وقال الحافظ العسقلاني ولعلَّه أشار إلى ما رواه ابن عيينة عن الزُّهري عن عروة (( لا تقولوا كسفت الشَّمس، ولكن قولوا خسفت ) )، وهذا موقوفٌ صحيحٌ رواه سعيد بن منصور عنه.
وتعقَّبه العيني بأنَّ ترتيب البخاري يدلُّ على أنَّ الخسوف يقال في الشَّمس والقمر جميعًا؛ لأنَّه ذكر الآية، وفيها نسبة الخسوف إلى القمر، ثمَّ ذكر الحديث، وفيه نسبة الخسوف إلى الشَّمس،
ج 5 ص 349
وكذلك يقال بالكسوف فيهما جميعًا؛ لأنَّ في حديث الباب فقال في كسوف الشَّمس والقمر (( إنَّهما آيتان ) ) [خ¦1047] .
وبهذا يردُّ على عروة فيما روى الزُّهري عنه، وبما رُوِىَ في أحاديث كثيرة.
منها حديث المغيرة بن شعبة الذي مضى في أوَّل الأبواب قال (( كسفت الشَّمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ) )، الحديث. وفيه أيضًا (( إنَّ الشَّمس والقمر لا ينكسفان لموت أحدٍ ) ) [خ¦1043] ، واستعمال الكسوف للشَّمس، والخسوف للقمر اصطلاح الفقهاء، واختاره ثعلب أيضًا.
قال في «الفصيح» إن كسفت الشَّمس وخسف القمر أجود الكلامين. وذكر الجوهريُّ أنَّه أفصح. وحكى عياض عن بعضهم عكسه، وغلَّطه لثبوته بالخاء في القرآن، قال تعالى {وَخَسَفَ الْقَمَرُ} [القيامة 8] . ويدلُّ على القول الأوَّل إطلاق اللَّفظين في المحلِّ الواحد في الأحاديث.
وقال الحافظ عبد العظيم المنذري حديثُ الكسوف رواه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم سبعة عشر نفسًا، رواه جماعة بالكاف، وجماعة بالخاء، وجماعة باللَّفظين جميعًا. انتهى.
ولا ريب أنَّ مدلولَ الكسوف لغة غير مدلول الخسوف، فقيل الكسوف أن تنكسفَ ببعضها، والخسوف أن يخسفَ بكلِّها. وقيل الكسوف في الوجه الصُّفرة والتغيُّر، والخسوف هو النُّقصان، وكذلك تقول انخسفت العين إذا غارت في جفنها، وذهب نورها وضياؤها.
(وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى) في سورة القيامة ( {وَخَسَفَ الْقَمَرُ} ) إيراد البخاري هذه الآية إشارة إلى أنَّ الأجود أن يقال خسف القمر، وإن كان يجوز أن يقال كسف القمر، كما أسند الكسف إليه، كما أسند إلى الشَّمس في حديث المغيرة بن شعبة المذكور في أوَّل الأبواب [خ¦1043] وفي غيره، وكذلك في حديث الباب.
وقيل فيه إشعار بجواز الخاء في الشَّمس والقمر. وقيل فيه إشعار باختصاص القمر بخسف الذي بالخاء، واختصاص الشَّمس بـ «كسف» الذي بالكاف، كما هو المشهور عند الفقهاء، والله أعلم.