14 - (بابُ قَوْلِهِ تَعَالَى) كذا في رواية أبي ذرٍّ، وسقط في رواية غيره لفظ ( {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا} ) أي ما جعلنا القبلة التي تحبُّ أن تستقبلها الجهة التي كنت عليها أولًا بمكَّة؛ يعني ما رددناك إليها، ويُقال {الْقِبْلَةَ} مفعول أول، و {الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا} مفعول ثان فإنَّ الجعل بمعنى التَّصيير؛ أي الجهة الَّتي كنت عليها، وهي الكعبةُ، فإنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يُصلِّي إليها بمكَّة، ثمَّ لمَّا هاجر أُمر بالصَّلاة إلى بيت المقدس تألُّفًا لليهود؛ أي أنَّ أصل أمرك أن تستقبلَ الكعبة وما جعلنا قبلتك بيت المقدس.
(إِلاَّ لِنَعْلَمَ) أي لنختبر (مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ) في الصَّلاة إلى الكعبة، أو إلى بيت المقدس (مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ) يعني ما جعلنا ذلك إلَّا امتحانًا للنَّاس وابتلاء لنعلم الثَّابت على الإسلام الصَّادق فيه ممَّن هو على حرف ينكصُ على عقبيه لقلقه فيرتدُّ عن دينه، وكلمة «من» موصولة، وهي مع صلتها في محلِّ مفعول نعلم، وعلى عقبيه في محل النَّصب على الحالِ. قال البيضاوي فإن قلت كيف يكون علمه تعالى غاية الجعل، وهو لم يزل عالمًا؟.
وأجاب بأنَّ هذا وأشباهه باعتبار التَّعلق الحالي الَّذي هو مناطُ الجزاء، والمعنى ليتعلَّق علمنا به موجودًا، أو قيل ليعلم رسوله والمؤمنون، لكنَّه أسندَه إلى نفسه؛ لأنَّهم خواصُّه، أو لتميُّز الثَّابت من المتزلزل، كقوله تعالى {لِيَمِيْزَ اللَّهُ الْخَبِيْثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [الأنفال 37] فوضعَ العلم موضع التَّمييز المسبب عنه.
( {وَإِنْ كَانَتْ} ) كلمة {إِنْ} هي المخفَّفة التي تلزمها اللام الفارقة، والضَّمير في كانت للتَّحويلة أو القبلة ( {لَكَبِيرَةً} )
ج 19 ص 56
أي لثقيلةً شاقَّةً ( {إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ} ) وهم الثَّابتون الصَّادقون في اتِّباع الرَّسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والاستثناء مفرَّغٌ، وجاز ذلك وإن لم يتقدَّمه نفيٌ ولا شبهه؛ لأنَّه في معنى النفي ( {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} ) أي ثباتكم على الإيمان، وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما؛ أي بالقبلة الأولى وتصديقكم نبيُّكم باتباعه وإلى القبلة الآخرة؛ أي يُعطيكم أجرهما جميعًا أو صلاتكم إليها ( {إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤوفٌ رَحِيمٌ} ) وفي رواية أبي ذرٍّ بعد قوله {مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُوْلَ} ، وسقط ما بعدها عندَه.