ج 2 ص 610
إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ وَخَافَ فوْتَ الصَّلاَةِ)أي أيتيمم؟.
قيده بشرطين أحدهما فقدان الماء.
والآخر خوف خروج وقت الصلاة، ويدخل في فقدان الماء عدم القدرة عليه، وإن كان واجدًا نحو ما إذا وجده في بئر، وليس عنده آلة الاستقاء، أو حال بينه وبينه سبع أو عدو.
ووجه المناسبة بين البابين أن الباب الأول كان في عادم الماء في السفر، وهذا في عادم الماء في الحضر.
(وَبِهِ) أي بما ذكر من أن فاقد الماء في الحضر الخائف من فوت الوقت يتيمم (قَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباح، وهذا التعليق رواه ابن أبي شيبة في (( مصنفَّه ) )موصولًا عن عمر، عن ابن جريج، عن عطاء قال (إذا كنت في الحضر وحضرت الصلاة وليس عندك ماء فانتظر الماء، فإن خشيت فوت الصلاة فتيمم وصل) ، وبه أيضًا قال الشافعي، لكنه حكم بوجوب القضاء.
ومذهب الحنفية جواز التيمم لعادم الماء في الأمصار، ذكره في (( الأسرار ) ).
وفي (( شرح الطحاوي ) )التيمم في المصر لا يجوز إلا في ثلاث
إحداها إذا خاف فوت صلاة الجنازة إن توضأ.
والثانية عند خوف فوت صلاة العيد.
والثالثة عند خوف الجنب من البرد بسبب الاغتسال.
وقال الإمام التمرتاشي من عَدِمَ الماءَ في المِصْر لا يجوز له التيمم؛ لأنه نادر، هذا والأصل جواز التيمم لعادم الماء سواء كان في المصر، أو خارجه؛ لعموم النصوص.
وفي كتاب (( الأحكام ) )لابن بِزَيزَة الحاضر الصحيح يَعْدَمُ الماءَ هل يتيمم أو لا؟
قالت طائفة يتيمم، وهو مذهب ابن عمر وعطاء والحسن وجمهور العلماء، وقال قوم من العلماء لا يتيمم، وعن أبي حنيفة يستحب لعادم الماء وهو يرجوه أن يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت؛ ليقع الأداء بأكمل الطهارتين، وعن محمد إن خاف فوت الوقت يتيمم.
وفي (( شرح الأقطع ) )التأخير عن أبي حنيفة ويعقوب حَتْمٌ، كأنه يشير إلى ما رواه الدارقطني من حديث أبي إسحاق، عن علي رضي الله عنه «إذا أجنب الرجل في السفر تَلَوَّمَ ما بينه وبين آخر الوقت، فإن لم يجد الماء تيمم ثمَّ صلى» .
قال ابن حزم وبه قال سفيان بن سعيد وأحمد بن حنبل وعطاء، وقال مالك لا يعجل ولا يؤخر، ولكن في وسط الوقت، وقال مرة إن أيقن بوجود الماء قبل خروج الوقت أخره إلى وسط الوقت وإن كان موقنًا أنه لا يجد الماء حتى يخرج الوقت، فليتيمم في أول الوقت ويصلي.
وعن الأوزاعي
ج 2 ص 611
كل ذلك سواء، وعند مالك إذا وجد الماء الحاضر في الوقت هل يعيد أو لا؟ فيه قولان في (( المدونة ) )، وقيل إنَّه يعيد أبدًا.
(وَقَالَ الْحَسَنُ) أي البصري (فِي الْمَرِيضِ عِنْدَهُ الْمَاءُ) وفي بعض النسخ بالتنكير (وَلاَ يَجِدُ مَنْ يُنَاوِلُهُ) أي يعطيه الماء ويساعده على استعماله (يَتَيَمَّمُ) وفي بعض النسخ على صيغة الماضي، وعند الشافعية يتيمم إذا خاف من الماء محذورًا وإن وجد معينًا، ولا يجب عليه القضاء، وهذا التعليق وصله إسماعيل القاضي في (( الأحكام ) )من وجه صحيح.
وروى ابن أبي شيبة من وجه آخر عن الحسن وابن سيرين قالا «لا يتيمم ما رجا أن يقدر على الماء في الوقت» ، وهو ومفهومه يوافق ما قبله، فافهم.
(وَأَقْبَلَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطاب رضي الله عنهما، ومعه نافع كما وقع في الرواية (مِنْ أَرْضِهِ بِالْجُرُفِ) بضم الجيم والراء وقد تسكن الراء، وهو ما يجري فيه السيول، وأكلته من الأرض، والجمع جِرَفة بكسر الجيم وفتح الراء، وزعم الزبير أن الجرف على ميل من المدينة، وقال ابن إسحاق على فرسخ، وهناك كان المسلمون يعسكرون إذا أرادوا الغزو، وزعم ابن قُرقُول أنه على ثلاثة أميال إلى جهة الشام، به مالُ عمر وأموال أهل المدينة، ويُعْرَفُ ببئر جُشَم وبئر جَمَل.
(فَحَضَرَتِ الْعَصْرُ) أي صلاة العصر، ولهذا أنث الفعل (بِمَرْبَدِ النَّعَمِ) قال السفاقسي رويناه بفتح الميم وهو في اللغة بكسرها.
وفي (( المحكم ) )المربد محبس الإبل، وقيل هي خشبة، أو عصى يعترض صدور الإبل فيمنعها من الخروج، ومربد البصرة من ذلك؛ لأنهم كانوا يحبسون فيه الإبل، ومربد التمر جرينه الذي يوضع فيه بعد الجذاذ لييبس.
وقال السهيلي المربد والجرين والمِسْطح والبَيْدَر والأَنْدر والجرجار لغات بمعنى واحد.
والنَّعَم بفتح النون والعين، وهو المال الراعِيَةُ، وأكثر ما يقع هذا الاسم على الإبل، والمراد بمربد النَّعم هنا موضع على ميلين من المدينة.
(فَصَلَّى) أي بعد أن تيمم، كما في رواية مالك وغيره، وستأتي، وبه يطابق هذا الأثر الترجمة، والبخاري ذكر هذا المعلَّق مختصرًا، ولم يذكر التيمم حتى قال بعضهم لم يظهر لي سبب حذفه، والظاهر أنه من الناسخ، واستمر الأمر عليه.
(ثُمَّ دَخَلَ الْمَدِينَةَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ) أي عن الأفق (فَلَمْ يُعِدْ) الصلاة، وهذا يدل على أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يرى جواز التيمم للحاضر؛ لأن السفر القصير في حكم الحضر؛ لأن من يجيز التيمم في السفر يقصره على السفر الذي تقصر فيه الصلاة.
ج 2 ص 612
قال محمد بن مسلمة إنما تيمم ابن عمر رضي الله عنهما بالمربد؛ لأنه خاف فوت الوقت، وقيل لعله يريد فوت الوقت المستحب؛ لأنه دخل المدينة والشمس مرتفعة عن الأفق، وقد دخلتها الصفرة، ويحتمل أن يكون ظن أنه لا يدخل المدينة إلا بعد الغروب، فتيمم على ذلك الاجتهاد أو تيمم لا عن حدث، وإنما أراد تجديد الوضوء، فلم يجد الماء فاقتصر على التيمم عند عدم الماء عوض الوضوء.
قال سحنون في (( شرح الموطأ ) )إنَّ ابن عمر كان يتوضأ لكل صلاة، وقيل كان ابن عمر يرى أن الوقت إذا دخل حلَّ التيمم، وليس عليه أن يؤخر لقوله تعالى {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء 43] .
وقال ابن القاسم من رجا إدراك الماء في آخر الوقت فتيمم في أوله وصلى أجزأه، ويعيد في الوقت استحبابًا، فيحتمل أن ابن عمر كان يرى هذا، وقد ذهب مالك إلى عدم وجوب الإعادة على من تيمم في الحضر، وأوجبها الشافعي لندور ذلك.
وعن أبي يوسف وزفر لا يصلي إلى أن يجد الماء ولو خرج الوقت.
ثمَّ إن هذا التعليق في (( موطأ مالك ) )عن نافع «أنه أقبل هو وعبد الله من الجُرُفِ حتى إذا كان بالمرَبِد نزل عبد الله، فتيمم صعيدًا طيبًا، فمسح وجهه ويديه إلى المرفقين، ثمَّ صلى» ، ورواه الشافعي عن سفيان بن عيينة، عن ابن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر بلفظ «ثمَّ صلى العصر، ثمَّ دخل المدينة والشمس مرتفعة، فلم يعد الصلاة» ، قال الشافعي والجرف قريب من المدينة، ورواه البيهقي من حديث عمرو بن محمد بن أبي رَزِيْن حدَّثنا هشام بن حسان، عن عبيد الله، عن نافع، عن عبد الله «أن النبي صلى الله عليه وسلم تيمم وهو ينظر إلى بيوت المدينة بمكان يقال له مربد النعم» ، ثمَّ قال تفرد عمرو بن محمد بإسناده.
هذا، وفي (( سنن الدارقطني ) )قال حدثنا ابن صاعد حدَّثنا ابن زنبور حدَّثنا فضيل بن عياض، عن ابن عجلان، عن نافع «أن ابن عمر تيمم وصلى، وهو على ثلاثة أميال من المدينة» .
وفي حديث يحيى بن سعيد، عن نافع «تيمم عبد الله على رأس ميل أو ميلين من المدينة» .