5920 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي نسخة (مُحَمَّدٌ) هو ابنُ سلام (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد أيضًا (مَخْلَدٌ) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح اللام وآخره دال مهملة، هو ابنُ يزيد _ بالزاي _ الحراني (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد أيضًا (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد أيضًا (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ حَفْصٍ) هو عبيدُ الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو العُمري المشهور، نسبه ابنُ جُريج في هذه الرِّواية إلى جدِّه، وقد أخرجه أبو قرَّة في «السُّنن» عن ابن جريج وأبو عَوانة من طريقه فقال عن عبيد الله بن عمر بن حفص.
(أَنَّ عُمَرَ بْنَ نَافِعٍ أَخْبَرَهُ عَنْ) أبيه (نَافِعٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ) وعبيد الله بن عمر، وشيخه هنا عمر بن نافع والراوي عنه وهو ابنُ جريج أقران متقاربون في السِّنِّ واللِّقاء والوفاة، واشترك الثَّلاثة في الرِّواية عن نافعٍ فقد نزل ابن جريجٍ في هذا الإسناد درجتين، وفيه دَلالةٌ على قلَّة تدليسه.
ج 25 ص 256
وقد وافق مخلد بن يزيد على هذه الرِّواية أبو قرَّة موسى بن طارق في «السُّنن» عن ابن جريج، وأخرجه أبو عَوانة وابن حبَّان في «صحيحيهما» من طريقه، وأخرجه أبو عَوانة أيضًا من طريق هشام بن سليمان عن ابن جُريج، وكذلك قال حجَّاج بن محمَّد، عن ابن جُريج.
وأخرجه النَّسائيُّ والإسماعيليُّ وأبو عَوانة وأبو نُعيم في «المستخرج» من طريقه، لكن سقط ذكر عمر بن نافع من رواية النَّسائيِّ ومن رواية لأبي عَوانة أيضًا.
وقد صرَّح الدَّارقطنيُّ في «العلل» بأنَّ حجَّاج بن محمد وافقَ مخلد بن يزيد على ذكر عمر بن نافع، وأخرجه النَّسائيُّ من رواية سفيان الثَّوري على الاختلاف عليه في إسقاط عمر بن نافع، وإثباته وقال إثباته أولى بالصَّواب. وأخرجه الترمذيُّ من رواية حمَّاد بن زيد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافعٍ لم يذكر عمر بن نافع وهو مقلوب، وإنَّما هو حمَّاد بن زيد، عن عبد الرحمن السَّراج عن نافعٍ. أخرجه مسلم.
وقد أخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ وابن ماجه وابن حبان وغيرهم من طرقٍ متعدِّدة عن عبيد الله بن عمر بإثبات عمر بن نافع، ورواه سفيان بن عيينة ومعتمر بن سليمان ومحمد بن عبيد الله بإسقاطه، وكأنَّهم سلكوا الجادة؛ لأنَّ عبيد الله بن عمر معروفٌ بالرواية عن نافع مُكثر عنه، والعمدة على من زاد «عمر بن نافع» بينهما؛ لأنَّهم حفَّاظٌ ولاسيما فيهم من سمع من نافع نفسه كابن جُريج.
(أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ) رضي الله عنهما (يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنِ الْقَزَعِ) وفي رواية مسلم (( أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن القزع ) ) (قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ) أي ابن حفص العمري، وهو موصولٌ بالإسناد المذكور (قُلْتُ) أي لعمر بن نافع الَّذي روى عنه (وَمَا الْقَزَعُ؟) قال الحافظ العسقلانيُّ وظاهره أنَّ المسؤول هو عمرُ بن نافع لكن بيَّن مسلم أنَّ عبيد الله إنَّما سأل نافعًا، وذلك أنَّه أخرجه من طريق يحيى القطَّان، عن عُبيد الله بن عمر، أخبرني عمر بن نافع عن أبيه، فذكر الحديث قال قلت
ج 25 ص 257
لنافع وما القزع؟ فذكر الجواب.
(فَأَشَارَ لَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ) العمريُّ (قَالَ) أي نافع، وهو ظاهر سياق مسلم من طريق يحيى القطَّان المذكورة، ولفظه قال يُحلق بعض رأس الصَّبيِّ ويُترك بعض (إِذَا حُلِقَ الصَّبِيُّ) بضم الحاء المهملة على البناء للمفعول (وَتُرَكَ هَاهُنَا شَعَرَةً) وفي رواية أبي ذرٍّ بضم الياء على البناء للمفعول، و بحذف التاء نائب عن الفاعل.
