54 - (باب) وفي نسخة سقط لفظ ( {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} ) من السُّوء ( {يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} ) يوم القيامة ( {فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ} ) مغفرته ( {وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} ) تعذيبَه، فيغفرُ ويعذب مجزومان عطفًا على الجزاء المجزوم، ورفعهما ابن عامر وعاصم على أنَّه خبر مبتدأ محذوفٍ؛ أي فهو يغفر ( {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ) فيقدر على الإحياء والمحاسبة، وسقط في رواية أبي ذرٍّ قوله < {يُحَاسِبْكُمْ} ... > إلى آخر الآية، وقال بعد قوله {أَوْ تُخْفُوهُ} .
وفي «تفسير» ابن المنذر عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما ومولاه نزلت هذه الآية في كتمان الشَّهادة.
وقال ابنُ أبي حاتم وروي عن الشَّعبي ومقسم مثله،
ج 19 ص 160
وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة رضي الله عنه لمَّا نزلت هذه الآية الكريمة قالت الصَّحابة يا رسول الله، كُلِّفنا من الأعمال ما نُطيق الصَّلاة والصِّيام والجهاد والصَّدقة، وقد أُنزلت هذه الآية ولا نُطيقها فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتاب من قبلكم سمعنا وعصينا؟ بل قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، فلمَّا اقترأها القوم، وذلَّت بها ألسنتُهم فأنزل الله عزَّ وجلَّ {آَمَنَ الرَّسُولُ} إلى {وإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة 285] فلمَّا فعلوا ذلك نسخها الله تعالى فأنزل {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} إلى قوله {أَخْطَأْنَا} [البقرة 286] ) ).
وعند الواحدي الصَّحابة الَّذين قالوا ذلك أبو بكرٍ وعمر وعبد الرَّحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وناس من الأنصار رضي الله عنهم فقالوا ما نزلت آيةٌ أشدُّ علينا من هذه الآية فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( هكذا أُنزلت، فقولوا سمعنا وأطعنا، فمكثوا بذلك حولًا فأنزل الله عزَّ وجلَّ الفرج والراحة بقوله {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} ) )فنسخت هذه الآية ما قبلها فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( إنَّ الله تجاوز لأمَّتي ما حدَّثت به أنفسها ما لم يعملوا أو يتكلَّموا به ) ).
وعند النَّحَّاس قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما هذه الآية لم تُنسخ، ووجه ما قاله أنَّ هذه الآية خبرٌ، والأخبارٌ لا يلحقها ناسخٌ ولا منسوخٌ. قيل ومن زعم أنَّ في الأخبار ناسخًا ومنسوخًا فقد ألحد وجهل.
وأُجيب بأنَّه وإن كان خبرًا لكنَّه يتضمَّن حكمًا ومهما كان من الأخبار يتضمَّن حكمًا أمكن دخول النَّسخ فيه كسائر الأحكام، وإنَّما الَّذي لا يدخله النَّسخ من الأخبار ما كان خبرًا محضًا لا يتضمَّن حكمًا كالإخبار عمَّا مضى من أحاديث الأمم ونحو ذلك، وقيل يحتمل أن يكون المراد بالنَّسخ في الحديث التَّخصيص، فإنَّ المتقدِّمين يطلقون لفظ النَّسخ عليه كثيرًا.
وفي «تفسير» ابن أبي حاتم من حديث علي بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما هذه الآية لم تُنسخ، ولكن إذا جمع الله الخلائق يقول إنِّي أخبركم ما أخفيتم في أنفسكم ممَّا لم يطَّلع عليه ملائكتي، فأمَّا المؤمنون فيخبرهم، ثمَّ يغفر لهم، وأمَّا أهل
ج 19 ص 161
الرَّيب فيخبرهُم بما أخفوا من التَّكذيب، فذلك قوله تعالى {فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} [البقرة 284] .