4 - (باب قَوْلِهِ) وقد سقط لفظ في رواية غير أبي ذرٍّ ( {وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} ) قال أبو عبيدة كان عيسى بن عمر يقرأ {حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} بالنصب ويقول هو ذمٌّ لها، وقد قرأها بالنصب أيضًا من الكوفيين عاصم، والباقون بالرفع على تقدير سيصلى نارًا هو وامرأته عطفًا على الضَّمير في سيصلى، و {حَمَّالَةَ} بدل منها. واسم امرأة أبي لهب العوراء، وتُكنى أمَّ جميل، وهي بنتُ حرب بن أمية أخت أبي سفيان والد معاوية،
ج 21 ص 464
وتقدَّم لها ذكرٌ في تفسير « {وَالضُّحَى} » [خ¦4950] .
ويقال إنَّ اسمها أروى، والعوراءُ لقبٌ، ويُقال لم تكن عوراء، وإنَّما قيل لها ذلك؛ لجمالها.
وروى البزَّار بإسنادٍ حسنٍ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال لما نزلت {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} جاءت امرأة أبي لهب، فقال أبو بكر للنَّبي صلى الله عليه وسلم لو تنحَّيت يا رسول الله، فإنَّها امرأةٌ بذية فقال (( إنَّه سيحال بيني وبينها ) )فقالت يا أبا بكر هجاني صاحبك، قال لا وربِّ هذا البيت لا ينطقُ بالشِّعر ولا يفوه به، قالت إنَّك لمصدَّق فاندفعتْ راجعة، فلما ولَّت قال أبو بكر رضي الله عنه ما رأتك قال (( لا ما زالَ ملك يسترني حتَّى ولت ) ). وأخرجه الحميديُّ وأبو يعلى وابن أبي حاتم من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما نحوه.
وللحاكم من حديث زيد بن أرقم لما نزلت {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} قيل لامرأة أبي لهب إنَّ محمدًا هجاك، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت هل رأيتني أحمل حطبًا أو رأيت في جيدي حبلًا؟. [1]
وعن الضَّحَّاك كانت تنثر السَّعدان على طريق رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فيطؤه كما يطأُ أحدكم الحرير. وعن مرَّة الهمداني كانت أمُّ جميلٍ تأتي كلَّ يومٍ بحزمةٍ من الحسك والشَّوك والسَّعدان فتطرحها على طريق المسلمين، فبينما هي ذات يومٍ تحمله أعيت، فقعدت على حجرٍ تستريحُ فأتى ملكٌ فجذبها من خلفها فأهلكها [2] .
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ {حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} تَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ) أي قال مجاهد في قوله تعالى {وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} [المسد 4] كانت تمشي بالنَّميمة، وصله الفريابيُّ عنه. وأخرج سعيد بنُ منصور من طريق محمَّد بن سيرين قال كانت امرأة أبي لهب تنِمُّ على النَّبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المشركين. وكذا رواه عبد بن حميد عن شبابة عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد. وقال الفرَّاء كانت تنمُّ فتحرِّش فتوقد بينهم العداوة، فَكُنِّي عن ذلك بحمَّالة الحطب. انتهى.
وحاصله أنَّها كانت توقد نار العداوة، كما توقد النَّار بالحطبِ، فكنى عن ذلك بحملها الحطب، وقيل حمَّالة الخطايا والذُّنوب، فكنى عن ذلك.
( {فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ} [المسد 5] يُقَالُ مِنْ مَسَدٍ لِيفِ الْمُقْلِ، وَهْيَ السِّلْسِلَةُ
ج 21 ص 465
الَّتِي فِي النَّارِ) هذان قولان حكاهما الفراء
الأول أنَّ معنى قوله {فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ} [المسد 5] أي في عنقها حبلٌ من ليف المقل [3] ، وهذا هو الحبل الَّذي كان في الدُّنيا حين كانت تحمل الشَّوك، كما مر آنفًا.
والثاني أنَّ معنى قوله {مِنْ مَسَدٍ} هي السِّلسلة التي في النَّار، وهو في الآخرة.
فعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما وعروة أنَّه سلسلةٌ من حديدٍ ذرعها سبعون ذراعًا تدخل من فيها، وتخرج من دبرها، وتلوى سائرها في عنقها، فتلت من حديد فتلًا محكمًا.
وأخرج الفريابي من طريق مجاهد قال في قوله {حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ} من حديدٍ. وقال أبو عبيدة في عنقها حبلٌ من النَّار.
والمسد عند العرب حبالٌ من ضروب، وهذه الجملة حالٌ من (( حمَّالة الحطب ) )الَّذي هو نعتٌ لامرأته، أو خبر مبتدأ مقدر.
[1] في هامش الأصل وروى إسرائيل عن أبي إسحاق عن يزيد بن زيد قال لما نزلت هذه السورة قيل لامرأة أبي لهب إن محمدًا قد هجاك فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في الملأ قالت يا محمد على ماذا تهجوني فقال (( أما والله ما أنا هجوتك ما هجاك إلا الله ) ).
[2] في هامش الأصل ويروى أنها حملت ذات ليلة حزمة شوك لكي تطرحها في طريق المسلمين فوضعتها على جدار وشدتها بحبل من ليف يعني من ليف على صدرها فأتاها جبريل ومده خلف الجدار فخنقت حتى ماتت.
[3] في هامش الأصل المقل الكندر وهو ضرب من العلك.