فهرس الكتاب

الصفحة 9117 من 11127

81 - (بابُ) جواز (الاِنْبِسَاطِ إِلَى النَّاسِ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني ، والمراد به أن يتلقى النَّاس بوجه بشوشٍ، وينبسط معهم بما ليسَ فيه ما ينكرُه الشَّرع

ج 26 ص 50

وما يرتكَب فيه الإثم، وكان النَّبي صلى الله عليه وسلم أحسن الأمَّة أخلاقًا وأبسطهم وجهًا. وقد وصفه الله عزَّ وجلَّ بقوله {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم 4] فكان ينبسطُ إلى النِّساء والصَّبيان ويداعبهم ويمازحُهم، وقد قال صلى الله عليه وسلم (( إني لأمزحُ ولا أقول إلَّا حقًا ) )فينبغِي للمؤمن الاقتداء بحسنِ أخلاقه وطلاقةِ وجهه.

(وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ) عبد الله رضي الله عنه (خَالِطِ النَّاس، وَدِينَكَ لاَ تَكْلِمَنَّهُ) وفي رواية أبي ذرٍّ بزيادة الفاء، إشارة إلى أن الانبساط مع النَّاس والمخالطة بهم مشروعٌ ولكن بشرط أن لا يحصل في دينهِ خللٌ ويبقى صحيحًا، وهو معنى قوله (( لا تَكْلِمَنَّه ) )بفتح المثناة الفوقية وسكون الكاف وكسر اللام وفتح الميم والنون المشددة، من الكَلْم _ بفتح الكاف وسكون اللام _ وهو الجرح وزنًا ومعنًى.

وقوله (( ودينك ) )يجوز فيه الرفع والنَّصب أمَّا الرفع فعلى أنَّه مبتدأ و (( لا تكلمنه ) )خبرُه، وأمَّا النَّصب، كما في الفرع وأصله فعلى شريطة التَّفسير والتَّقدير لا تكلمن دينك، وفسَّر المذكور المقدَّر.

وهذا التَّعليق وصله الطَّبراني في «الكبير» من طريقِ عبد الله بن بابا _ بموحدتين _، عن ابن مسعود رضي الله عنه بلفظ (( خالطوا النَّاس وصافوهُم بما تشتهونَ ودينكم فلا تَكْلِمُنَّه ) )وهذه بضم الميم. وأخرجه ابنُ المبارك في كتاب «البر والصلة» من وجه آخر عن ابن مسعود رضي الله عنه بلفظ (( خالقوا النَّاس وزايلوهُم في الأعمال ) ). وعن عمر رضي الله عنه مثله قال (( وانظروا أن لا تَكْلِموا دينكم ) ).

(وَ) جواز (الدُّعَابَةِ مَعَ الأَهْلِ) بالجرِّ عطفًا على الانبساط، وهو من بقية التَّرجمة، ويجوز الرفع بالعطف على (( باب ) )، و (( الدُّعَابة ) )_ بضم الدال وتخفيف العين المهملتين وبعد الألف موحدة _ هي الملاطفةُ في القول بالمزاح وغيره من دَعَب يَدْعَب فهو دَعَّاب. قال الجوهريُّ أي لعاب والمُدَاعَبة الممازحة. وأمَّا المُزاح فهو بضم الميم، وقد مزح يمزح، والاسم المُزاح _ بالضم _ والمزاحة أيضًا، وأمَّا المِزح _ بكسر الميم _ فهو مصدر.

وقد أخرج التِّرمذي وحسَّنه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قالوا يا رسول الله، إنَّك تلاعبنا

ج 26 ص 51

قال (( إني لا أقولُ إلَّا حقًا ) ). وأخرجَ من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما رفعه (( لا تمارِ أخاك ولا تمازحُه ... ) )الحديث.

ويجمع بينهما بأنَّ المنهي عنه ما فيه إفراطٌ، أو مداومة عليه لما فيه من الشُّغل عن ذكر الله، والتَّفكر في مهمات الدِّين، ويؤول كثيرًا إلى قسوة القلبِ والإيذاء والحقد والمخاصمة وسقوطِ المهابة والوقار، والذي يسلمُ من ذلك هو المباح، فإن صادفَ مصلحة مثل تطييب نفس المخاطبِ ومُؤانسته فهو مستحبٌّ.

قال الغزاليُّ من الغلط أن يتَّخذ المزاحَ حرفةً، ويتمسَّك بأنَّه صلى الله عليه وسلم مزح، فهو كمن يدور مع الزِّنج حيث دار؛ لينظر رقصَهم، ويتمسَّك بأنَّه صلى الله عليه وسلم أذن لعائشة رضي الله عنها أن تنظرَ إليهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت