فهرس الكتاب

الصفحة 10398 من 11127

7009 - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ) بضمّ العين وفتح الفاء، قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) أي ابن سعدٍ (عَنْ عُقَيْلٌ) بضمّ العين المهملة وفتح القاف، هو ابن خالد، وفي نسخة (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريّ، أنَّه قال (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ) أي ابن حنيف (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه(قَالَ سَمِعْتُ

ج 29 ص 261

رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ بَيْنَا)بغير ميم (أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُ النَّاسَ عُرِضُوا عَلَيَّ) بضمّ العين وكسر الرّاء وتشديد التّحتيّة من عليّ (وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ) جمع قميص (فَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثَّدْيَ) بفتح المثلّثة وسكون الدّال المهملة مع التّخفيف، وفي رواية أبي ذرٍّ بضمّ ثمَّ كسر مع تشديد التّحتيّة (وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ) بتشديد الياء (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجْتَرُّهُ) بسكون الجيم وفتح الفوقيّة وتشديد الرّاء، وفي رواية ابن عساكر بضمّ الجيم وإسقاط الفوقيّة.

(قَالُوا فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ الدِّينَ) والأصل فيه قوله تعالى {وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} [الأعراف 26] والعرب تكني بالفضل والعفاف بالقميص، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم لعثمان رضي الله عنه (( إنَّ الله سيلبسك قميصًا فلا تخلعه ) )، أخرجه أحمد والتِّرمذيّ وابن ماجه، وصحَّحه ابن حبَّان، واتَّفق أهل التَّعبير على أنَّ القميص يعبر بالدِّين، وأنَّ طوله يدلُّ على بقاء آثار صاحبه من بعده.

وفي الحديث أنَّ أهل الدِّين يتفاضلون في الدِّين بالقلَّة والكثرة، وبالقوَّة والضَّعف، وهذا من أمثلة ما يحمد في المنام، ويذمُّ في اليقظة شرعًا، أعني جرَّ القميص، لما ثبت من الوعيد في تطويله، ومثله ما سيأتي في (( باب القيد ) ) [خ¦7017] ، وعكس هذا ما يذمُّ في المنام ويحمد في اليقظة.

وفي الحديث مشروعيَّة تعبير الرُّؤيا وسؤال العالم بها عن تعبيرها، ولو كان هو الرَّائي، وفيه الثَّناء على الفاضل بما فيه لإظهار منزلته عند السَّامعين، ولا يخفى أنَّ محلَّ ذلك إذا أمن عليه من الفتنة بالمدح كالإعجاب، وفيه فضيلة لعمر رضي الله عنه، وقد تقدّم الجواب عمَّا يستشكل من ظاهره، وإيضاح أنَّه لا يستلزم أن يكون أفضل من أبي بكرٍ رضي الله عنه.

وملخَّصه أنَّ المراد بالأفضل من يكون أكثر ثوابًا، والأعمال علامات الثّواب، فمن كان عمله أكثر فدينه أقوى، ومن كان دينه أقوى فثوابه أكثر، فهو أفضلُ، فيكون عمر رضي الله عنه أفضل من أبي بكرٍ رضي الله عنه.

وملخَّص الجواب أنَّه ليس في الحديث تصريحٌ بالمطلوب، فيحتمل أن يكون أبو بكرٍ رضي الله عنه

ج 29 ص 262

لم يعرض في أولئك النَّاس، إمَّا لأنَّه كان قد عرض قبل ذلك، وإمَّا لأنَّه لا يعرض أصلًا، وأنَّه لما عرض كان عليه قميصٌ أطول من قميص عمر، ويحتمل أن يكون سرّ السُّكوت عن ذكره الاكتفاء بما علم من أفضليَّته، ويحتمل أن يكون وقع ذكره فذهل عنه الرَّاوي، وعلى التنزّل بأنَّ الأصل عدم جميع الاحتمالات فهو معارضٌ بالأحاديث الدَّالة على أفضليَّة الصِّدّيق رضي الله عنه، وقد تواترت تواترًا معنويًا فهي المعتمدة.

وأقوى هذه الاحتمالات أن لا يكون أبو بكرٍ رضي الله عنه عُرض مع المذكورين، والمراد من الخبر التَّنبيه على أنَّ عمر رضي الله عنه ممَّن حصل لهم الفضل البالغ في الدِّين، وليس فيه ما يصرّح بانحصار ذلك فيه، وقال ابن العربيّ إنما أوَّله النَّبيّ صلى الله عليه وسلم بالدِّين؛ لأنَّ الدِّين يستر عورة الجهل، كما يستر الثَّوب عورة البدن، قال وأمَّا غير عمر، فالَّذي كان يبلغ الثَّدي هو الّذي يستر قلبه عن الكفر وإن كان يتعاطى المعاصي، والَّذي كان يبلغ أسفل من ذلك وفرجه بادٍ هو الَّذي لم يستر رجله عن المشي إلى المعصية، والَّذي يستر رجليه هو الَّذي احتجب بالتَّقوى من جميع الوجوه، والَّذي يجرُّ قميصه زائدٌ على ذلك بالعمل الصَّالح الخالص.

وقال ابنُ أبي جمرة ما ملخّصه إنَّ المراد بالنَّاس في هذا الحديث المؤمنون لتأويله القميص بالدِّين، قال والَّذي يظهر أنَّ المراد خصوص هذه الأمة المحمديَّة بل بعضها، والمراد بالدِّين العمل بمقتضاه كالحرص على امتثال الأوامر واجتنابِ المناهي، وكان لعمر رضي الله عنه في ذلك المقام العالي قدم عالٍ.

قال ويؤخذ من الحديث أنَّ كلَّ ما يرى في القميص من حسنٍ أو غيره، فإنَّه يعبّر بدين لابسه، قال والنُّكتة في القميص أنَّ لابسه إذا اختار نزعه وإذا اختار بقاءه، فلمَّا ألبس الله المؤمنين لباس الإيمان واتَّصفوا به كان الكامل في ذلك سابغ الثَّوب، ومن لا فلا، وقد يكون نقص الثَّوب بسبب نقص الإيمان، وقد يكون بسبب نقص العمل، والله تعالى أعلم.

وقال غيره القميصُ في الدُّنيا يستر عورةً، فما زاد على ذلك كان مذمومًا، وفي الآخرة زينة محضة

ج 29 ص 263

فناسب أن يكون تعبيره بحسب هيئتهِ من زيادةٍ ونقصٍ ومن حسن وضده، فمهما زاد من ذلك كان من فضل لابسهِ، وينسب لكلٍّ ما يليق به من دينٍ أو علم أو جمال أو حلم أو لغير ذلك، وضدّه لضدّه، والله تعالى أعلم.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( وعليه قميصٌ يجترّه ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت