلفوا في الحدود والطَّلاق والنِّكاح والعتق فذهب الشافعيُّ إلى أنَّ اليمين واجبةٌ على كل مدَّعى عليه إذا لم يكن للمدعي بينة، سواء كانت الدَّعوى في دمٍ، أو جراح، أو طلاق، أو نكاح، أو عتق، أو غير ذلك، واحتجَّ بحديث الباب (( شاهداك أو يمينه ) )، قال ولم يخصَّ مدعي مال دون مدعي دم أو غيره، بل الواجب أن يحمل على العموم.
ألا ترى أنَّه جعل القَسامة في دعوى الدَّم، وقال
ج 12 ص 288
للأنصار يبرئكُم يهود بخمسين يمينًا، والدَّم أعظم حرمةً من المال.
وقال الشافعيُّ وأبو ثور إذا ادَّعت المرأة على زوجها خلعًا، أو طلاقًا، وجحدَ الزوج الطَّلاق فعليها البينة، وإلَّا يستحلف الزوج.
وإن ادَّعى الخلع على مال فأنكرت، فإن أقام البينة لزمها المال، وإلَّا حلفت ولزم الزوج الفراق؛ لأنه أقرَّ به، وإن ادعى العبد العتق ولا بيِّنة له يستحلف السيِّد، فإن حلف برئ، وإن ادَّعى السيد أنه أعتقه على مال، وأنكر العبدُ حلف ولزم السَّيد العتق. وكان أبو يوسف ومحمد يريان بأن يستحلفَ على النِّكاح، فإن أبى ألزم النكاح.
وقال العينيُّ مذهب أبي حنيفة رحمه الله أنَّ المدعى عليه لا يستحلف في نكاح بأن يدَّعي على امرأة نكاحًا وهي تجحدُ، أو ادَّعت هي كذلك وهو يجحدُ.
ولا في رجعة بأن ادعى بعد انقضاء العدَّة أنَّه كان راجعها في العدَّة وهي تجحدُ، أو ادعت المرأة كذلك وجحدَ هو، ولا في استيلاد بأن ادَّعت الأمة أنَّها ولدت منه، وأنكر المولى، ولا يتصوَّر العكس من قبله عليها؛ لأنَّ الاستيلاد يثبت بإقراره.
ولا في رق بأن ادَّعى على مجهول النسب [1] أنَّه عبده، أو ادَّعى مجهول النسب أنَّه معتقه، ولا في نسب بأن ادعى الولد على الوالد، أو الوالد على الولد، وأنكر الآخر، ولا في الولاء بأن ادعى على معروف النَّسب بأنه معتقه، أو ادَّعى معروف النَّسب أنَّه معتقه، أو كان ذلك في الموالاة.
وقال أبو يوسف ومحمد يستحلف في الكلِّ، وبه قال الشَّافعي ومالك وأحمد.
ولا يستحلف باتفاق أصحابنا في الحدِّ بأن قال رجلٌ لآخر لي عليك حدُّ قذفٍ، وهو يُنكر لا يستحلف؛ لأنَّه يندرئ بالشُّبهات إلَّا إذا تضمَّن حقًا بأن علق عتق عبده بالزِّنا، وقال إن زنيت فأنت حرٌّ، فادعى العبد أنَّه زنى، ولا بيِّنة له يستحلف المولى حتَّى إذا نكل ثبت العتق دون الزِّنا.
وقال القاضي الإمام فخر الدِّين المعروف بقاضي خان الفتوى على أنَّه يستحلف المنكر في الأشياء السِّتة المذكورة.
وذكر ابنُ المنذر
ج 12 ص 289
عن الشَّعبي والثَّوري وأصحاب الرأي أنَّه لا يستحلف على شيءٍ من الحدود، ولا على القذفِ، وقالوا يستحلف على السَّرقة، فإن نكلَ لزمه المال.
وعند مالك لا يمين في النِّكاح والطَّلاق والعتق والفرقة، إلَّا أن يُقيم المدعي شاهدًا واحدًا، فإذا أقامه استحلف المدَّعى عليه.
وقال ابنُ حبيب إذا قامت المرأة أو العبد شاهدًا واحدًا على أنَّ الزوج طلَّقها، أو أنَّ السيد أعتقه، فاليمين تكون على السيِّد والزوج، فإن حلفا سقط عنهما الطَّلاق والعتق، وهذا قول مالك وابن الماجشون وابن كنانة. وقال في «المدونة» فإن نكلَ قضى بالطَّلاق والعتق. ثمَّ رجع مالك فقال لا يقضى بالطَّلاق ويسجن، فإن طال سجنه دُيِّن وترك، وبه قال ابنُ القاسم، وطول السِّجن عنده سنة.
(وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ) وهذا التَّعليق وصله البُخاري في آخر الباب من حديث الأشعث بن قيس. والغرض منه أنَّه أطلق اليمين في جانب المدعى عليه، ولم يقيِّده بشيءٍ دون شيءٍ، فيلزم منه منع يمين المدعي عند الردِّ عليه، ويمين الاستظهار أيضًا، فافهم.
وارتفاع (شاهداك) على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره المثبت لدعواك، أو الحجَّة لك، أو ما يثبت لك شاهداك، أو مبتدأ خبره محذوفٌ، تقديره شاهداك هما المثبتان لدعواك، أو لك شاهداك. والمعنى ما يثبت لك شهادة شاهديك، أو لك إقامة شاهديك، فحذف المضاف، وأُقيم المضاف إليه مقامه فأعرب إعرابه، وقس عليه قوله (( أو يمينه ) ).
(وَقَالَ قُتَيْبَةُ) هو ابنُ سعيد. قال الحافظ العسقلانيُّ رأيت بخط القطب الحلبي أنَّه رأى في بعض النسخ (( حدثنا قتيبة ) )لكنه وقع في كثيرٍ من النسخ على صيغة التعليق، وهو الأظهر؛ لأن البخاري لم يحتج في «صحيحه» بابن شبرمة على ما قال العيني.
(حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة (عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ) بضم الشين المعجمة وسكون الموحدة وضم الراء، هو عبدُ الله بن شبرمة بن الطُّفيل بن حسان الضبيِّ الكوفي، فقيه أهل الكوفة، القاضي للمنصور، عداده في التابعين، وكان عفيفًا صارمًا عاقلًا فقيهًا يشبه النساك،
ج 12 ص 290
ثقةٌ في الحديث شاعرًا حسن الخلق، استشهد به البخاري في «الصحيح» ، وروى له في «الأدب» . وروى له مسلم وأبو داود وابن ماجه، مات سنة أربع وأربعين ومائة، وروى عن أبي حنيفة حديثًا واحدًا.
(كَلَّمَنِي) أي أنه قال كلمني (أَبُو الزِّنَادِ) بكسر الزاي وتخفيف النون، عبدُ الله بن ذكوان القرشي المدني قاضي المدينة. قال العجليُّ مدني تابعيٌّ ثقةٌ، سمع من أنس بن مالك رضي الله عنه، مات سنة ثلاثين ومائة.
(فِي شَهَادَةِ الشَّاهِدِ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي) أي القول بجوازها، وكان مذهب أبي الزناد القضاء بذلك كأهل بلده، ومذهب ابن شبرمة بخلافه كأهل بلده، فاحتجَّ عليه أبو الزِّناد بالخبر الوارد في ذلك، واحتجَّ عليه ابنُ شبرمة بما ذكره من الآية الكريمة حيث قال
(فَقُلْتُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى) وفي نسخة بدل قوله تعالى ( {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} قُلْتُ إِذَا كَانَ يُكْتَفَى بِشَهَادَةِ شَاهِدٍ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي) هذا شرط جزاؤه قوله (فَمَا تَحْتَاجُ) وكلمة (ما) فيه نافية، والفعل على البناء للمفعول.
( {أَنْ تُذَكِّرَ} ) أي إلى أن تذكر ( {إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} مَا كَانَ) كلمة ما هذه استفهامية (يَصْنَعُ) على البناء للمفعول (بِذِكْرِ هَذِهِ الأُخْرَى) مضمون هذه الجملة نائب عن فاعل يصنع؛ يعني إذا جاز الاكتفاء بشهادة شاهد، ويمين المدعي، فلا احتياج إلى تذكير إحداهما الأخرى، إذ اليمين يقوم مقامها، فما فائدة ذكر التَّذكير في القرآن.
وقال الكرمانيُّ فائدته تتميم شاهد، إذ المرأة الواحدة لا اعتبار لها، إذ المرأتان كرجلٍ واحدٍ.
ولهذا قال بعضهم المراد من قوله {تُذَكِّرَ} أي تجعلها كالذكر، والمقصود منه أن لا يحتاج إلى اليمين، ثمَّ لا يلزم من بيان هذا النَّوع من البينة فيه أن لا يكون ثمة نوعٌ آخر منها، غاية ما في الباب عدم التعرُّض له لا التعرُّض لعدمه. انتهى.
وتعقَّبه العينيُّ فقال هذا الكلام عجيبٌ كأنَّه
ج 12 ص 291
مخترعٌ من عنده، إذ على هذا التَّقدير كيف يكون حاصله أنَّ مذهب أبي الزِّناد القضاء بشاهد ويمين المدعي كأهل بلده، ومذهب ابن شبرمة خلافه كأهل بلده، فاحتجَّ عليه أبو الزِّناد بالخبر الوارد في ذلك، واحتجَّ عليه ابن شبرمة بما ذكره من الآية الكريمة.
هذا وأنت خبير بأنَّ مراد الكرماني أنَّ احتجاجه بالآية الكريمة لا يتم؛ لأنَّ في الآية هذا الاحتمال، وما ثبت الاحتمال سقط الاستدلال، والله تعالى أعلم.
وقد أجاب عن احتجاجِ ابن شبرمة بالآية المذكورة فقال الحاجة إلى إذكار إحداهما الأخرى إنما هو فيما إذا شهدتا، فإن لم تشهدا قامتْ مقامهما يمين الطَّالب ببيان السنة الثابتة، واليمين فيمن هي عليه، لو انفردت؛ لحلَّت محلَّ البينة في الأداءِ والإبراء، فكذلك حلَّت اليمين هنا محلَّ المرأتين في الاستحقاق بها مضافة إلى الشَّاهد الواحد.
قال ولو لزم إسقاط القول بالشَّاهد واليمين؛ لأنَّه ليس في القرآن لزم إسقاط الشَّاهد والمرأتين؛ لأنَّه ليس في السنة؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم قال (( شاهداك أو يمينه ) ). انتهى.
وحاصله أنَّه لا يلزم من التَّنصيص على الشَّيء نفيه عمَّا عداه، لكن مقتضى ما بحثه أن لا يقضي باليمين مع الشَّاهد الواحد إلَّا عند فقد الشَّاهدين، أو ما أقيم مَقامهما من الشَّاهد والمرأتين، وهو وجه للشافعيَّة، وصحَّحه الحنابلة.
ويؤيِّده ما روى الدَّارقطني من طريق عَمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا (( قضى الله ورسوله في الحقِّ بشاهدين، فإن جاء بشاهدين أخذ حقَّه، وإن جاء بشاهدٍ واحدٍ حلفَ مع شاهده ) ).
قال الحافظ العسقلانيُّ وإنما تتم له _ يعني لابن شبرمة _ الحجَّة بذلك على أصلٍ مختلفٍ فيه بين الفريقين، وهو أنَّ الخبر إذا ورد متضمِّنًا لزيادة على ما في القرآن هل يكون نسخًا والسنَّة لا تنسخ القرآن، أو لا يكون نسخًا، بل زيادة مستقلَّة بحكمٍ مستقل، إذا ثبت سنده وجب القول به، والأول مذهب الكوفيين، والثاني مذهب الحجازيين، ومع قطع النظر عن ذلك
ج 12 ص 292
لا تنهض حجَّة ابن شبرمة؛ لأنَّه يصير معارضة للنصِّ بالرَّأي، وهو غيرُ معتبر. انتهى.
وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ مذهب ابن شبرمة هو مذهب ابن أبي ليلى وعطاء والنَّخعي والشَّعبي والأوزاعي والكوفيين والأندلسيين من أصحاب مالك، وهم يقولون نص الكتاب العزيز في باب الشَّهادة رجلان، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان، والحكم بشاهد ويمين مخالف للنَّص، فلا يجوز، والأخبار التي وردت بشاهد ويمين أخبار آحاد، فلا يعمل بها على مخالفتها للنَّص؛ لأنَّه يكون نسخًا، ونسخ الكتاب بخبر الواحد لا يجوز.
وحاصله أنَّ الزِّيادة على القرآن نسخ، وأخبار الآحادِ لا تنسخ المتواتر، ولا يقبل الزِّيادة من الأحاديث إلَّا إذا كان مشهورًا، هذا هو حاصلُ الجواب من طرف الحنفيَّة.
وقال العسقلانيُّ إنَّ النَّسخ رفع الحكم، ولا رفع هنا، وأيضًا النَّاسخ والمنسوخ لا بدَّ وأن يتواردا على محلٍّ واحدٍ، وهذا غير متحقِّقٍ في الزِّيادة على النَّص، وغايةُ ما فيه أنَّ تسمية الزِّيادة كالتَّخصيص نسخًا اصطلاح، فلا يلزم منه نسخ الكتاب بالسُّنَّة. انتهى.
وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ قوله النَّسخ رفع الحكم قسمٌ من أقسام النَّسخ؛ لأنَّه على أربعة أقسام نسخ الحكم والتِّلاوة جميعًا، ونسخ الحكم دون التِّلاوة، ونسخ التِّلاوة دون الحكم، والرابع نسخ وصف الحكم، وهو أيضًا مثل الزِّيادة على النَّص، وهو نسخ عندنا، وعند الشَّافعي، وهو بمنزلة تخصيص العام حتى جوَّز ذلك بالقياس وبخبر الواحد.
