2668 - (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) بضم النون، هو الفضل بن دُكين، قال (حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ) بن عبد الله بن جميل الجمحي القرشي من أهل مكَّة، مات بمكة سنة تسع وستين ومائة (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) بضم الميم (قَالَ كَتَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) هكذا أخرجه هنا، وفي الرهن مختصرًا من طريق نافع بن عمر [خ¦2514] . وأخرجه في «تفسير آل عمران» من طريق ابن جُريج عن ابن أبي مليكة مثله [خ¦4552] ، وذكر فيه قصَّة المرأتين اللَّتين ادَّعت إحداهما على الأخرى أنَّها جرحتها.
وقد أخرجه الطَّبراني من رواية سفيان عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما بلفظ (( البينة على المدَّعي واليمين على المدَّعى عليه ) )وقال لم يروه عن سفيان إلَّا الفريابي. وأخرجه الإسماعيليُّ من رواية ابن جريج بلفظ (( ولكن البينة على الطَّالب، واليمين على المطلوب ) )وقد أخرجه البيهقي من طريق عبد الله بن إدريس عن ابن جُريج وعثمان بن الأسود عن ابن أبي مُليكة قال كنت قاضيًا لابن الزُّبير على الطَّائف فذكر قصَّة المرأتين، فكتبت إلى ابن عبَّاس رضي الله عنهما، فكتب إليَّ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( لو يعطى النَّاس بدعواهم لادَّعى رجال أموال قوم ودِماءهم، ولكن البيِّنة على المدَّعي واليمين على من أنكر ) ). وهذه الزِّيادة ليست في «الصحيحين» وإسنادها حسنٌ، وقد بيَّن صلى الله عليه وسلم
ج 12 ص 302
الحكمة في كون البينة على المدَّعي واليمين على المدَّعى عليه بقوله صلى الله عليه وسلم (( لو يعطى النَّاس بدعواهم لادَّعى رجال أموال قوم ودماءهم ) ).
وقيل الحكمة في كون البينة على المدعي؛ لأنَّ جانبه ضعيفٌ؛ لأنَّه يقول خلاف الظَّاهر، فكلَّف الحجة القويَّة، وهي البينة، لأنها لا تجلب لنفسها نفعًا، ولا تدفع عنها ضرًّا فيقوي بها ضعف المدَّعي، وجانب المدعى عليه قويٌّ؛ لأنَّ الأصل فراغ ذمَّته فاكتفى منه باليمين، وهي حجَّة ضعيفةٌ؛ لأنَّ الحالف يجلب لنفسه النَّفع ويدفعُ الضرَّ.
فإن قيل قال الأصيليُّ حديث ابن عبَّاس رضي الله عنها هذا لا يصحُّ مرفوعًا، وإنَّما هو قول ابن عبَّاس رضي الله عنهما، كذا رواه أيوب ونافع الجمحي عن ابن أبي مُليكة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما.
فالجواب أنَّه رواه الشَّيخان من رواية ابن جُريج مرفوعًا، وهذا يكفي لصحَّة الرفع، ومع هذا فإن كان مراد الأصيلي جميع الحديث الذي رواه البيهقيُّ فلا يصحُّ؛ لأنَّ المقدار الذي أخرجه الشَّيخان متَّفق على صحته، وإن كان مراده هذه الزِّيادة وهي قوله (( لو يعطى النَّاس ) ). .. إلى آخره، فلا يبعد.
وقد أغرب الكرمانيُّ حيث قال في قوله باليمين؛ أي يمين المدعي، وذلك لا بدَّ أن يكون مع شاهدٍ، إذ لم يقل أحدٌ بجواز الحكم على المدعى عليه بمجرَّد اليمين. انتهى.
وغرابته لا تخفى على من نظر فيما ذكرناه من الأحاديث التي أخرجها غيره من المخرجين، ومنشأ غلطه أنَّه جعل الباء في قوله باليمين سببيَّة، وقوله (( على المدعى عليه ) )متعلقًا بقضى بمعنى حكم عليه بالحقِّ، وليس بذلك، فإنَّ المراد أنَّه قضى بثبوت اليمين، وتقرُّره على المدَّعى عليه دون المدعي، فافهم.
تتمَّة واختلف الفقهاء في تعريف المدَّعي والمدَّعى عليه، والمشهور فيه تعريفان
الأوَّل أنَّ المدَّعي من يخالف قوله الظَّاهر، والمدَّعى عليه بخلافه.
والثَّاني المدعي من إذا سكت تُرِكَ وسكوتَه، والمدَّعى عليه من لا يخلَّى إذا سكتَ، والأوَّل أشهر، والثَّاني أسلم، فقد أورد على الأول أنَّ المودَع إذا ادَّعى الرَّديء والتَّلف، فإنَّ دعواه
ج 12 ص 303
تخالف الظَّاهر، ومع ذلك فالقول قوله وذكر في تعريفهما غير ذلك.
واستدلَّ بقوله (( اليمين على المدَّعى عليه ) )للجمهور بحمله على عمومه في حقِّ كلِّ أحدٍ سواء كان بين المدعي والمدعى عليه اختلاطٌ أم لا.
وعن مالك لا تتوجَّه اليمين إلَّا على من بينه وبين المدَّعي اختلافًا؛ لئلا يبتذل أهل السَّفه أهل الفضل بتحليفهم مرارًا.
وقريبٌ من مذهب مالك قول الاصطخري من الشَّافعية أنَّ قرائن الحال إذا شهدت بكذب المدعي لم يلتفت إلى دعواه، واستدلَّ بقوله صلى الله عليه وسلم (( لادَّعى ناسٌ أموالَ رجال ودماءهم ) )على إبطال قول المالكيَّة في التَّدْمية.
ووجه الدَّلالة تسويته صلى الله عليه وسلم بين الدِّماء والأموال.
وأُجيب بأنَّهم لم يسندوا القصاص مثلًا إلى قول المدَّعي، بل للقسامة فيكون قوله ذلك؛ لوثًا يقوي جانب المدعي في بداءته بالإيمان.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة.
تكميل فإن قيل هل تثبت الحجَّة بالكتابة ويتَّصل الحديث بها؟.
فالجواب أنَّه ذكر أصحاب علوم الحديث أنَّ ذلك عند كثيرٍ من المتقدِّمين والمتأخرين معدودٌ في الموصول والمسند.