(وَهَاهُنَا وَهَاهُنَا، فَأَشَارَ لَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ إِلَى نَاصِيَتِهِ وَجَانِبَيْ رَأْسِهِ) قال العينيُّ قوله (( إذا حُلق صبيٌّ ) )إلى قوله (( فأشار لنا عبيد الله إلى ناصيته إلى آخره ) )كلام عمر بن نافع الَّذي سأله عبيد الله، وذكر لفظ فأشار لنا عبيد الله مرَّتين الأول فيه حذف تقديره فأشار لنا عبيد الله ناقلًا من كلام عمر بن نافع أنَّه قال القزع إذا حلق صبي، وترك هنا شعره وهاهنا وهاهنا.
الثَّاني وهو قوله (( فأشار لنا عبيد الله إلى ناصيتهِ وجانبي رأسه ) )من كلام عبيد الله نفسه، وفي التَّركيب قلاقة، فلهذا قال الكرمانيُّ فإن قلت ما حاصل هذا الكلام؟
قلت حاصله أنَّ عُبيد الله قال قلت لشيخي عمر بن نافع ما معنى القزع؟ فقال إنَّه إذا حُلق رأس الصَّبي يُترك هاهنا شعر وهاهنا شعر وهاهنا شعر، فأشار عبيد الله إلى ناصيته وطرفي رأسه، يعني فسَّر لفظ «هاهنا» الأول بالناصية، والثَّاني والثالث بجانبيها.
(قِيلَ لِعُبَيْدِ اللَّهِ) قال الحافظ العسقلانيُّ لم أقف على تسمية القائل، ويحتمل أن يكون هو ابنُ جريج أبهم نفسه (فَالْجَارِيَةُ) كأنَّ السائل فهم التَّخصيص بالصَّبي الصَّغير فسأل عن الجارية الأنثى، وعن الغلام والمراد به غالبًا المرافق؛ أي هل في ذلك سواءٌ.
(قَالَ لاَ أَدْرِي هَكَذَا قَالَ الصَّبِيُّ) يعني أنَّ الذي قاله هو الصَّبي. قال الكرمانيُّ ولا شكَّ أنَّه ظاهرٌ في الغلام، ويحتمل أن يُقال إنَّه فعيلٌ يستوي فيه المذكر والمؤنث أو هو للذَّات الذي له الصِّبا (قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ) هو موصولٌ بالسند المذكور (وَعَاوَدْتُهُ) أي وعاودت عمر بن نافع كأنَّ عبيد الله لما أجاب السَّائل بقوله لا أدري، أعاد سؤال شيخه عنه،
ج 25 ص 258
وهذا يُشعر بأنَّه حدَّث عنه به في حال حياته، وقد أخرج مسلمٌ الحديث من طريق أبي أسامة عن عبيد الله بن عمر قال وجعل التَّفسير من قول عبيد الله بن عمر، ثمَّ أخرجه من طريق عثمان الغطفاني وروح بن القاسم كلاهما عن عمر بن نافع قال وأَلحقا التَّفسير في الحديث يعني أدرجاه ولم يسقْ مسلم لفظه.
وقد أخرجهُ أحمد عن عثمان الغطفاني ولفظه «نهى عن القزع، والقزعُ أن يحلقَ ... » فذكر التَّفسير مدرجًا، وأخرجه أبو داود عن أحمد. وأمَّا رواية روح بن القاسم فأخرجها مسلمٌ وأبو نُعيم في «المستخرج» ، وقد أخرجه مسلمٌ من طريق عبد الرحمن السَّراج عن نافعٍ ولم يسقْ لفظه، وأخرجه أبو نُعيم في «المستخرج» من هذا الوجه فحذف التَّفسير. وأخرجه مسلمٌ أيضًا من طريق مَعمر عن أيُّوب، عن نافع ولم يسق لفظه، وهو عند عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عن مَعمر.
وأخرجهُ أبو داود والنَّسائي وفي سياقه ما يدلُّ على مستند من رَفَعَ تفسير القزع، ولفظه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم رأى صبيًّا قد حُلق بعضَ رأسه وتُرك بعضه، فنهاهم عن ذلك وقال (( احلقوا كله أو ذروا كله ) ). قال النَّوويُّ الأصحُّ أنَّ القزع ما فسَّره به نافع، وهو حلق بعض رأسي الصَّبي مطلقًا، ومنهم من قال هو حلقُ مواضع متفرقة منه، والصَّحيح الأوَّل لأنَّه تفسير الراوي، وهو غير مخالفٍ للظَّاهر فوجب العمل به. وقال الحافظ العسقلانيُّ إلَّا أنَّ تخصيصَ الصَّبي ليس قيدًا.
