فهرس الكتاب

الصفحة 10726 من 11127

9 - (باب مَا يَجُوزُ مِنَ اللَّوْ) بالألف واللامين وواو ساكنة مخفَّفة في الفرع وأصله، ويروى بتشديدها. واستشكل بأنَّ (( لو ) )حرف، وأهل العربيَّة لا يجيزون دخول الألف واللام على الحروف، قاله القاضي عياض. وأُجيب بأنَّ (( لو ) )هنا مسمَّى بها، فهي اسمٌ زِيْدَ فيه واو أخرى، ثمَّ أدغمت الأولى في الثَّانية على القاعدة المقرَّرة في بابها، فلا بدع إذن في دخول علامات الأسماء عليها، إذ لم تدخل وهي حرفٌ، إنَّما وهي اسم.

وقال «صاحب النِّهاية» أصل (( لو ) )ساكنة [الواو] وهي حرفٌ من حروف المعاني، يمتنع بها الشَّيء لامتناع غيره غالبًا، فلمَّا سُمي بها

ج 29 ص 668

زِيْد فيها، فلمَّا أرادوا إعرابها أتوا فيها بالتَّعريف ليكون علامةً لذلك، ومن ثمَّه تُشدد الواو، وقد سمع بالتشديد منونًا، قال الشَّاعر

~أُلَامُ عَلَى لَوٍّ وَلَوْ كُنْتُ عَالِمًا بِأَدْبَارِ لَوٍّ لَمْ تَفُتْنِي أَوَائِلُهُ

وقال آخر

~لَيْتَ شِعْرِي وَأَيْنَ مِنِّي لَيْتَ إِنَّ لَيْتًا وَإِنَّ لَوًّا عَنَاءُ

وقال آخر

~حَاوَلْتُ لَوًّا فَقُلْتُ لَهَا إِنَّ لَوَّا ذَاكَ أَعْيَانًا

وقال الشَّيخ تقي الدِّين بن السَّبكي (( لو ) )إنَّما يدخلها الألف واللام إذا بقيت على الحرفية، أمَّا إذا سمِّي بها فهي من جملة الحروف الَّتي سمعت التَّسمية بها من حروف الهجاء وحروف المعاني.

ومن شواهده قوله

~وَقَدَمًا أَهْلَكْتُهُ لَوُّ كَثِيرًا وَقَبْلَ الْيَوْمِ عَالَجَهَا قِدَارُ

فأضاف إليها واوًا أخرى، وأدغمها وجعلها فاعلًا.

وحكى سيبويه أنَّ بعض العرب يهمز [لوًَّا] سواءً كانت باقية على حرفيَّتها، أو سُمِّي بها، وأمَّا حديث (( إيَّاك ولو فإنَّ لو تفتح عمل الشَّيطان ) )فلا يلزم من جعلها اسم (( إنَّ ) )، أن تكون خرجت من الحرفية، بل هو إخبارٌ لفظيٌّ يقعُ في الاسم والفعل والحرف كقولهم حرفُ (( عن ) )ثنائي، وحرفُ (( إلى ) )ثلاثي، هو إخبار عن اللَّفظ على سبيل الحكاية، وأمَّا إذا أُضيف إليها الألف واللام، فإنَّها تصير اسمًا، ويكون إخبارًا عن المعنى المسمَّى بذلك اللَّفظ.

ومقصود البخاري بالتَّرجمة وأحاديثها أنَّ النُّطق بـ (( لو ) )لا يكره على الإطلاق، وإنَّما يكره في شيءٍ مخصوصٍ يُؤخذ ذلك من قوله (( من اللَّو ) )، فأشار إلى التَّبعيض ولورودها في الأحاديث الصَّحيحة. وقيل إنَّ البخاري أشار بقوله (( ما يجوز من اللَّو ) )إلى أنَّ اللَّو في الأصل لا يجوز إلَّا ما استثني نحو ما عند النَّسائي وابن ماجه من طريق محمَّد بن عجلان، عن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه، يبلغ به النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( المؤمن القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضَّعيف، وفي كلٍّ خير، احرصْ على ما ينفعُك ولا تعجزْ، فإن غلبك أمرٌ فقل قدَّر الله وما شاءَ فعل، وإيَّاك واللَّو، فإنَّ اللو تفتح عمل الشَّيطان ) )، هذا لفظ ابن ماجه، ولفظ النَّسائي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، والباقي سواءٌ، إلَّا أنَّه قال (( وما شاء وإيَّاك [واللو] ) ). وأخرجه النَّسائي والطَّبري والطَّحاوي من طريق عبد الله بن إدريس عن ربيعة بن عثمان فقال عن محمَّد بن يحيى بن حسَّان [1] عن الأعرج. ولفظ النَّسائي (( وفي كلٍّ خير ) )وفيه (( احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإذا أصابك

ج 29 ص 669

شيءٌ فلا تقل لو أنِّي فعلت كذا وكذا، ولكن قل قدَّر الله وما شاءَ الله فعل )) .

قال الحافظ العَسقلاني وهذه الطَّريق أصحُّ طُرق هذا الحديث.

