فهرس الكتاب

الصفحة 9963 من 11127

9 - (باب الاِسْتِثْنَاءِ فِي الأَيْمَانِ) وفي بعض النُّسخ والاستثناء استفعالٌ من الثُّنيا _ بضم المثلثة بعدها تحتانية _، ويُقال لها الثَّنوى أيضًا بواو بدل الياء مع فتح أوله، وهي من ثنيت الشَّيء إذا عطفتُه؛ كأنَّ المستثنى عطف بعض ما ذكره؛ لأنَّها في الاصطلاح إخراج بعضِ ما تناوله اللَّفظ، وأداتها إلَّا وأخواتها، ويُطلق أيضًا على التَّعليق، ومنها التَّعليق على المشيئة، وهو المراد في هذه التَّرجمة، فإذا قال لأفعلنَّ كذا إن شاء الله تعالى استثنى، وكذا إذا قال لا أفعلُ كذا إن شاء الله تعالى.

ومثله في الحكم أن يقول إلَّا إن شاء الله، أو إلَّا أن يشاءَ الله، ولو أتى بالإرادة، أو الاختيار بدل المشيئة جاز، فلو لم يفعل إذا أثبت، أو فعل إذا نفى لم يحنث، ولو قال إلَّا إن غيَّر الله نيَّتي أو بدَّل،

ج 28 ص 193

أو إلَّا أن يبدو لي أو يظهر، أو إلَّا أن أشاء، أو أريد، أو أختار فهو استثناءٌ لكن بشرط وجود المشروط.

واتَّفق العلماء كما حكاه ابن المنذر على أنَّ شرط الحكم بالاستثناء أن يتلفَّظ بالمستثنى به، وأنَّه لا يكفي القصد إليه بغير لفظٍ.

وذكر القاضي عياض أنَّ بعض المتأخِّرين خَرَّج من قول مالك إنَّ اليمين تنعقد بالنِّيَّة أنَّ الاستثناء يُجزئ بالنِّيَّة، لكن نُقل في «التهذيب» أنَّ مالكًا نصَّ على اشتراط التَّلفُّظ. وأجاب الباجي بعقد الاستثناء فإنَّه حلٌّ والعقد أبلغ من الحلِّ فلا يلتحق باليمين.

قال ابنُ المنذر واختلفوا في وقته فالأكثر على أنَّه يشترطُ أن يتَّصل بالحلف. قال مالكٌ إذا سكت أو قطع كلامه فلا استثناء. وقال الشافعي يشترط وصل الاستثناء بالكلام الأول، ووصله أن يكون نسقًا فإن كان بينهما سكوتٌ انقطع إلَّا إذا كانت سكتةً بذكر، أو نفسٍ، أو عيٍّ، أو انقطاع صوتٍ، وكذا يقطعه الأخذ في كلامٍ آخر ولو كان يسيرًا.

واختلف هل يقطعه ما يقطعُ القبول عن الإيجاب على وجهين للشَّافعي أصحُّهما أن ينقطعَ بالكلام اليسير الأجنبي وإن لم ينقطع به الإيجاب والقبول. وفي وجهٍ لو تخلَّل أستغفر الله لم ينقطع، وتوقَّف فيه النَّووي، ونصُّ الشَّافعي يؤيِّده حيث قال بذكر فإنَّه من صور الذِّكر عرفًا، ويلتحق به لا إله إلا َّالله ونحوه. وقال إبراهيم والحسن والثَّوري وأبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي واللَّيث وجمهور العلماء شرطه أن يتَّصل بالحلف عرفًا. وعن طاوس والحسن له أن يستثنيَ ما دام في المجلس، وعن أحمد نحوه حيث قال ما دام في ذلك الأمر، وعن إسحاق مثله. وقال إلَّا أن يقعَ سكوت ثمَّ عود إلى ذلك الأمر، وعن قتادة إذا استثنى قبل أن يقوم، أو يتكلَّم، وعن عطاء قدر حلب ناقةٍ، وعن سعيد بن جبير إلى أربعة أشهر، وعن مجاهد بعد سنتين.

وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أقوالٌ منها له ذلك ولو بعد حينٍ، وعنه كقول سعيد، وعنه شهر، وعنه سنةٌ، وعنه أبدًا، حكاه ابن القصَّار.

ج 28 ص 194

وقال أبو عبيد وهذا لا يؤخذ على ظاهره؛ لأنَّه يلزم منه أن لا يحنث أحدٌ في يمينه، وأن لا تتصوَّر الكفَّارة الَّتي أوجبها الله تعالى على الحالف. قال ولكن وجه الخبر سقوط الإثم عن الحالف؛ لتركه الاستثناء المأمور به في قوله تعالى {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا*إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الكهف 23 - 24] .

فقال ابن عبَّاس رضي الله عنهما إذا نسي أن يقول إن شاء الله يستدركه، ولم يُرِد أنَّ الحالف إذا قال ذلك بعد أن انقضى كلامه أنَّ ما عقده باليمين ينحلُّ، وحاصله حمل الاستثناء المنقول عنه على لفظ إن شاء الله فقط، وحمل إن شاء الله على التَّبرُّك، وعلى ذلك حُمِل الحديث المرفوع الَّذي أخرجه أبو داود وغيره موصولًا ومرسلًا أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( والله لأغزونَّ قريشًا ثلاثًا، ثمَّ سكت ثمَّ قال إن شاء الله ) )، أو على السُّكوت لتنفُّسٍ ونحوه، وكذا ما أخرجه ابن إسحاق في سؤال من سأل النَّبي صلى الله عليه وسلم عن قصَّة أصحاب الكهف فقال (( غدًا أجيبكم ) ). فتأخَّر الوحي فنزلت {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا*إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الكهف 23 - 24] فقال (( إن شاء الله ) )، ومع هذا لم يرد هكذا من وجهٍ ثابت.