قال النَّوويُّ أجمعوا على كراهته إذا كان في مواضع متفرِّقة إلَّا أن يكون للمداواة ونحوها، وهي كراهة تنزيه، ولا فرق بين الرَّجل والمرأة، وكرهه مالك في الجارية والغلام، وقيل في رواية لهم لا بأس به في القصَّة والقفا للغلام والجارية كما سيجيء قال ومذهبنا كراهته مطلقًا، وحجَّته ظاهرةٌ؛ لأنَّه تفسير الراوي. واختلف في علَّة النَّهي فقيل هي تشويه الخلق، وقيل هي زيُّ الشَّيطان،
ج 25 ص 259
وقيل هي زيُّ اليهود، وقد جاء هذا في روايةٍ لأبي داود، وقيل هي زيُّ أهل الشَّر والدعارة.
وقال الغزاليُّ في «الإحياء» لا بأس بحلق جميع الرَّأس لمن أراد التَّنظيف، ولا بأس بتركه لمن أراد أن يدَّهن ويترجَّل. وادَّعى ابن عبد البرِّ الإجماع على إباحة حلقِ الجميع، وهو رواية عن أحمد، ورُوي عنه أنَّه مكروهٌ لما رُوي عنه أنَّه من وصف الخوارج.
(فَقَالَ أَمَّا الْقُصَّةُ وَالْقَفَا لِلْغُلاَمِ فَلاَ بَأْسَ بِهِمَا) القُصَّة _ بضم القاف وتشديد الصاد المهملة _، وقال ابن التِّين بفتح القاف، وقيل بالضم وهو الصَّواب، والمراد بها هنا شعر الصَّدغين، والمراد بالقفا هو شعرُ القفا، وهو مقصورٌ يكتب بالألف وربما يمدُّ. وأخرج ابن أبي شيبة من طريق إبراهيم النَّخعي قال لا بأس بالقصَّة، وسنده صحيحٌ.
وقد يطلق القصَّة على الشَّعر المجتمع الَّذي يوصل على الأذن من غير أن يوصلَ بشعر الرَّأس، وليس هو المراد هنا، وسيأتي الكلام عليه في «باب الموصولة» [خ¦5940] .
(وَلَكِنَّ الْقَزَعَ) المكروه للتنزيه (أَنْ يُتْرَكَ بِنَاصِيَتِهِ شَعَرٌ) بضم التحتية على البناء للمفعول و (( شعر ) )نائب الفاعل (وَلَيْسَ فِي رَأْسِهِ غَيْرُهُ، وَكَذَلِكَ شَقُّ رَأْسِهِ) بكسر الشين المعجمة وفتحها (هَذَا وَهَذَا) أي جانبيه، وأمَّا ما أخرجه أبو داود من طريق حمَّاد بن سلمة، عن أيُّوب، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القزع، وهو أن يُحلقَ رأس الصَّبي ويُتَّخذ له ذؤابة، فقال الحافظ العسقلانيُّ ما أعرف الَّذي فسَّر القزع بذلك.
وقد أخرج أبو داود عقب هذا من حديث أنسٍ رضي الله عنه كانت لي ذؤابةٌ، فقالت أمِّي لا أجزُّها فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمدُّها ويأخذ بها. وأخرج النَّسائي بسندٍ صحيحٍ عن زياد بن حُصين، عن أبيه أنَّه أي النَّبي صلى الله عليه وسلم وضع يده على ذؤابته ودعا له.
ومن حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه وأصله في «الصحيحين» [خ¦5000] قال قرأت من فِيِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة،
ج 25 ص 260
وإن زيد بن ثابت لمع الغلمان له ذؤابتان. ويمكن الجمع بأنَّ الذُّؤابة الجائز اتِّخاذها ما يُفرد من الشَّعر فيُرسل، ويُجمع ما عداه بالضفر وغيره، والتي يُمنع أن يُحلق الرَّأس كلَّه، ويُترك ما في وسطه فيتَّخذ ذؤابة.
وقد صرَّح الخطابيُّ بأن هذا ممَّا يدخل في معنى القزع. ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرةٌ.
وقد أخرجه مسلمٌ في «اللِّباس» ، وأبو داود في «الترجل» ، والنَّسائيُّ في «الزِّينة» ، وابن ماجه في «اللِّباس» .