وقوله (( فإنَّ لو تفتحُ عمل الشَّيطان ) )أي يلقي في القلبِ معارضة القدر، فيشوش به الشَّيطان. ولا معارضة بين ما ورد من الأحاديث الدَّالة على الجواز، والدَّالة على النَّهي؛ لأنَّ النَّهي مخصوصٌ بالجزم بالفعل الَّذي يقع، فالمعنى لا تقل لشيءٍ لم يقع إنِّي لو فعلت كذا لوقع قاضيًا بتحتُّم ذلك غير مُضمرٍ في نفسك شرط مشيئة الله تعالى.

وما ورد من قول (( لو ) )محمولٌ على ما إذا كان قائله موقنًا بالشَّرط المذكور، وهو أنَّه لا يقعُ شيءٌ إلَّا بمشيئة الله تعالى، قاله الطَّبري، وهو كقول أبي بكرٍ رضي الله عنه في الغار (( لو أنَّ أحدهم رفع قدمه لأبصرنا ) )، فجزم بذلك مع تيقُّنه أنَّ الله قادرٌ على أن يصرفَ أبصارهم عنها بعمى أو غيره، لكن جرى على حكم العادة الظَّاهرة، وهو موقنٌ بأنَّهم لو رفعوا أقدامهم لم يبصروهما، إلَّا بمشيئة الله تعالى.

هذا وقيل الظَّاهر أنَّ النَّهي عن إطلاق ذلك فيما لا فائدة فيه. وأمَّا من قال ذلك تأسُّفًا على ما فاته من طاعة الله تعالى، أو ما هو متعذَّر عليه منه فلا بأس. وعليه يحملُ أكثر ما ورد في الاستعمال الموجود في الأحاديث، والله تعالى أعلم.

وقال القرطبيُّ في «المفهم» إنَّ الَّذي يتعيَّن بعد وقوع المقدور التَّسليمُ لأمر الله، والرِّضا بما قدَّر، والإعراض عن الالتفات لِمَا فات، فإنَّه إذا فكَّر فيما فات من ذلك فقال لو أنِّي فعلت كذا لكان كذا، جاءته وساوس الشَّيطان، فلا تزال به حتَّى تفضي إلى الخسران، فيعارِض بتوهُّم التَّدبير سابق المقادير، وهذا هو عمل الشَّيطان المنهيُّ عن تعاطي أسبابه بقوله (( فلا تقل لو، فإنَّ لو تفتح عمل الشَّيطان ) ).

وليس المراد ترك النُّطق بـ (( لو ) )مطلقًا؛ إذ قد نطق بها النَّبي صلى الله عليه وسلم في عدَّة أحاديث، ولكن محل النَّهي عن إطلاقها إنَّما هو فيما إذا أطلقت معارضةً للقدر مع اعتقاد أنَّ ذلك المانع لو ارتفعَ لوقع خلاف المقدور، لا ما إذا أخبر بالمانع على جهة أن يتعلَّق به فائدة في المستقبل، فإنَّ مثل هذا لا يُختَلف في جواز إطلاقه، وليس فيه فتحٌ لعمل الشَّيطان، ولا ما يفضي إلى تحريم.

(وَقَوْلِهِ تَعَالَى {لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً} ) هذا حكايةٌ عن قول لوط عليه السَّلام، وتمامه {أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} [هود 80] .

وجواب (( لو ) )محذوف كأنَّه قال لقابلتكم

ج 29 ص 670

ولحُلْتُ بينكم وبين ما جئتُم له من الفساد، وحذفه أبلغ؛ لأنَّه يَحْصِر بالنَّفي ضروبَ المنع، وإنَّما أراد لوط عليه السَّلام العدَّة من الرِّجال، والمعنى لو كان لي قوَّة؛ أي منعةً وشيعة تنصرني، وإلَّا فهو يعلم أنَّ له من الله ركنًا شديدًا، ولكنَّه جرى على الظَّاهر.

وتضمَّنت الآية البيان عمَّا يوجبُه حال المؤمن إذا رأى منكرًا لا يقدرُ على إزالته أن يتحسَّر على فقد المعين على دفعه، ويتمنَّى وجوده، حرصًا على طاعة ربِّه، وجزمًا من استمرار معصيته، ومن ثمَّة وجب أن ينكرَ بلسانه، ثمَّ بقلبه إذا لم يُطِق الدَّفع، والله المعين.

ثمَّ مقصود البخاري هو الاحتجاج به على جواز استعمال (( لو ) )في الكلام. وقد مرَّ الكلام في ذلك، وكلمة (( لو ) )تدلُّ على امتناع الشَّيء لامتناع غيره، تقول لو جاءني زيدٌ لأكرمتك، معناه أنِّي امتنعت من إكرامك لامتناع مجيء زيدٍ.

وتكون بمعنى (( إن ) )الشَّرطية نحو {وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} [البقرة 221] ؛ أي وإن أعجبتكم، وللتَّقليل، نحو (( التمس ولو خاتمًا من حديد ) )، وللعرض، نحو لو تنزل عندنا؛ فتصيب خيرًا، وللحضِّ، نحو لو فعلت كذا، يعني افعل. وبمعنى التَّمني، نحو {لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً} [الشعراء 102] ؛ أي فليت لنا كرَّة، ولهذا نصبَ فيكون في جوابها كما نصب {فَأَفُوزَ} [النساء 73] في جواب ليت.

واختلف هل هي الامتناعيَّة أُشربت بمعنى التَّمني، أو المصدرية، أو قسمٌ برأسها؟ رجَّح الأخيرين ابن مالك.

[1] في هامش الأصل في نسخة حبان. وهي كذلك في مطبوع الفتح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت