فهرس الكتاب

الصفحة 6550 من 11127

6 - (باب {قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} ) لما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( أنا على ملَّة إبراهيم ) )قالت اليهود كيف وأنت تأكلُ لحوم الإبل وألبانها؟ فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( كان ذلك حلالًا لإبراهيم عليه السَّلام فنحن نُحلُّه ) )فقالت اليهود لسنا بأوَّل من حُرِّمت عليه ما نحرِّمه، وما هو إلَّا تحريمٌ قديمٌ كان محرَّمًا على نوحٍ وعلى إبراهيم ومن بعده من بني إسرائيل وهلمَّ جرًّا إلى أن انتهى التَّحريم إلينا، فأنزلَ الله تعالى تكذيبًا لهم وردًّا عليهم حيث أرادوا براءة ساحتهم ممَّا نعي عليهم في القرآن من البغي والظُّلم والصَّدِّ عن سبيل الله وأكل الرِّبا وأخذ أموال النَّاس بالباطل، وما عدده من مساوئهم الَّتي كلَّما ارتكبوا منها كبيرة حرم عليهم من الطَّيِّبات عقوبةً لهم، قال تعالى {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} إلى قوله {عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء 18] وقال تعالى {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} إلى قوله {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ} [الأنعام 146] فقال تعالى {كُلُّ الطَّعَامِ} أي كلُّ المطعومات، أو كلُّ أنواع الطَّعام {كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ} أي كان حلالًا لهم، والحلُّ مصدر، يُقال حلَّ الشَّيء حلًّا كقولك ذلت الدَّابة ذلًّا، وعزَّ الرَّجل عزًّا.

وفي حديث عائشة رضي الله عنها كنت أطيِّبه لحلِّه وحرمه، ولذلك استوى في الوصف به المذكَّر والمؤنث والواحد والجمع، قال الله تعالى {لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} [ممتحنة 10] {إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ} وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السَّلام {عَلَى نَفْسِهِ} والَّذي حرَّمه على نفسه لحوم الإبل وألبانها، وقيل العروق {مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ} قيل كان به عرق النِّسا فنذر إن شُفيَ أن يحرِّمَ على نفسه أحب الطَّعام إليه، وكان ذلك سائغًا في شرعهم، وكان ذلك المذكور أحبَّ الطَّعام إليه فحرمه، وقيل أشارت إليه الأطبَّاء باجتنابه ففعلَ ذلك للتَّداوي بإذنٍ من الله تعالى فهو كتحريم الله ابتداءً، فلا حجَّة فيه لمن جوَّز للنَّبي أن يجتهدَ في تحليل شيءٍ وتحريمه.

والمعنى أنَّ المطاعم كلها لم تزل حلالًا لبني إسرائيل من قبل إنزال التَّوراة، وتحريم ما حرم عليهم منها لظلمهم وبغيهم لم يحرم منها شيءٌ قبل ذلك غير المطعوم الواحد الَّذي حرَّمه أبوهم إسرائيل على نفسه، فتبعوه على تحريمه، ثمَّ أمر الله تعالى نبيَّه

ج 19 ص 205

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأن يحاج اليهود بكتابهم ويبكتهم بما هو ناطقٌ به من أنَّ تحريمَ ما حرم عليهم تحريم حادثٍ بسبب ظلمهم وبغيهم لا تحريم قديم كما يدعونه، فقال تعالى {قُلْ} أي لليهود {فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا} أي فاقرؤوها {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} فيما تدعونه. فروي أنَّهم لم يجسروا على إخراج التَّوراة، وبهتوا فانقلبوا صاغرين، وفي ذلك حجَّةٌ بيِّنةٌ على صدق النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعلى جواز النَّسخ الَّذي ينكرونه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت