14 - (باب {وَلاَ يَحْسِبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ} ) قال الزَّمخشري {وَلَا تَحْسَبَنَّ} من قرأ بالتاء قدَّر مضافًا محذوفًا؛ أي ولا تحسبن بخل الَّذين يبخلون هو خيرًا لهم، وكذلك من قرأ بالياء، وجعل فاعل يحسب ضمير رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو ضمير أحد، وأما من جعل فاعله (( الذين يبخلون ) )كان المفعول الأول عنده محذوفًا تقديره ولا يحسبن الذين يبخلون بخلهم هو خيرًا لهم، والَّذي سوَّغ حذفه دلالة (( يبخلون ) )عليه، وقوله {هُوَ خَيْرًا لَهُمْ} كلمة {هُوَ} فصل، وقرأ الأعمش بغير هو ( {بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ} ) وقوله ( {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} ) بيانٌ وتفسير لقوله {بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ} ؛ أي سيصير عذاب بخلهم لازمًا كالطَّوق في أعناقهم، وسيلزمون وبال ما بخلوا به إلزام الطَّوق، روي أنَّه يصير حيَّةً تنهشُه من فرقه إلى قدمهِ وتنقر رأسه.
وروى عبد الرَّزَّاق وسعيد بن منصور من طريق إبراهيم النَّخعي
ج 19 ص 226
بإسنادٍ جيِّدٍ في هذه الآية {سَيُطَوَّقُونَ} قال يطوق من النَّار.
( {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ} ) ما فيهما ممَّا يتوارثُ ملك له تعالى، فما لهؤلاء يبخلون بملكه ولا ينفقونه في سبيله ( {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ} ) أي من المنع والإعطاء ( {خَبِيرٌ} ) فيجازيكم، وقُرئ بالتاء وبالياء هكذا وقع للأكثر بتمام الآية، وسقط في رواية أبي ذرٍّ من قوله < {هُوَ خَيْرًا لَهُمْ} ... > إلى آخره وقال .
قال الواحدي أجمع المفسِّرون على أنَّها نزلت في مانعي الزَّكاة، وروى عطيَّة العوفي فيما رواه ابن جُريج عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّها نزلت في أحبار اليهود الَّذين سئلوا أن يخبروا بصفة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عندهم فبخلوا بذلك وكتموهُ، فيكون المراد بالبخلِ كتمان العلم الَّذي آتاهُم الله عزَّ وجلَّ، وذكره الزَّجاج أيضًا عن ابن جريج، واختاره، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا (( من سُئل عن علمٍ فكتمَه ألجمه الله بلجامٍ من نارٍ يوم القيامة ) )رواه أحمدُ وأبو داود وابن ماجه والتِّرمذي وحسَّنه والحاكم وصحَّحه.
وفي «تفسير» أبي عبد الله بن النقيب أنَّ هذه الآية الكريمة نزلت في البخيلِ بنفقة الجهاد حين كانت النَّفقة فيه واجبةٌ. وقيل نزلت في النَّفقة على العيال وذوي الأرحام إذا كانوا محتاجين، والله تعالى أعلم.
( {سَيُطَوَّقُونَ} كَقَوْلِكَ طَوَّقْتُهُ بِطَوْقٍ) أي جعلت في عنقه طوقًا حتَّى صار مطوقًا، أرادَ بهذا تفسير قوله تعالى {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ} [آل عمران 180] . وحاصل المعنى أنَّ ما بخلوا به في الدُّنيا يجعل أطواقًا يوم القيامة فيُطوقون بها، فعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما سيحملون يوم القيامة ما بخلوا به. وعن مجاهدٍ يُكلفون أن يأتوا بما بخلوا به. وعن أبي مالكٍ العبدي يخرج لهم ما بخلوا به شجاعًا أقرع من النَّار فيطوَّقونه. وعن ابن مسعودٍ رضي الله عنه ثعبانًا يلتوي به رأس أحدهم.