وقول هذا القائل النَّسخ رفع الحكم ... إلى آخره ليس على إطلاقه؛ لأنَّ النسخ من قبيل بيان التبديل؛ لأنَّ البيان عندنا على خمسة أقسام بيان تقرير، وبيان تقسيم، وبيان تعبير، وبيان ضرورة، وبيان تبديل، والنسخ منه، ومعناه أن يزول شيء ويخلفه غيره، ولا شكَّ أنَّ الحكم بشاهدٍ ويمين رفع لحكم الشَّاهدين، أو الشَّاهد والمرأتين، وكيف يقول ولا رفع هنا؟.
وقوله وأيضًا الناسخ والمنسوخ لابدَّ أن يتواردا
ج 12 ص 293
على محلٍّ واحدٍ، وإن كان مسلَّمًا لكن لا نسلم قوله، وهذا غير متحقِّقٍ في الزِّيادة على النصِّ؛ لأنَّ قائل هذا يفرق بين نسخ الوصف، ونسخ الذَّات، فيجعل النَّسخ هنا من قبيل نسخ الوصف، لا من قبيل نسخ الذَّات. ونحن نقول إن نسخ الوصف مثل نسخ الذَّات في الحكم، فلهذا منعنا الحكم بشاهد ويمين.
هذا، ثم قال الحافظ العسقلانيُّ تخصيصُ الكتاب بالسنَّة جائزٌ، وكذلك الزِّيادة عليه.
وتعقَّبه العينيُّ بما حاصله أنَّ قياس الزِّيادة على النَّص على التَّخصيص غير صحيحٍ على إطلاقه، بل إنَّما تكون الزِّيادة كالتَّخصيص إذا كان حكمًا مستقلًا بنفسه لا تغيُّر ولا تبدُّل، فإنَّ التَّخصيص بيان عدم إرادة بعض ما يتناوله اللَّفظ، فيبقى حكم الباقي بذلك النظم بعينه، فإنَّ العام إذا خصَّ منه بعض الأفراد بقي الحكم فيما وراءه بلفظ العام بعينه كلفظ المشركين إذا خصَّ منه أهل الذِّمَّة بقي الحكم في غيرهم ثابتًا بلفظ المشركين، فلم يكن التَّخصيص نسخًا؛ لأنَّ النسخ بيان انتهاء مدة الحكم الثابت، وبالتَّخصيص تبيَّن أنَّ المخصوص لم يكن مرادًا بالعام، فلا يكون رفعًا بعد الثُّبوت، بل منعًا عن الدُّخول في حكم العام.
ولهذا قلنا إنَّ التَّخصيص لا يكون إلَّا مقارنًا؛ لأنَّه بيان محضٌّ، وشرط النَّسخ أن يكون متأخِّرًا، فيكون تبديلًا لا بيانًا محضًا.
هذا، ثمَّ إنَّه نظر الحافظ العسقلانيُّ إلى كون الزِّيادة على النصِّ كالتَّخصيص بقوله؛ كما في قوله تعالى {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء 24] ، وأجمعوا على تحريم نكاحِ العمة مع بنت أخيها، وسند الإجماع في ذلك السنَّة الثابتة، وكذلك قطع رجل السَّارق في المرَّة الثانية.
وقال العينيُّ إنَّهما حكمان مستقلان بأنفسهما، ولم يغيِّر الحكم السابق فيهما حتَّى يكون نسخًا كما مر، ثم قال الحافظ العسقلانيُّ وقد أخذ من ردَّ الحكم بالشاهد واليمين؛ لكونه زيادة على القرآن بأحاديث كثيرة في أحكام كثيرة كلها زائدة على ما في القرآن؛ كالوضوء بالنَّبيذ، والوضوء من القهقهة، والمضمضة والاستنشاق في الغسل دون الوضوء،
ج 12 ص 294
واستبراء المسبية، وترك قطع من سرق ما يسرع إليه الفساد، وشهادة المرأة الواحدة في الولادة، ولا قود إلَّا بالسَّيف، ولا جمعة إلَّا في مصر جامع، ولا تقطع الأيدي في الغزو، ولا يرث الكافر المسلم، ولا يؤكل الطَّافي من السَّمك، ويحرم كلُّ ذي ناب من السِّباع ومخلب من الطَّير، ولا يقتل الولد بالوالد، ولا يرث القاتل من القتيل، وغير ذلك من الأمثلة التي تتضمن الزِّيادة على عموم الكتاب.
هذا وقال العينيُّ هذا كلُّه لا يرد علينا، فإنا قد قلنا إنَّ الزِّيادة على النصِّ إذا كان حكمًا مستقلًا بنفسه لا يسمَّى نسخًا؛ لأنَّه لا يغيَّر ولا يبدَّل، والذي ليس فيه التَّغيير من حيث الظَّاهر لا من حيث الوصف، ولا من حيث الذات يكون كالتَّخصيص، فالمذكورات كلها كذلك.
هذا وقال الحافظ العسقلانيُّ وأجابوا بأنَّها أحاديث شهيرة، فوجب العمل بها لشهرتها.
قال العينيُّ لا نقول به، ولا نلتزم شهرة تلك الأحاديث، بل الأصل الذي نحن عليه فيه الكفاية، ثمَّ قال الحافظ فيقال لهم وحديث القضاء بالشَّاهد واليمين جاء من طرق كثيرة مشهورة، بل ثبت من طرقٍ صحيحةٍ متعدِّدة.
وقال العينيُّ إن كان مراده بهذه الشُّهرةِ الشُّهرة عندهم، فلا يلزمنا ذلك، وإن كان المراد الشُّهرة عند الكلِّ، فلا نسلِّم ذلك، فمن ادَّعى ذلك، فعليه البيان. ولئن سلَّمنا شهرتها فالزِّيادة بها على القرآن لا يخرج عن كونها نسخًا، والذي قال هؤلاء وظيفةُ التَّواتر، ولا تواتر أصلًا.
هذا، ثمَّ قال الحافظ فمنها ما أخرجه مسلم من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بيمينٍ وشاهد) . وقال في «التمييز» إنَّه حديثٌ صحيحٌ لا يرتاب في صحَّته، وقال ابن عبد البر لا مَطعن لأحدٍ في صحَّته ولا إسناده.
وأمَّا قول الطَّحاوي أنَّ قيس بن سعد لا يعرف له رواية عن عَمرو بن دينار، فلا يقدح في صحَّة الحديث؛ لأنَّهما تابعيَّان ثقتان مكيَّان، وقد سمع قيس
ج 12 ص 295
من أقدم من عَمرو، وبمثل هذا لا تردُّ الأخبار الصَّحيحة.
وتعقَّبه العينيُّ بوجهين
أحدهما بطريق المنع وهو أنَّ مسلمًا روى هذا الحديث من حديث سيف بن سليمان، عن قيس بن سعد، عن عَمرو بن دينار، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما إلى آخره. وذكر الترمذيُّ في «العلل الكبير» سألت محمد بن إسماعيل عنه فقال عَمرو بن دينار لم يسمع عندي هذا الحديث من ابن عباس رضي الله عنه. وقال الطحاويُّ قيس لا نعلمه يحدِّث عن عَمرو بن دينار بشيءٍ. فقد رُمي الحديث بالانقطاع في موضعين من البُخاري بين عَمرو وابن عبَّاس، ومن الطَّحاوي بين قيس وعَمرو.
وردَّ البيهقيُّ في «الخلافيات» على الطحاويِّ، وأشار إلى أنَّ قيسًا سمع من عَمرو، واستدلَّ على ذلك برواية وهب بن جرير، عن أبيه قال سمعتُ قيس بن سعدٍ يحدث عن عَمرو بن دينار، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، فذكر المحرم الذي وقصتُه ناقته. ثم قال البيهقيُّ ولا يبعدُ أن يكون له عن عَمرو غير هذا.
وقال العينيُّ لم يصرِّح أحدٌ من أهل هذا الشَّأن فيما علمنا أنَّ قيسًا سمع من عَمرو، ولا يلزم من قول جرير سمعتُ قيسًا يحدِّث عن عَمرو أن يكون قيس سمع ذلك من عَمرو.
وذكر الذَّهبي سيفًا في كتابه في «الضعفاء» وقال رمي بالقدر، وقال في «الميزان» ذكره ابن عديٍّ في «الكامل» وساق له هذا الحديث، وسأل عباس يحيى بن معين عن هذا الحديث فقال ليس بمحفوظ.
وضعَّف أحمدُ بن حنبل محمدَ بن مسلم، ثمَّ ذكر البيهقيُّ هذا الحديث من وجهٍ آخر من حديث معاذ بن عبد الرَّحمن، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، ومعاذٌ ضعيفٌ.
ورواه الشافعيُّ عن إبراهيم بن محمد، عن ربيعة بن عثمان، وإبراهيم هو الأسلمي مكشوفُ الحال مرميٌّ بالكذب وغيره من المصائب، وربيعة هذا قال أبو زُرعة ليس بذاك، وقال أبو حاتم منكر الحديث.
والجوابُ الآخر بطريق التَّسليم، وهو أنَّه من أخبار الآحاد، فلا يجوز به الزِّيادة على الكتاب، والله أعلم.
ج 12 ص 296
قال الحافظ العسقلانيُّ ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشَّاهد، وهو عند أصحاب «السنن» ورجاله مدنيُّون ثقاتٌ، ولا يضرُّه أنَّ سهيل بن أبي صالحٍ أنسيه بعد أن حدَّث به ربيعة؛ لأنَّه كان بعد ذلك يرويه عن ربيعة عن نفسه عن أبيه، وقصَّته بذلك مشهورة في «سنن أبي داود» وغيرها.
وتعقَّبه العينيُّ أيضًا فقال أخرجه أبو داود، وقال حدَّثنا أحمدُ بن أبي بكر أبو مصعب الزُّهري ثنا الدُّراوردي، عن ربيعة بن أبي عبد الرَّحمن، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه إلى آخره. وأخرجهُ الترمذيُّ أيضًا وقال حديثٌ حسنٌ غريب.
قال العينيُّ هذا حديثٌ معلولٌ؛ لأنَّ عبد العزيز الدَّراوردي قال سألت سهيلًا عنه، فلم يعرفه، وهذا قدح فيه؛ لأنَّ الخصمَ يضعف الحديث بما هو أدنى من ذلك، فإن قيل يجوز أن يكون رواه، ثمَّ نسيه.
فالجواب أنَّه يجوز أن يكون، وهم في أوَّل الأمر، وروى ما لم يكن سمعه، وقد علمنا أنَّ آخر أمره كان جُحوده، وفقد العلم به، فهو أولى.
وقال صاحب «الجوهر النقي» فيه مع نسيان سهيل أنَّه قد اختلف عليه، فرواه زهير بن محمد عنه عن أبيه، عن زيد بن ثابت، كما ذكره البيهقيُّ.
هذا، وقال الحافظ العسقلانيُّ
ومنها حديث جابر رضي الله عنه مثل حديث أبي هريرة رضي الله عنه أخرجه الترمذيُّ وابن ماجه، وصحَّحه ابن خزيمة وأبو عَوانة.
قال العينيُّ أخرجه الترمذيُّ وابن ماجه عن عبد الوهاب الثَّقفي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن جابر رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشَّاهد.
وأخرجهُ الترمذيُّ أيضًا عن إسماعيل بن جعفر ثنا جعفر بن محمد، عن أبيه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشَّاهد. انتهى.
الأوَّلُ مرفوع، والثاني مرسلٌ، وعبد الوهاب اختلط في آخر عمره، كذا ذكره ابنُ معين وغيره، وقال محمد بن سعد كان ثقةً وفيه ضعفٌ. وقال ابن مهدي أربعة كانوا يحدِّثون من كتب الناس، ولا يحفظون ذلك الحفظ، فذكر منهم عبد الوهاب.
ج 12 ص 297
وقد خالفه في هذا الحديث من هو أكبر منه، وأوثق كمالك وغيره فأرسلوه.
وقال صاحب «التمهيد» إرساله أشهر، وكذا قال الترمذيُّ أنَّ المرسل أصح، وكذا روى الثَّوري عن جعفر عن أبيه مرسلًا.
ولهذا ذكره البيهقيُّ في كتاب «المعرفة» أنَّ الشافعيَّ لم يحتجَّ بهذا الحديث في هذه المسألة؛ لذهاب بعض الحفَّاظ إلى كونه غلطًا.
وقال الحافظ العسقلانيُّ وفي الباب عن نحو من عشرين من الصَّحابة فيها الحسان والضِّعاف، وبدون ذلك تثبت الشُّهرة، ودعوى نسخهِ مردودةٌ؛ لأنَّ النسخ لا يثبتُ بالاحتمال.
هذا، وَقال العينيُّ الجواب عن ثبوت الشُّهرة بذلك قد ذكرناه، أقول وقد نقلناه عنه.
وأمَّا قوله ودعوى نسخه مردودةٌ فمردودٌ؛ لأنَّ قوله صلى الله عليه وسلم (( اليمين على المدَّعى عليه ) )، وقوله (( البينة على المدَّعي واليمين على من أنكرَ ) )يردُّ ما قاله. وكذا قوله صلى الله عليه وسلم (( شاهداك أو يمينه ) )مع ظاهر القرآن؛ لأنَّه أوجب عند عدم الرَّجلين قبول رجل وامرأتين، وإذا وجد شاهدٌ واحدٌ، فالرَّجلان معدومان، ففي قبوله مع اليمين نفي ما اقتضته الآية.
ويؤيَّد قول من يدَّعي النَّسخ أنَّ الأشعث إنَّما وفد سنة عشر، وقد قال صلى الله عليه وسلم (( شاهداك أو يمينه ) ). وأيضًا فإنَّه تعالى قال {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة 282] ، وليس المدَّعي بشاهدٍ واحدٍ ممَّن يرضى باستحقاق ما يدَّعيه بقوله ويمينه، وزعموا أنَّ يمين المدَّعي قائم مقام المرأتين. فعلى هذا لو كان المدَّعي ذمِّيًا فأقام شاهدًا وجبَ أن لا يقبل منه، كما لو كانت المرأتان ذمِّيتين.
هذا وأمَّا الصَّحابة الذين روى عنهم في الباب فمنهم ابن عبَّاس وأبو هريرة وزيد بن ثابت وجابر بن عبد الله وعليُّ بن أبي طالب وَسُرَّقٌ وسعد بن عبادة وعبد الله بن عَمرو وعَمرو بن حزم والمغيرة بن شعبة
ج 12 ص 298
وزبيب بن ثعلبة وعمارة بن حزم وعبد الله بن عمر ورجلٌ له صحبة، والزُّبير بن العوام رضي الله عنهم.
وقد ذكر أحاديث ابن عبَّاس وأبي هريرة وجابر رضي الله عنهم، وأمَّا حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه؛ فأخرجه ابن عديٍّ والبيهقي في «سننه» من رواية زهير بن محمد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن زيد بن ثابت، أورده ابن عديٍّ في ترجمة زهير بن محمد قال لم يقل عن سهل عن أبيه عن زيد غيره.
وقال أبو عمر في «التمهيد» هذا خطأٌ، والصَّواب عن أبيه، عن أبي هريرة.
وقال ابن حبَّان زيدُ بن ثابت وهمٌ من زهير بن محمد، وأمَّا حديث عليٍّ رضي الله عنه؛ فأخرجه ابن عديٍّ أيضًا في ترجمة الحارث بن منصور الواسطي، عن سفيان الثَّوري، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عليٍّ رضي الله عنه قال وهذا لا أعلم من رواه عن الثَّوري غير الحارث.
وقال الترمذيُّ وهكذا روى سفيان الثَّوري عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مرسلًا.
وأمَّا حديث سَرَّقٍ رضي الله عنه؛ فأخرجه ابنُ ماجه من رواية عبد الله بن يزيد مولى المنبعث، عن رجلٍ من أهل مصر، عن سرق أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أجاز شهادة الرَّجل ويمين الطَّالب، وهذا فيه مجهولٌ.
وأمَّا حديث سعد بن عبادة رضي الله عنه فقال الترمذيُّ بعد أن روى حديث أبي هريرة من رواية ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال قال ربيعة وأخبرني ابن سعد بن عبادة قال وجدنا في كتاب سعد أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشَّاهد، هكذا رواه غير مسمَّى.
وأمَّا حديث عبد الله بن عَمرو فرواه ابنُ عبد البر في «التمهيد» ، وابن عديٍّ أيضًا من رواية محمد بن عبد الله بن عبيد الله بن عُمير اللَّيثي عن عَمرو بن شعيب، عن جدِّه. قال ابنُ عدي ومحمد هذا غير ثقة.
وأمَّا حديث عَمرو بن حزم والمغيرة بن شعبة، فأخرجهما البيهقي في «سننه» من رواية سعيد بن عَمرو بن شرحبيل بن سعد
ج 12 ص 299
بن عبادة أنَّه وجد كتابًا في كتب آبائه هذا ما وقع أو ذكر عَمرو بن حزم والمغيرة بن شعبة قالا بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل رجلان يختصمان مع أحدهما شاهد له على حقِّه، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمين صاحب الحقِّ مع شاهده، فاقتطع بذلك حقَّه.
وأمَّا حديث زبيب العفيري فأورده ابنُ عدي في ترجمة شعيب بن عبد الله، وقال أرجو أنَّه يصدق فيه.
وأمَّا حديث عُمارة بن حزم فأخرجه أحمد في «مسنده» قال حدَّثنا يعقوب ثنا عبد العزيز بن المطلب، عن سعيد بن عَمرو بن شرحبيل، عن جدِّه أنَّه قال كتاب وجدته في كتب سعيد بن سعد بن عبادة أنَّ عمارة بن حزم شهد أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين والشَّاهد. وقد اختلف فيه على عبد العزيز بن المطلب.
وأمَّا حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فأخرجه ابن عديٍّ من رواية أبي حذافة السهمي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما وقال هذا عن مالك بهذا الإسناد باطل. وقال أبو عمر حديث أبي حذافة منكر.
وأمَّا حديث رجلٍ له صحبة فأخرجهُ البيهقي في «سننه» من حديث الشَّافعي أنا إبراهيم بن محمد، عن ربيعة بن عثمان، عن معاذ بن عبد الرَّحمن، عن ابن عبَّاس، وآخر له صحبة أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشَّاهد. وقد ذكر عن قريبٍ أنَّ إبراهيم بن محمد يرمى بالكذب، وربيعة منكر الحديث، قاله أبو حاتم.
وأمَّا حديث عبد الله بن الزبير، فذكره الحافظ أبو سعيد محمد بن علي بن عَمرو في كتاب «الشهود» أنبأنا أحمد بن محمد بن موسى ثنا الحسين بن أحمد بن بسطام ثنا أحمد بن عبدة ثنا عباد، عن شعيب بن عبد الله بن الزّبير، عن أبيه، عن جدِّه الزُّبير بن العوَّام أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قضى بيمين مع الشَّاهد.
فإن قيل فهذه الأحاديث دلَّت على جواز الحكم باليمين والشَّاهد.
وروى النسائيُّ أيضًا من حديث أبي الزّناد، عن ابن أبي صفية الكوفي أنَّه حضر شريحًا في مسجد الكوفة قضى باليمين
ج 12 ص 300
مع الشَّاهد.
وقال أبو الزِّناد كتب عمر إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن عامله على المدينة أن يقضي به.
وفي «المحلى» روِّينا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنَّه قضى باليمين والشَّاهد الواحد.
قال وروي عن سليمان بن يسار، وأبي سلمة بن عبد الرَّحمن وأبي الزِّناد وربيعة ويحيى بن سعيد الأنصاري وإياس بن معاوية ويحيى بن يعمر والفقهاء السَّبعة وغيرهم.
وقال أبو عمر وروي عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وأُبيِّ بن كعب وعبد الله بن عَمرو القضاء باليمين. وإن كان في الأسانيد عنهم ضعف.
فالجواب أمَّا الأحاديث فقد وقفت على حالها، وأمَّا هؤلاء المذكورون، فإن كان روي عنهم بأسانيد ضعيفة، فقد روي عن غيرهم بأسانيد صحاح أنَّه لا يجوز.
منها ما رواه ابن أبي شيبة ثنا حماد بن خالد، عن ابن أبي ذئب، عن الزُّهري قال هي بدعةٌ، وأوَّل من قضى بها معاوية، وهذا السَّند على شرط مسلم.
وقال عطاءُ بن رباح أوَّل من قضى به عبد الملك بن مروان، وقال محمد بن الحسن إن حكم به حاكم نقض حكمه، وهو بدعةٌ، وقد ذكر عن جماعةٍ فيما مضى عدم الجواز به.
هذا وقال الحافظ العسقلانيُّ وأمَّا احتجاج مالك في «الموطأ» بأنَّ اليمين يتوجَّه على المدَّعي عند النكول، ورد اليمين بغير خلاف، فإذا حلف ثبت الحقُّ بغير خلاف، فهو متعقَّب، ولا يرد على الحنفيَّة؛ لأنَّهم لا يقولون بردِّ اليمين.
وقال الشافعيُّ القضاء بشاهدٍ ويمين لا يخالفُ ظاهر القرآن؛ لأنَّه لم يمنع أن يجوزَ أقلَّ ممَّا نصَّ عليه؛ يعني والمخالف لذلك لا يقول بالمفهوم فضلًا عن مفهوم العدد.
وقال ابنُ العربي أطرف ما وجدتُ لهم في ردِّ الحكم بالشَّاهد واليمين أمران
أحدهما أنَّ المراد قضى بيمين المنكر مع شاهد الطَّالب، والمراد أنَّ الشَّاهد الواحد لا يكفي في ثبوت الحقِّ، فصحَّت اليمين على المدَّعى عليه، فهذا المراد بقوله قضى بالشَّاهد واليمين.
وتعقَّبه ابنُ العربي بأنَّه جهل باللُّغة؛ لأنَّ المعيَّة تقتضي أن يكون شيئان في جهةٍ واحدةٍ لا في المتضادِّين.
ثانيهما
ج 12 ص 301
حمله على صورةٍ مخصوصةٍ، وهي أنَّ رجلًا اشترى من آخر عبدًا مثلًا، فادَّعى المشتري أنَّ به عيبًا، وأقام شاهدًا واحدًا، فقال البائع بعته بالبراءة، فيحلفُ المشتري أنَّه ما اشتراهُ بالبراءة، ويرد العبد. وتعقَّبه بنحو ما تقدَّم، ولأنها صورةٌ نادرةٌ لا يحمل الخبر عليها.
هذا وأنت خبيرٌ بأنَّ اقتضاء المعيَّة أن يكون شيئان في جهةٍ واحدةٍ في حيِّز المنع.
على أنَّه قد ورد في الخبر الصحيح أنَّ البينة على المدَّعي واليمين على من أنكر، فظاهر ذلك يقتضي أن يأول قوله قضى بالشَّاهد واليمين بذلك التَّأويل، وإن كان خلاف الظَّاهر توفيقًا بين الخبرين، والله تعالى أعلم.
[1] جاء في هامش الأصل قوله أو ادعى؟ مجهول النَّسب أنه معتقه لا يظهر له لطف، فافهم. منه