وقال أبو البركات النَّسفي في «مختصر الكشاف» له وهذا عن ابن عبَّاسٍ محمولٌ على تدارك التَّبرُّك بالاستثناء، فأمَّا الاستثناء المغير حكمًا فلا يصحُّ إلَّا متَّصلًا. وحكي أنَّه بلغ المنصور أنَّ أبا حنيفة خالف ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما في الاستثناء المنفصل فاستحضره لينكر عليه. فقال أبو حنيفة هذا يرجع عليك أنَّك تأخذ البيعة بالأيمان، أفترضى أن يخرجوا من عندك فيستثنوا فيخرجوا عليك فاستحسن كلامه، وأمر بإخراج الطَّاعن. انتهى.

وقال ابن جرير أيضًا معنى قول ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّه يستثني ولو بعد سنةٍ؛ أي إذا نسي أن يقول في حلفه، أو كلامه إن شاء الله، وذكر ولو بعد سنة، فالسنة له أن يقول ذلك؛ ليكون آتيًا بسنة الاستثناء، حتَّى ولو كان

ج 28 ص 195

بعد الحنث، وليس مراده أن ذلك كان رافعًا لحنث اليمين، ومسقطًا للكفَّارة.

قال ابن كثير وهذا الَّذي قاله ابنُ جرير هو الصَّحيح، وهو الأليقُ بحمل كلام ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما، والله تعالى أعلم.

وممَّا يدلُّ على اشتراط اتِّصال الاستثناء بالكلام قوله في الحديث الَّذي في الباب (( فليُكفِّر عن يمينه ) )فإنَّه لو كان الاستثناء يفيدُ بعد قطع الكلام لقال فليستثن؛ لأنَّه أسهل من التَّكفير، وكذا قوله تعالى {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ} [ص 44] .

فإنَّ قوله استثن أسهل من التَّحيُّل لحلِّ اليمين بالضَّرب هذا، وكذلك يلزم منه بطلان الإقرارات والطَّلاق والعتق، فيستثني من إقرارٍ أو طلاقٍ أو عتق بعد زمان، ويرتفع حكم ذلك. فالأولى بل الصَّواب تأويل ما نقل عن ابن عبَّاسٍ وغيره من السَّلف في ذلك، وإذا تقرَّر ذلك؛ فقد اختلف هل يشترط قصد الاستثناء من أوَّل الكلام أو لا؟.

حكى الرَّافعي فيه وجهين، ونقل عن أبي بكر الفارسي أنَّه نقل الإجماع على اشتراط وقوعه قبل فراغ الكلام، وعلَّله بأنَّ الاستثناء بعد الانفصال ينشأ بعد وقوع الطَّلاق مثلًا، وهو واضحٌ، والإجماع المذكور إجماع من قال يشترط الاتصال، وإلَّا فالحلف ثابتٌ، ثمَّ إنَّه على ثلاث صورٍ أن يقصدَ من أوله، أو في أثنائه، أو قبل فراغه وأمَّا بعد تمامه فلا يفيد، فافهم.

وقال ابن العربي قال بعضُ علمائنا يُشترط الاستثناء قبل تمام اليمين. قال والَّذي أقول إنَّه لو نوى الاستثناء مع اليمين لم يكن يمينًا ولا استثناء، وإنَّما حقيقة الاستثناء أن يقعَ بعد اليمين فيحلُّها الاستثناء المتَّصل باليمين. واختلفوا أيضًا في دخول الاستثناء في كلِّ ما يُحلف به، فقال ابنُ أبي ليلى والأوزاعي لا يدخل في الطَّلاق والعتق والمشي إلى بيت الله، وكذا جاء عن طاوس وعن مالك مثله، وعنه إلَّا المشي. وقال الحسن وقتادة واللَّيث يدخل في الجميع إلَّا الطَّلاق، وعن أحمد يدخل في الجميع إلَّا العتق، واحتجَّ بتشوُّف الشَّارع له، وورد فيه حديث عن معاذ رضي الله عنه رفعه (( إذا قال

ج 28 ص 196

لامرأته أنت طالقٌ إن شاء الله لم تُطلَّق، وإن قال لعبده أنت حرٌّ إن شاء الله فإنَّه حرٌّ )) .

قال البيهقي تفرَّد به حُميد بن مالك وهو مجهولٌ، واختلف عليه في إسناده، واحتجَّ من قال بأنَّه لا يدخل في الطَّلاق بأنَّه لا تحلُّه الكفَّارة، وهي أغلظ على الحالف من النُّطق بالاستثناء، فلمَّا لم يحلَّه الأقوى لم يحلَّه الأضعف.

وقال ابن العربي الاستثناء أخو الكفَّارة، وقد قال الله تعالى {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} [المائدة 89] ؛ فلا يدخل في ذلك إلَّا اليمين الشَّرعيَّة وهي الحلف بالله. وحكى العيني أنَّهم اختلفوا في الاستثناء في الطَّلاق والعتق، فقال ابنُ أبي ليلى والأوزاعي واللَّيث ومالك لا يجوز الاستثناء. وروي مثله عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما وابن المسيَّب والشَّعبي وعطاء والحسن ومكحول وقتادة والزُّهري. وقال طاوس والنَّخعي والحسن وعطاء في رواية وأبو حنيفة وأصحابه والشَّافعي وأصحابه وإسحاق يجوز الاستثناء. انتهى، فتذكر، فتفطن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت