12 - (باب الْحَلِفِ بِعِزَّةِ اللَّهِ) عزَّ وجلَّ (وَصِفَاتِهِ) كالخالق والسَّميع والبصير والعليم (وَكَلِمَاتِهِ) وفي رواية أبي ذرٍّ كالقرآن، أو بما أنزلَ الله، وفيه عطف العامِّ على الخاص، والخاص على العام؛ لأنَّ الصِّفات أعمُّ من العزَّة والكلام، والأيمان تنقسم إلى صريحٍ وكنايةٍ ومتردِّدٍ بينهما، وهو الصِّفات، وهل يلتحق الكناية بالصَّريح فلا تحتاج إلى قصدٍ أم لا.
والرَّاجح أنَّ صفات الذَّات منها ما يلتحق بالصَّريح، فلا تنفع معها التَّورية إذا تعلَّق بها حقُّ الآدمي، وصفات الفعل تلتحقُ بالكناية فعزَّة الله من صفات الذَّات، وكذا جلاله وعظمته، والقدرة تحتملُ أن تكون من صفات الذَّات فتكون اليمين بها صريحةٌ، وتحتمل إرادة المقدور فتكون كنايةً، كقول من يتعجَّب من الشَّيء انظر إلى قدرة الله سبحانه، وكذا العلم كقوله اللَّهم اغفرْ لنا علمك فينا؛ أي معلومك.
وقال ابن بطَّال اختلف العلماء في اليمين بصفات الله. فقال مالكٌ في «المدونة» الحلف بجميع صفات الله وأسمائه لازم كقوله والسَّميع والبصير والعليم والخبير واللَّطيف، أو قال وعزَّة الله تعالى وكبريائه وقدرتهِ وأمانته وحقِّه، فهي أيمان كلُّها تكفر. وذكر ابنُ المنذر مثله عن الكوفيين أنَّه إذا قال وعظمة الله وجلال الله وكبرياء الله وأمانة الله وحنث عليه الكفارة، وكذلك في كلِّ اسمٍ من أسماء الله تعالى. وقال الشَّافعي في جلال الله وعظمة الله وقدرة الله
ج 28 ص 70
وحقِّ الله وأمانة الله إن نوى بها اليمين فذاك وإلَّا فلا.
وقال أبو بكر الرَّازي عن أبي حنيفة إنَّ قول الرَّجل وحقِّ الله وأمانة الله ليست بيمينٍ؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم قال (( من كان حالفًا فليحلفْ بالله ) ). واختلفوا فيمن حلفَ بالقرآن، أو المصحف، أو بما أنزلَ الله فحنث؛ فروي عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه أنَّ عليه لكلِّ آيةٍ كفَّارة يمينٍ، وبهِ قال الحسن البصري وأحمد بن حنبل. وقيل كلام ابن مسعود محمولٌ على التَّغليظ، ولا دليل على صحَّته. وقال ابنُ القاسم إذا حلف بالمصحف عليه كفَّارة يمينٍ، وهو قول الشَّافعي فيمن حلف بالقرآن، وبه قال أبو عبيد. وقال عطاء لا كفَّارة عليه.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ) هذا طرفٌ من حديث وصله البخاريُّ في «التَّوحيد» من طريق يحيى بن يَعمر عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما [خ¦7383] . ووجه الاستدلال به على الحلف بعزَّة الله أنَّه وإن كان بلفظ الدُّعاء، لكنَّه لا يُستعاذ إلَّا بالله، أو بصفةٍ من صفات ذاته. وخفي هذا على ابن التِّين فقال ليس فيه جواز الحلف بالصِّفة كما بوَّب عليه.
وقال ابنُ المنير في «حاشيته» ما نصُّه قوله «أعوذ بعزَّتك» دعاء وليس بقسم، ولكنَّه لمَّا كان المقرر أنَّه لا يُستعاذُ إلَّا بالقديم، ثبتَ بهذا أنَّ العزة من الصِّفات القديمة لا من صفات الفعل فتنعقدُ اليمين بها.
(وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيَقُولُ يَا رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ، لاَ وَعِزَّتِكَ لاَ أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ) الخدري رضي الله عنه (قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ) عزَّ وجلَّ (لَكَ ذَلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ) هو مختصرٌ من حديثٍ طويل مضى في «صفة الحشر» من كتاب «الرِّقاق» [خ¦6573] ، والغرض منه قول الرَّجل لا وعزَّتك ذكره صلى الله عليه وسلم مقررًا له، فيكون حجَّةً في الحلف به.
(وَقَالَ أَيُّوبُ) عليه السلام (وَعِزَّتِكَ لاَ غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ) بكسر الغين المعجمة
ج 28 ص 71
وفتح النون مقصورًا؛ أي لا استغناء أو لابدَّ، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي بفتح المعجمة والمد.
والأوَّل أولى؛ فإنَّ معنى الغناء بالمد الكفاية يُقال ما عند فلان غناء؛ أي لا يغتنى به، وهو أيضًا طرفٌ من حديث مضى في كتاب «الطَّهارة» في باب «من اغتسل عريانًا وحدَه» [خ¦279] عن أبي هريرة رضي الله عنه قال (( بينا أيوب يغتسلُ عريانًا فخرَّ عليه جَرَادٌ من ذهب، فجعل أيُّوب يحتثي في ثوبه، فناداه ربُّه يا أيُّوب ألم أكن أغنيتك عمَّا ترى؟ قال بلى وعزَّتك، ولكن لا غنى بي عن بركتك ) ). ووجه الدَّلالة منه أنَّ أيُّوب عليه السلام لا يحلفُ إلَّا بالله، وقد ذكر النَّبي صلى الله عليه وسلم ذلك عنه وأقرَّه.