337 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بن عبد الله بن بكير على صيغة التصغير نسبة إلى جده لشهرته به، القرشي المخزومي، أبو زكريا المصري (قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) هو ابن سعد الإمام المشهور (عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ) بفتح الراء وكسر الموحدة، ابن شرحبيل الكندي المصري، مات سنة خمس وثلاثين ومئة، وفي رواية الإسماعيلي .
(عَنِ الأَعْرَجِ) هو عبد الرحمن بن هرمز من رواية أبي هريرة،
ج 2 ص 613
وجاز ذكر الشخص باللَّقب الذَّميم إذا كان مشهورًا بذلك، وقد مر ذكره في باب حب الرسول من الإيمان [خ¦13] (قَالَ سَمِعْتُ عُمَيْرًا) بصيغة التصغير، هو ابن عبد الله الهاشمي الهلالي (مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما كذا هاهنا، وهو مولى أم الفضل بنت الحارث والدة ابن عباس رضي الله عنهم.
وقد روى ابن إسحاق هذا الحديث فقال مولى عبد الله بن عباس، وإذا كان مولى أم الفضل فهو مولى أولادها، مات بالمدينة سنة أربع ومئة، وقد روى موسى بن عقبة وابن لهيعة وأبو الحويرث هذا الحديث عن الأعرج عن أبي الجهم، ولم يذكروا بينهما عميرًا، والصواب إثباته، وليس له في (( الصحيح ) )غير هذا الحديث، وحديث آخر عن أم الفضل، ورواية الأعرج من رواية الأقران.
(قَالَ أَقْبَلْتُ أَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَسَارٍ) بفتح المثناة التحتية وتخفيف المهملة، وهو أخو عطاء بن يسار المدني التابعي المشهور، ووقع عند مسلم في هذا الحديث عبد الرحمن بن يسار، وهو وهم، وليس له في هذا الحديث رواية، ولهذا لم يذكره المصنفون في رجال الصحيحين.
(مَوْلَى مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبِي جُهَيْم) بضم الجيم وفتح الهاء على صيغة التصغير عبد الله (بْنِ الْحَارِثِ) بالمثلثة (بْنِ الصِّمَّةِ) بكسر الصاد المهملة وتشديد الميم، ابن عمرو بن عتيك الخزرجي (الأَنْصَارِيِّ) الصحابي، وللبخاري حديثان عنه، ويروى بالألف واللام، ويقال أبو الجهيم هو الحارث بن الصِّمة، فعلى هذا لفظة (ابن) زائدة بين أبي جهيم والحارث، لكن صحح أبو حاتم أن الحارث اسم أبيه لا اسمه.
ووقع في (( صحيح مسلم ) )دخلنا على أبي الجهْم، بإسكان الهاء، والصواب أنه بالتصغير، وفي الصحابة شخص آخر يقال له أبو الجهم، وهو صاحب الأنبِجَانيَّة، وهو غير هذا؛ لأنه قرشي، وهذا أنصاري.
(فَقَالَ أَبُو جُهَيْمِ) وفي رواية ، وفي أخرى (أَقْبَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ) أي من جهة الموضع الذي يعرف ببئر الجَمَل، بالجيم والميم المفتوحتين، ويروى بالألف واللام، وكذا في رواية النسائي، وهو موضع بقرب المدينة فيه مال من أموالها، وهو من العقيق.
(فَلَقِيَهُ رَجُلٌ) هو أبو الجهيم الراوي، كما صرح به الشافعي في روايته لهذا الحديث من طريق أبي الحويرث عن الأعرج (فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ) بحركات الدَّال (عَلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الْجِدَارِ) الذي هناك، وكان مباحًا فلم يحتج إلى الإذن في ذلك، أو كان مملوكًا لغيره، وكان راضيًا به، وللدارقطني من طريق ابن إسحاق، عن الأعرج (( حتى وضع يده على الجدار ) )، وزاد الشافعي فحثه بعصى.
(فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ)
ج 2 ص 614
وفي رواية بزيادة الموحدة، وعند الدارقطني وغيره (ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ) أي على الرجل (السَّلاَمَ) وزاد الطبراني في (( الأوسط ) )وقال «حتى إذا كاد الرجل أن يتوارى في السكة ضرب يديه على الحائط، فمسح ذراعيه، ثمَّ رد على الرجل السلام، إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كنت على غير طهر» .
وعند أبي داود من حديث حيوة عن ابن الهاد أن نافعًا حدثه عن ابن عمر قال «أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغائط فلقيه رجل عند بئر جَمَل فسلم عليه فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أقبل إلى الحائط، فوضع يده عليه، ثمَّ مسح وجهه ويديه، ثمَّ رد على الرجل السلام» .
وعند البزار بسند صحيح عن نافع عنه أن رجلًا مرَّ على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول، فسلم عليه الرجل فرد عليه السلام، فلما جاوزه ناداه عليه السلام فقال (( إنما حملني على الرد عليك خشية أن تذهب فتقول إني سلمت على النبي فلم يرد علي، فإذا رأيتني على هذه الحال فلا تسلم علي، فإنك إن تفعل لا أردُّ عليك ) ).
وعند الطبراني من حديث البراء بن عازب «أنه سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فلم يرد عليه حتى فرغ» ، وعنده أيضًا من حديث جابر بن سمرة، بسند فيه ضعف قال سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فلم يرد علي، ثمَّ دخل بيته فتوضأ، ثمَّ خرج فقال (( وعليك السلام ) ).
وعند الحاكم من حديث المهاجر بن قنفذ قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتوضأ فسلمت عليه فلم يرد علي، فلما فرغ من وضوئه قال (( إنه لم يمنعني من أن أرد عليك إلا أني كنت على غير وضوء ) ).
وأخرجه الطحاوي أيضًا ولفظه (( إلا أني كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة ) ).
وأخرجه أبو داود ولفظه فلم يرد حتى توضأ، ثمَّ اعتذر إليه قال (( إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة، أو على طهر ) ).
وأخرجه النسائي وابن ماجه وأحمد والبيهقي وابن حبان والطبراني وزاد (( فقمت مهمومًا فدعا بوضوء فتوضأ ورد علي وقال إني كرهت أن أذكر الله على غير وضوء ) ).
وعند ابن ماجه من حديث أبي هريرة «مر رجل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلم فلم يرد عليه، فلما فرغ ضرب بكفيه الأرض فتيمم، ثمَّ رد عليه السلام» .
قال ابن التيِّن قال بعضهم يستنبط من هذا الحديث جواز التيمم في الحضر، وعليه بوَّب البخاري، وقال بعضهم فيه التيمم في الحضر، إلا أنه لا دليل فيه على أنه رَفَعَ بذلك التيمم الحدثَ رفْعًَا استباح به الصلاة؛ لأنه إنما فعله
ج 2 ص 615
كراهة أن يذكر الله على غير طهارة، كذا رواه حماد في (( مصنفه ) ).
وقال ابن الجوزي كره أن يرد عليه السلام؛ لأنه اسم من أسماء الله تعالى، أو يكون هذا في أول الأمر، ثمَّ استقر الأمر على غير ذلك.
وفي (( شرح الطحاويِّ ) )حديث المنع من ردِّ السلام منسوخ بآية الوضوء، وقيل بحديث عائشة رضي الله عنها «كان يذكر الله على كل أحيانه» ، وقد جاء ذلك مصرحًا في حديث رواه جابر الجعفي، عن عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن حزم، عن عبد الله بن علقمة بن الفَغْواء، عن أبيه قال «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد الماء نكلمه فلا يكلمنا، ونسلم عليه فلا يسلم علينا، حتى نزلت آية الرخصة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} [المائدة 6] » .
وقال ابن دقيق العيد هذا الحديث؛ يعني حديث المهاجر بن قنفذ، معلول ومعارض، أما كونه معلولًا فلأن سعيد بن أبي عروبة كان قد اختلط في آخر عمره، فيراغى فيه سماع من سمع منه قبل الاختلاط. وقد رواه النسائي من حديث شعبة، عن قتادة به وليس فيه إنه لم يمنعني ... إلى آخره، ورواه حماد بن سلمة، عن حميد وغيره عن الحسن بن مهاجر منقطعًا، فصار فيه ثلاث علل.
وأما كونه معارضًا فلما رواه البخاري ومسلم من حديث كريب، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال «بتُّ عند خالتي ميمونة» الحديث، ففي هذا ما يدل على جواز ذكر اسم الله وقراءة القرآن مع الحدث.
وزعم الحسن أن حديث مهاجر غير منسوخ وتمسك بمقتضاه فأوجب الطهارة للذكر، وقيل يُتَأَوَّل الخبُر على الاستحباب؛ لأن ابن عمر ممن روى في هذا الباب كما مر عن قريب رأَي ذلك، والصحابي الراوي أعلم بالمقصود، هذا وقد استدل بعض أصحابنا بهذا الحديث على جواز التيمم على الحجر، قال وذلك؛ لأن حيطان المدينة مبنية بحجارة سود.
وقال ابن بطال (في تيمُّمِ النبي صلى الله عليه وسلم بالجدار ردٌّ على الشافعي في اشتراط التراب؛ لأنه معلوم أنه لم يعلق بيده تراب، إذ لا تراب على الجدار) .
وقال الكرماني (ليس فيه ردٌّ على الشافعي، إذ ليس معلومًا أنه لم يعلق به تراب، وما ذاك إلا تحكم بارد، إذ الجدار قد يكون عليه التراب، وقد لا يكون، بل الغالب وجود الغبار على الجدار مع أنه قد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم حَثَّ الجدار بالعصا ثمَّ تيمم، فيجب حمل المطلق على المقيد) . انتهى.
وقال محمود العيني الجدار إذا كان
ج 2 ص 616
من حجر لا يحتمل التراب؛ لأنه لا يثبت عليه خصوصًا جدران المدينة؛ لأنها من صخرة سوداء، وقوله مع أنه ثبت إلى آخره ممنوع؛ لأن حَثَّ الجدار بالعصا) رواه الشافعي، عن إبراهيم بن محمد، وهو حديث ضعيف.
فإن قيل كيف هو ضعيف وقد حسنه البغوي [1] ؟، فالجواب أن تحسينه ليس يعتد به، كيف وشيخ الشافعي إبراهيم بن محمد وشيخ شيخه أبو بكر الحويرث، وكلاهما ضعيفان لا يحتج بهما، قاله مالك وغيره، وأيضًا فهو منقطع؛ لأن ما بين الأعرج وأبي جهيم عميرٌ، كما سبق من البخاري وغيره، ونص عليه أيضًا البيهقي وغيره، وفيه علة أخرى وهو زيادة حك الجدار لم يأت بها أحد غير إبراهيم، والحديث رواه جماعة، وليس في حديث أحدهم هذه الزيادة، والزيادة إنما تقبل من ثقة، ولو وقف الكِرماني على ذلك لما قال (مع أنه ثبت أنه عليه السلام حَثَّ الجدار بالعصا.
وبه استدل الطحاوي أيضًا على جواز التيمم للجنازة عند خوف فواتها، وهو قول الكوفيين والليث والأوزاعي؛ لأنه عليه السلام تيمم لرد السلام في الحضر لأجل فوت الرد وإن كان ليس شرطًا، ومنع مالك وأحمد والشافعي ذلك، وهو حجة عليهم.
وفي الحديث أيضًا دلالة على جواز التيمم للنوافل كالفرائض، وقال صاحب (( التوضيح ) ) (وأَبْعَدَ من خَصَّه من أصحابنا بالفرائض) ، وفيه أيضًا أن التيمم مَسْحُ الوجه واليدين لقوله «فمسح بوجهه ويديه» ، فإن قيل أطلق اليدين فتناول إلى الكفين والمرفقين وإلى ما وراء ذلك فما المراد؟، فالجواب أن المراد منه ذراعيه، ويفسره رواية الدارقطني وغيره في هذا الحديث «فمسح وجهه وذراعيه» ، وفيه خلاف بين العلماء سيأتي بيانه، إن شاء الله تعالى، ثمَّ رواة هذا الحديث ما بين مدنيين ومصريين، وقد أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي في الطهارة.
[1] في هامش الأصل روى البغوي في (( شرح السنة ) )بإسناده من حديث الشافعي عن إبراهيم بن محمد، عن أبي بكر الحويرث، عن الأعرج، عن أبي جهيم بن الصمة قال (مررت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلمت عليه فلم يرد علي حتى قام إلى جدار فحتَّه بعصا كان معه، ثم وضع يده على الجدار فمسح وجهه وذراعيه ثم رد علي) . قال هذا حديث حسن. منه.