وقد روى التِّرمذي من حديث عائشة رضي الله عنها عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( بيت لا تمرَ فيه جياعٌ أهله ) )وقال هذا حديثٌ حسنٌ غريب، والرُّطَبُ والتَّمْر من أطيبِ ما خلق الله عزَّ وجلَّ وأباحه للعباد، وهو طعامُ أهل الحجاز وعمدةُ أقواتهم، وقد دعا إبراهيم عليه السَّلام لتمر مكَّة بالبركة ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لتمر المدينة بمثلِ ما دعا به إبراهيم عليه السَّلام فلا تزال البركةُ في تَمْرِهم وثِمَارِهم إلى السَّاعة.
وقد وقع في كتاب ابن بطَّال بالباء الموحدة، وليس في حديثي الباب مثل لذلك.
(وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى) خطابًا لمريم عليها السَّلام حين أجاءها المخاض بعيسى عليه السَّلام ( {وَهُزِّي إِلَيْكِ} ) أي حَرِّكي إلى نفسك ( {بِجِذْعِ النَّخْلَةِ} ) وهو ساقها، والباء زائدة، كما قال أبو علي هزي جذع النَّخلة [1] ، وكانت ليس لها سعف ولا كرانيف ولا عذوق [2] وكانت في موضع يقال له بيت لحم، وهي قرية قريبة من بيت المقدس على ثلاثة أميالٍ، وكانت
ج 23 ص 493
لمَّا حَمَلَتْ بعيسى عليه السَّلام خافت على نفسها من قومها وخرجت مع ابن عمِّها يوسف طالبة أرضَ مصر، فلمَّا وصلتْ إلى النَّخلة أدركها النَّفاس واحتضنت النَّخلة، وأحدقت بها الملائكة، فنوديت {أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} [مريم 24] ؛ أي نهرًا ولم يكن هناك نهر ولا عين، وقيل المراد بالسَّري عيسى عليه السَّلام وعلى الأوَّل الجمهور. وقال مقاتل لما سقط عيسى عليه السَّلام على الأرض ضرب برجلهِ فنبع الماء وأَطْلَعَتِ النَّخلةُ وأورقتْ وأثمرتْ، وقيل لها هزِّي إليك بجذع النَّخلة؛ أي حركيه.
( {تَسَّاقَطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا} ) أي غصنًا طريًا بلغ الغايةَ وجاء وقت اجتنائه، ولهذا استحبَ العلماءُ للنُّفساء أكلَ الرُّطب. وقال الرَّبيع بن خيثم ما للنُّفساء عندي خير من الرُّطب، ولا للمريض من العسل، ثمَّ قرأ هذه الآية، رواه عبد بن حميد.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو يعلى الموصلي وأبو بكر بن السُّني من حديث علي رضي الله عنه رَفَعَه، قال (( أطعموا نفساءكُم الولد الرُّطَب فإن لم يكن رطب فتمر، وليس من الشَّجر شجرة أكرم على الله تعالى من شجرة نزلت تحتها مريم عليها السَّلام ) ).
وقراءة الجمهور {تَسَّاقَطْ} بتشديد السين، وأصله تتساقط. وقراءة حمزة بالتَّخفيف، وهي رواية عن أبي عَمرو على حذف إحدى التَّاءين، وفيها قراءتان أخريان (( تُسَاقِط ) )بضم التاء وتخفيف السين وكسر القاف، وهي قراءة عاصم من رواية حفص، و (( يسَّاقَط ) )بالتحتية وتشديد السين وفتح القاف، وهي قراءة يعقوب من رواية روح.
[1] في هامش الأصل مما ينسب إلى علي رضي الله عنه
توكل على الرحمن ثم اطلب الغنى فإني رأيت الفخر في ترك الطلب
ألم تر أن الله قال لمريم وهزي إليك الجذع تساقط الرطب
ولو شاء مال الجذع من غير هزها إليها ولكن الأمور لها سبب
توكل على الرحمن في كل حاجة ولا تتركن الجهد في كثرة التعب
[2] بياض في الأصل.