9 - (بابٌ) بالتنوين (هَلْ يُدْخِلُ) من الإدخال (الْجُنُبُ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ) الذي فيه ماء الغسل (قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا) خارج الإناء (إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى يَدِهِ قَذَرٌ) بالذال المعجمة؛ أي شيء مستكره من نجاسة وغيرها، يقال قذِرت الشيء بالكسر؛ أي كرهته.
(غَيْرُ الْجَنَابَةِ) يجوز في «غير» النصب على الاستثناء، والرفع على البدل، وهذا يشعر بأنَّ الجنابة نجسٌ، وليس كذلك؛ لأن المؤمن لا ينجس كما ثبت ذلك في (( الصحيح ) ).
فقال الحافظ العسقلاني معناه حكمها فإن أثر الجنابة مختلف فيه فدخل في قوله قذر.
وقال محمود العيني لم تدخل الجنابة في القذر أصلًا؛ لأنها أمر معنوي لا يوصف بالقذارة حقيقة، فإن كان مراد هذا القائل من قوله؛ أي حكمها الاغتسال فلا دخل له هاهنا، وإن كان النجاسة فقد قلنا إن المؤمن لا ينجس، وكذا إن كان مراده من قوله؛ لأن أثرها المني، إذ هو ظاهر في مذهبه، فتأمَّل.
قال المهلَّب أشار البخاري رحمه الله بذلك إلى أنَّ يد الجنب إذا كانت نظيفةً جاز له إدخالها الإناء قبل أن يغسلها؛ لأنه ليس بشيءٍ من أعضائه نجسًا بسبب كونه جنبًا.
(وَأَدْخَلَ) هذه الواو كما مرَّ غير مرَّة هي الواو التي تسمَّى واو الاستفتاح يستفتح بها الكلام (ابْنُ عُمَرَ) بن الخطاب
ج 2 ص 410
رضي الله عنهما (وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ) رضي الله عنه (يَدَهُ) بالإفراد؛ أي أدخل كلُّ واحدٍ منهما يده، وفي رواية أبي الوقت بالتثنية على الأصل، وفي بعض النسخ .
(فِي الطَّهُورِ) بفتح الطاء المهملة، وهو الماء الذي يُتَطهَّر به في الوضوء والاغتسال (وَلَمْ يَغْسِلْهَا) أي قبل الإدخال (ثُمَّ تَوَضَّأَ) أي كلٌّ منهما، وفي بعض النسخ بالتثنية في الكل، واستنبط من هذا الأثر جواز إدخال الجنب يده في إناء الماء قبل أن يغسلها إذا لم يكن عليها نجاسة حقيقية.
وقال الشعبي كان الصحابة رضي الله عنهم يدخلون أيديهم الماء قبل أن يغسلوها وهم جنب، وكذا النساء، وروي نحوه عن ابن سيرين وعطاء وسالم وسعد بن أبي وقَّاص وسعيد بن جبير وابن المسيَّب رحمهم الله، ثمَّ إن هذا الأثر معلَّق، وقد وصله إلى ابن عمر رضي الله عنهما سعيد بن منصور، لكن بمعناه.
فإن قيل قد روى ابن أبي شيبة عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال من اغترف من ماء، وهو جنب، فما بقي نجسٌ، وهذا يعارض ما أخرجه المؤلِّف؟، فالجواب أن هذا محمولٌ على ما إذا كان بيده قذر توفيقًا بين الأثرين.
وقال الحافظ العسقلاني وروى عبد الرزاق عنه (( أنه كان يغسل يده قبل التطهُّر ) )، ويجمع بينهما بأن ينزلا على حالتين، فحيث لم يغسل كان متيقنًا أن لا قذر في يده، وحيث غسل كان ظانًا أو متيقنًا أن فيها شيئًا، أو غسل للندب وترك للجواز، والله أعلم، وأمَّا البراء بن عازب فقد وصله إليه ابن أبي شيبة بلفظ (( أنه أدخل يده في المطهرة قبل أن يغسلها ) ).
(وَلَمْ يَرَ ابْنُ عُمَرَ) رضي الله عنهما فيما وصله عبد الرزاق بمعناه (وَابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما فيما وصله ابن أبي شيبة عنه، وسيأتي، وعبد الرزاق من وجهٍ آخر أيضًا عنه.
(بَأْسًا) مفعول لم ير (بِمَا يَنْتَضِحُ) ويترشح ويترشش (مِنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ) أي من ماء يغتسل به في الإناء الذي يغتسل منه، فإنَّه روى ابن أبي شيبة عن حفص، عن العلاء بن المسيَّب، عن حماد، عن إبراهيم، عن ابن عبَّاس في الرجل يغتسل من الجنابة فينتضح في إنائه من غسله فقال لا بأس به، وفيه انقطاعٌ فيما بين إبراهيم وابن عباس.
وروي مثله عن أبي هريرة وابن سيرين والنخعي والحسن فيما روى ابن أبي شيبة عنه أنه قال ومن يملك انتشار الماء، إنا لنرجو من رحمة الله ما هو أوسع من هذا.
وإنَّما لم ير الصحابي بذلك بأسًا؛ لأنه ما يشقُّ الاحتراز عنه، فكان في مقام العفو، ويقرب منه ما روي عن أبي يوسف رحمه الله فيمن كان يصلِّي فانتضح عليه البول أكثر من قدر الدرهم، فإنَّه لا تفسد صلاته، بل ينصرف ويغسل ذلك، ويبني على صلاته.
ويقرب منه أيضًا ما حكي عن محمد بن الباقر، أو علي بن الحسين زين العابدين رضي الله عنهم أنه رأى في الخلاء ذبانًا يقعن على النَّجاسات ثمَّ يقعن على الثياب، فأمر بثياب الخلاء، فلما مضى على ذلك زمان رجع عن ذلك، واستغفر الله، فسُئل عن ذلك فقال أحدثت ذنبًا
ج 2 ص 411
فاستغفرته، فقيل وماذا فعلت؟ فقال فعلت شيئًا لم يفعله الصَّالحون ولا خير في البدعة.
وحكي عن الحسن البصري أنه سأله رجلٌ عن دم البق فقال له من أين أنت؟ فقال من الشَّام، فقال انظروا إلى قلَّة حياء هذا الرجل، فإنَّه من قومٍ أراقوا دم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثمَّ جاءني وسألني عن دم البق، وأصل هذا كله ما روي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم (( بعثت بالحنيفيَّة السَّمحة السَّهلة، ولم أبعث بالرهبانية الصعبة ) ).
وأمَّا توجيه الاستدلال بهذا الأثر للترجمة فمن حيث إنَّ الجنابة لو كانت تؤثِّر في الماء لامتنع الاغتسال من الماء الذي تقاطر فيه ما لاقى بدن الجنب من ماء اغتساله هذا.